تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 
calligraphy
fShare
0
Pin It

مقام القطب - مقام العبودية المحضة

من كتاب شمس المغرب

إن خير وصف يوصف به الإنسان بالنسبة لله تعالى هو العبودية ولذلك قال الله تعالى في بداية سورة الإسراء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عندما أسرى به إلى المسجد الأقصى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ... [1]﴾ وقال عن الخضر عليه السلام في سورة الكهف: ﴿... عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا  ... [65]﴾، والكل على الحقيقة عباد الله سواء الملائكة أو الجن أو الإنس كما يقول الله تعالى في سورة مريم ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [93]﴾.

 

ولكن العبودية لها مراتب لأنها تتعلق بأسماء الله تعالى الفاعلة في الكون، فمثلاً إن الذي يطلب الرزق هو عبد الرزاق والذي يطلب المغفرة هو عبد الغفور والذي يطلب العلم هو عبد العليم وهكذا كل عبد يتعلق تلقائياً باسم من أسماء الله الحسنى أو ببعضها، فأعظم هذه المراتب في العبودية هو العبد الذي يتعلق بالاسم الجامع وهو اسم الله سبحانه تعالى الذي هو اسم الذات الإلهية من غير نظرٍ لأيّة نسبة معينة. ولكن التحقق في هذا المقام هو المطلوب وليس فقط الدعوى، فليس كلّ من سمّي عبد الله هو عبدٌ لله وحده.

ففي الليلة التي كتب فيها الشيخ الأكبر الباب الأحد عشر وثلاثمائة من الفتوحات المكية (سنة 637/1239، عندما كان الشيخ محي الدين يتابع قراءة الفتوحات المكية على تلاميذه كما ذكرنا في كتب شمس المغرب) رأى رؤية عظيمة سرّ بها كثيرا واستيقظ وهو ينشد بيتاً كان قد عمله قبل ذلك في نفسه وهو من باب الفخر وهو: 

في كل عصر واحد يسمو به *** وأنا لباقي العصر ذاك الواحد

  وحُقَّ له أن يفخر لأنه يقول إنه لا يعرف في ذلك اليوم في علمه من تحقق بمقام العبودية أكثر منه وإن كان ثَمّ فهو مثله فإنه بلغ من العبودية غايتها فهو العبد المحض الخالص لا يعرف للربوبية طعماً.[1]

ولقد ذكرنا القصيدة الكاملة التي منها هذا البيت في بداية الفصل الأول من كتاب شمس المغرب (مع بعض الخلاف في الصيغة) وشرحناها في آخره وقلنا هناك أن هذا البيت منقوش على مدخل الحجرة التي فيها ضريح الشيخ محي الدين في دمشق.

وهذه هي القصيدة: 

أنا المحيي لا أكني ولا أتبلّدُ[2] *** أنا العربيُّ الحاتميُّ محمّدُ
لكلّ زمانٍ واحدٌ هم عينهُ *** وإني ذاك الشخص في العصر أوحدُ
وما الناس إلا واحدٌ بعد واحدٍ *** حرامٌ على الأدوار شخصانِ يوجدُ
أقابلُ عضّات الزمانِ بهمَّةٍ *** تذلّ لها السبع الشداد وتخمدُ
مؤيّدنا فيه على كلّ حالةٍ *** إله السما وهو النصير المؤيّدُ
وما ذاك عن حقٍّ ولكن عنايةٌ *** أتتني وحسّادي تروم وتجهدُ[3]

 وفي هذه القصيدة التي ذكرناها أعلاه يفتخر الشيخ محي الدين بنسبه الحاتمي وباسمه الذي هو على اسم النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم يضيف أن ذلك ليس ادّعاءً وتبلّدا بل هو حقيقة رغم بعد مكان المولد عن مكان المنشأ. ولقد نسب الشيخ نفسه في قصيدة أخرى إلى اليمن حيث قال في ترجمان الأشواق:[4] 

هي بنت العراق بنت إمامي *** وأنا ضدّها سليل يماني

 وفي ذلك الكتاب يقول الشيخ الأكبر في شرحه لهذا البيت أن أهل اليمن يتميّزون بالإيمان والحكمة ورقّة الأفئدة، وذلك من "نَفَس الرحمن" وفي ذلك إشارة للحديث النبوي: "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن".[5] وقد خصص الشيخ رضي الله عنه الباب التاسع والأربعين من الفتوحات المكية لهذا الحديث، لا سيما وأنه هو نفسه يُنسب للأنصار من جهة أمه كما سنرى في الفصل القادم، وقد كان الأنصار تنفيسا للشدة والضيق التي كان بهما النبي صلّى الله عليه وسلّم في بداية دعوته، فقبلوا دعوته ونصروه رضي الله عنهم أجمعين لما في نفوسهم من الرقة والحكمة والرحمة. وقد تأصّلت هذه النسبة في ابن العربي حتى إن الله تعالى جعله من حملة العرش وخصّه بأفضل القوائم وهي قائمة الرحمة كما يقول الشيخ في الباب الأحد والسبعين وثلاثمائة من الفتوحات: "ثم إنه تعالى خلق ملائكة من أنوار العرش يحفّون بالعرش وجعل فيما خلق من الملائكة أربع حملةٍ تحمل العرش من الأربع القوائم الذي هو العرش عليها، وكل قائمة مشتركة بين كل وجهين إلى حد كل نصف وجه، وجعل أركانه متفاضلة في الرتبة، فأنزلني في أفضلها من جملة حملته؛ فإن الله وإن خلق ملائكة العرش فإن له من الصنف الإنساني أيضاً صوراً تحمل العرش، الذي هو مستوى الرحمن، أنا منهم؛ والقائمة التي هي أفضل قوائمه هي لنا، وهي خزانة الرحمة، فجعلني رحيماً مطلقاً مع علمي بالشدائد، ولكن علمت أنه ما ثم شدة إلا وفيها رخاوة ولا عذابا إلا وفيه رحمةً ولا قبضاً إلا وفيه بسط ولا ضيقاً إلا وفيه سعة فعلمت الأمرين."[6]

 البيت الثاني من هذه القصيدة منقوش على مدخل الحجرة التي فيها مقام الشيخ محي الدين في مسجده في دمشق:

 

ويُعدّ هذا النص بحقٍ أساساً لرؤية الشيخ الأكبر للعالم وأصله ومآله، فهو يرى أن كل شيء صدر من الرحمة ولا يكون مآله إلا إلى الرحمة. ومن هنا تنشأ مقولة الشيخ محي الدين حول إيمان فرعون الذي خالف فيه أكثر علماء المسلمين كما سنتحدث عنه في الفصل السابع والأخير.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ محي الدين يعتبر أنّ العرش، على أحد المعاني، هو المملكة ذاتها وليس فقط بمعنى السرير الذي يستوي عليه الملك،[7] وبالتالي فإنّ حملة العرش هم القائمون به فهم القوائم الأساسية التي تقوم عليها المملكة التي هي العالم الذي خلقه الله من أجلنا؛ ففي الحقيقة كلّ شخص منّا هو من حملة العرش ولكن تتفاوت المراتب والمهام تماماً كما أنّ كلّ ذرّة في البناء تحمله بقدر معيّن محدود ولكنّ الأعمدة الرئيسية هي التي تقوم بالعمل الأكبر، فحملة العرش الأساسيين هم ثمانية (يوم القيامة، كماقال الله تعالى في سورة ق [آية 17]، وهم اليوم أربعة، كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم[8]) ذكرهم الشيخ محي الدين رضي الله عنه في الباب الثالث عشر "في معرفة حملة العرش" وهم إسرافيل وآدم وميكائيل وإبراهيم وجبريل ومحمّد ورضوان ومالك عليهم السلام، فيكون ما عداهم من الأنبياء ثم الأولياء من حملة العرش أيضاً ولكن على مستوى آخر ومرتبة مختلفة، ثم ينزل عنهم صالح المؤمنين وغيرهم من عامة الناس.

ثم يشير الشيخ رضي الله عنه في البيت الثاني من هذه القصيدة إلى التدرّج الطبقي بين الأولياء؛ فمنهم الأقطاب والأوتاد والأبدال، كما فصّله في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات المكية. ثم يضيف الشيخ رضي الله عنه في البيت الثالث أن الزمان لا يسع إلا لواحد هو عينه! وهذه هي نظرية الجوهر الفرد التي يكاد يتفرّد فيها ابن العربي على الرغم من أن وحدة الوجود قد قال بها الكثير من العلماء والفلاسفة في الإسلام وعبر التاريخ في الحضارات المختلفة،[9] ولكن تفسير ابن العربي رضي الله عنه لهذه الرؤية هو تفسير فريد وبديع يصلح أن يكون أساسا لنظرية كونية تستطيع تفسير الكثير من المعضلات الفلسفية والفيزيائية التي نشأت من عدم تكامل النظريات الحديثة مثل النسبية وميكانيك الكم. وهذه الرؤية تعتمد على أساس أن الله سبحانه وتعالى يخلق العالم بشكل مستمر، والعالمُ في كل لحظة، وهي الزمن الفرد أو يوم الشأن، يتردد بين الوجود والعدم؛ فهو في أصله قابع في ظلمة العدم، ثم يخرجه الله إلى نور الوجود بشكل مستمر في كل زمن فرد، شخصاً شخصاً، لا يوجد شخصان معا في نفس الوقت. ونقصد هنا بالوقت الزمن الحقيقي وليس الزمن المشهود، ففي كل لحظة من الزمن الحقيقي هناك فقط جوهر فرد واحد يظهر للوجود ثم يتلوه جوهر غيره وهكذا فيكون العالم المتكثّر هو مجموع صور هذه الجواهر التي تظهر واحدا بعد واحد: حرام على الأدوار شخصان يوجد. فالله واحد، ولا ينتج عن الواحد إلا واحد، ولو نتج عنه الكثرة، فهي بالنظر إلى أحدية الزمن واحد، أي في كل زمن فرد ينتج شخص واحد، بمعنى جوهرٌ واحد أو جزء واحد من أجزاء العالم، ولذلك قال الله تعالى في سورة الرحمن: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [29]﴾، أي في شأن واحد، واليوم هنا هو الزمن الفرد وهو يعادل لحظة واحدة بالنسبة لنا.

ومعرفة الزمن هي المفتاحُ الأساسيُ لإدراك العالم الروحي وفتح عين البصيرة. يقول ابن العربي في الفتوحات المكية أن علم الزمان هو علم شريف منه يُعرف الأزل ومنه ظهر قوله عليه السلام "كان الله ولا شيء معه"، وهذا علم لا يعلمه إلا الأفراد من الرجال[10] وهو المعبّر عنه بالدهر الأول ودهر الدهور، وعن هذا الأزل وُجد الزمان وبه تسمّى الله بالدهر وهو قوله عليه السلام "لا تسبوا الدهر فإنّ الله هو الدهر".[11]

ومن يتحقّق في معرفة الزمان يخرج حقيقة عن الزمان ويحكم هو على الزمان بدلاً من أن يحكم الزمان عليه؛ فنحن أبناء الزمان لأننا نعيش فيه والمحقق أبو الزمان لأنه يجاريه، فلا تمرّ عليه اللحظات في غفلة أبداً! وهذا معنى قول ابن العربي في هذه القصيدة: أقابل عضّات الزمان، وليس ذلك بالأمر اليسير، ولذلك أضاف: بهمّة تذلّ لها السبع الشداد وتخمد. ولكن يعترف الشيخ رضي الله عنه أنه ليس في ذلك فضل ولا دعوى، بل الفضل من الله تعالى فهو الذي يؤيّده في الثبات على هذه المقامات العالية الرفيعة.

ثم يصرّح الشيخ في بقية القصيدة أن الفتح الذي حصل له، والعلوم التي أتى بها من هذا الفتح، لم يكن عن سلوك طريق المجاهدة كما هي العادة عند الصوفية وإنما عن طريق جذبة كما سنوضح ذلك بالتفصيل في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.

 

======

 [1] الفتوحات المكية: ج3ص41.

[2] التبلّد أصله من الالتزام بالمكان ومنه البَلَد والبَلْدة وكذلك البَلادة، انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الدال فصل الباء.

[3] الديوان: ص46. انظر آخر هذا الفصل لشرح هذه القصيدة.

[4] ترجمان الأشواق: ص84.

[5] أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة، انظر في: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، للحافظ العراقي، بهامش كتاب الإحياء: إحياء علوم الدين، لأبي حامد بن محمد الغزالي، دار الفكر-بيروت، 1975، المجلد الأول، كتاب قواعد العقائد، رقم 2.

[6] الفتوحات المكية: ج3ص431.

[7] الفتوحات المكية: ج1ص146، 583.

[8] الفتوحات المكية: ج1ص148، ج3ص184، وانظرأيضا في عقلة المستوفز: ص43-44.

[9] لم يذكر الشيخ محي الدين كلمة "وحدة الوجود" أبدا ولم يقل بها على الشكل المعروف والمتداول، وإنما له رؤية خاصة في ذلك كما سنرى في الفصل السابع والأخير من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

[10] الأفراد فئة من رجال الله خارجين عن دائرة القطب. ...

[11] الفتوحات المكية: ج1ص156-157.