فصوص الحكم

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

فصوص الحكم

calligraphy

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
Pin It

بِسم اللَّهِ الرحمن الرحِيم‏ الحمد للَّه منزل الحِكَم على قلوب الكَلِم بأحديَّة الطريق الأمَم من المقام الأقدم وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم. وصلى اللَّه على مُمِدِّ الهمم، من خزائن الجود والكرم، وبالقيل الأقوم، محمد وعلى آله وسلم .
أما بعد: فإني رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في مُبشِّرة أُرِيتُها في العشر الآخِر من محرم‏ سنة سبع وعشرونَ وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى اللَّه عليه وآله وسلم كتاب، فقال لي: هذا «كتاب فصوص الحكم» خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة للَّه ولرسوله وأولي الأمر منا كما أُمِرْنا. فحقَّقْتُ الأمنية وأخلصت النيَّة وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدَّه لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم من غير زيادة ولا نقصان، وسألت اللَّه تعالى أن يجعلني فيه وفي جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سطانٌ، وأن يَخُصَّني في جميع ما يرقمُهُ بَنَانِي وينطق به لساني وينطوي عليه جَناني بالإلقاء السُّبُوحي والنَّفْث الروحي في الرُّوعِ النفسي بالتأييد الاعتصامي، حتى أكون مترجمأ لا متحكماً، ليتحقق من يقف عليه من أهلِ اللَّه أصحاب القلوبِ‏ أنه من مقام التقديس المنزَّه عن الأغراض‏ النفسية التي يدخلها التلبيس.
وأرجو أن يكون الحق‏ لمَّا سمع دعائي قد أجاب ندائي، فما أُلقي إلا ما يُلْقِي إليَّ، ولا أُنزل في هذا المسطور إلَّا ما ينزِّل به عليَّ. ولست بنبيّ رسول ولكنِّي وارث ولآخرتي حارث.
فمن اللَّه فاسمعوا
وإلى اللَّه فارجعوا
فإذا ما سمعتم ما
أتيت به فَعُوا
ثم بالفهم فَصِّلوا
مجمل القول وأجمعوا
ثم مُنُّوا به على‏
طالبيه لا تمنعوا
هذه الرحمة التي‏
وَسِعتكم فوسِّعوا
ومن اللَّه أرجو أن أكون ممن أُيِّد فتأيد وقُيِّد بالشرع المحمدي المطهّر فتقيد وقيَّد، وحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته. فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك:

 

calligraphy

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
Pin It

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة  
لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كونٍ جامع يحصر الأمر كلَّه‏ ، لكونه متصفاً بالوجود، ويظهر به سرّه إليه: فإن رؤية الشي‏ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته‏ نَفْسَه في أمرٍ آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجلّيه له .
وقد كان الحق سبحانه‏ أوْجَد العالم كله وجود شبحٍ مَسوًّى‏ لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوَّة. ومن شأن الحُكمْ الإلهي أنه ما سوَّى محلًأل ويقبل‏ روحاً إلهيّا عَبّر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي‏ الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بَقي إلا قابلٌ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس . فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمرُ جلاء مرآة العالم، فكان آدم عينَ جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبَّر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية. فكل قوة منها محجوبة بنفسهألا ترى أفضل من ذاتها، وأَنَّ فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عالٍ ومنزلة رفيعة عند اللَّه، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب‏ الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله .
وهذألا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يُعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمِّي هذا المذكور إنسان وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره‏ الحقائق كلّها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به‏ النظر، وهو المعبَّر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنساناً فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم .
فهو الإنسان الحادث الأزلي والنش‏ء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة ، قيام‏ العالم بوجوده، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش‏ والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقَه‏ كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليهألا يجسر أحد على فتحهألا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك‏ فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل. ألا تراه إذا زال و فُكَّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيه وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان خَتْماً على خزانة الآخرة ختماً أبديّاً ؟ فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة للَّه تعالى على الملائكة. فتحفَّظْ فقد وعظك اللَّه بغيرك، سأنظر من أين أُتي على من أُتي عليه‏ . فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاتُهُ، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق به وقدسته، وما علمت أن للَّه أسماءً ما وصل علمها إليها، فما سبحته به ولا قدَّسته تقديس آدم . فغلب عليها ما ذكرناه، وحكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها»؟ وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعُصِمُوا. ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها به ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه.
فوصف الحق لنا ما جرى‏ لنقف عنده ونتعلم الأدب مع اللَّه تعالى فلا ندَّعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه‏ بالتقييد، فكيف أن‏ نُطْلِق في الدعوى فنعمَّ بها ما ليس لنا بحال ولا نحن‏ منه على علم فنفتضح؟ فهذا التعريف الإلهي مما أدَّب الحق به عبادَه الأدباءَ الأمناءَ الخلفاءَ. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني .
ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عينيٌ، بل هو عينهألا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها. ف هي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتهَا. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين‏ وجوداً تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقت وغير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة. غير أن هذا الأمر الكلي يرجع إليه حكمٌ من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم إلى العالم، والحياة إلى الحي. فالحياة حقيقة معقولة والعلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة ، كما أن الحياة متميزة عنه. ثم نقول في الحق تعالى إن له علم وحياة فهو الحي العالم.
ونقول في المَلَك‏ إن له حياة وعلماً فهو العالم والحي. ونقول في الإنسان إن له حياة وعلماً فهو الحي العالم. وحقيقة العلم واحدة، وحقيقة الحياة واحدة، ونسبتها إلى العالم و الحي نسبة واحدة. ونقول في علم الحق إنه قديم، وفي علم الإنسان إنه محدث. فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، وانظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات والموجودات العينية.
فكما حَكَمَ العلمُ على مَنْ قام به أنْ يقال فيه‏ عالم، حكم‏ الموصوف به على العلم أنه‏ حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم. فصار كل واحد محكوماً به محكوماً عليه.
ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني. فتقبل‏ الحكم في الأعيان الموجودة ولا تقبل التفصيل ولا التجزّي فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها كالإنسانية في كل شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصَّل‏ و لم تتعدَّد بتعدد الأشخاص ولا برحت معقولة. وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عيني قد ثبت، وهي نسب‏ عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بينها جامع- وهو الوجود العيني- وهناك فما ثَمَّ جامع. وقد وُجِدَ الارتباط بعدم الجامع فبالجامع أقوى وأحق. ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدِث أحدثه لإمكانه لنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار. ولا بد أن يكون المستندُ إليه واجبَ الوجود لذاته غنياً في وجوده بنفسه غير مفتقر، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه. ولما اقتضاه لذاته كان واجباً به. ولما كان استنادُه إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي‏ء من اسم وصفة ما عدا الوجوبَ الذاتيَّ فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه. ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي . فلما علمناه بن ومنا نَسَبْنَا إليه كل ما نسبناه إلينا.
وبذلك وردت الإخبارات‏ الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شَهِدَنَا شهد نفسه. ولا نشك أنّا كثيرون بالشخص والنوع، وأن وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعاً أن ثَمَّ فارقاً به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
فكذلك أيضاً، وإن وَصَفَنَا بما وصف‏ نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس‏ إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكانن وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم. فلا تُنسَبُ إليه الأوليّة مع كونه الأول.
ولهذا قيل فيه الآخِر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخِرَ للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوّليته، والأول في عين آخريّته .
ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن‏ ، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطنَ بغيبن والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرض والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه.
ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجَدَنَا على هيبة وأُنْسٍ. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويُسَمّى به. فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامعَ لحقائق العالم ومفرداته. فالعالم شهادة و الخليفة غيب، ولذا تحجَّبَ‏ السلطان. ووصف الحق نفسه بالحُجُب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية و هي الأرواح اللطيفة. فالعالم‏ بين‏ كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحقَّ إدراكَه نَفْسَه . فلا يزال في حجاب لا يُرْفَع مع علمه بأنه متميز عن موجِده بافتقاره. ولكن لا حظَّ له في الوجوب‏ الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبداً. فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قَدَم للحادث في ذلك. فما جمع اللَّه لآدم بين يديه إلا تشريفاً. ولهذا قال لإبليس: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»؟ وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق. و إبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية. ولهذا كان آدم خليفة فإن‏ لم يكن ظاهراً بصورة من استخلفه فيما استخلفه‏ فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي اسْتُخْلِفَ عليها- لأن استنادها إليه فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصُوَرِه‏ وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأُذُنَهُ: ففرّق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
ولو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكمُ في الموجودات العينيَّة. ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده:
فالكل مفتقر ما الكل مستغن‏
هذا هو الحق قد قلناه لا نَكني‏
فإن ذكرت غنيّألا افتقار به‏
فقد علمت الذي بقولنا نَعْنِي‏
فالكل بالكل مربوط فليس له‏
عنه انفصالُ خذوا ما قلته عني
فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة، وقد علمت نشأة روح آدم أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق‏ . وقد علمت نشأة رتبته وهي المجموع الذي به استحق الخلافة. فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني، وهو قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَه وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِير ونِساءً». فقوله‏ اتَّقُوا رَبَّكُمُ‏ اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم، وهو ربكم، وقاية لكم: فإن الأمر ذمٌ و حمدٌ: فكونوا وقايته في الذم واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين .
ثم إنه سبحانه وتعالى أطْلَعَهُ على ما أوْدع فيه وجعل ذلك في قبضتَيْه:
القبضةُ الواحدة فيها العالم، والقبضة الأخرى فيها آدم وبنوه. وبيَّن مراتبهم فيه.
قال رضي اللَّه عنه: ولما أطلعني اللَّه سبحانه وتعالى في سري على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر، جعلت في هذا الكتاب منه ما حدَّ لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتاب ولا العالم الموجود الآن. فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حَدّه‏ لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم:
حكمة إلهية في كلمة آدمية، وهو هذا الباب.
ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية.
ثم حكمة سبُّوحيَّة في كلمة نُوحِيَّة.
ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسيَّة.
ثم حكمة مُهَيَّميَّة في كلمة إبراهيمية.
ثم حكمة حَقية في كلمة إسحاقية.
ثم حكمة عليَّة في كلمة إسماعيلية.
ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية.
ثم حكمة نورية في كلمة يُوسفية.
ثم حكمة أحدية في كلمة هودية.
ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية.
ثم حكمة قلبية في كلمة شُعَيبيَّة.
ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية.
ثم حكمة قَدَرِية في كلمة عُزَيْرية.
ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية.
ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.
ثم حكمة وجودية في كلمة داودية.
ثم حكمة نَفَسِيَّة في كلمة يونسية.
ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية.
ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية.
ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.
ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.
ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.
ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية.
ثم حكمة علوية في كلمة موسوية.
ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية.
ثم حكمة فردية في كلمة محمدية.
وفص كل حكمة الكلمة التي تنسب‏ إليها. فاقتصرت على ما ذكرته من‏ هذه الحِكَم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب. فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حُدَّ لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت، فإن الحضرة تمنع من ذلك و اللَّه الموفق لا رب غيره.
ومن‏ ذلك:
 

 

calligraphy

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
Pin It

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية
اعلم أيدك‏ اللَّه بروح منه‏ أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد. فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب. ولكن إذا أطلقاه وقالا به، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم يَرَ غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحقَّ والرسلَ صلوات اللَّه عليهم وهو لا يشعر، ويتخيل أنه في الحاصل وهو من الفائت‏ . وهو كمن آمن ببعض وكَفَرَ ببعض، ولا سيم وقد علم أنَّ أَلْسِنَةَ الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع‏ ذلك اللسان. فإن للحق في كل خلق ظهوراً : فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته: وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبِّر للصورة . فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره وباطنه، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد ، وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط به ولا تعلم حدود كل صورة منهألا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته‏ . فلذلك‏ يُجْهَل حدُّ الحق، فإنه لا يُعْلَم حدُّه إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله: فحد الحق محال.
وكذلك من شبّهه وما نزَّهه فقد قيَّده وحدده وما عرَفه. ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرَفه مجملًألا على التفصيل كما عرَف نفسه مجملًألا على التفصيل. ولذلك ربط النبي صلى اللَّه عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه عرف‏ ربه». وقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» وهو ما خرج عنك‏ «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» وهو عينك، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي للناظر «أَنَّهُ الْحَقُّ» من حيث إنك صورته وهو روحك. فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك. والحدُّ يشمل الظاهر والباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنساناً، ولكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينه وبين صورة من خشب وحجارة.
ولا ينطلق‏ عليها اسم الإنسان‏ إلا بالمجاز لا بالحقيقة. وصور العالم لا يمكن‏ زوال الحق عنها أصلًا. فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حياً. وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحه ونفسه والمدبرِ لها، كذلك جعل اللَّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقة تسبيحهم لأنألا نحيط بما في العالم من الصور. فالكل ألسِنَةُ الحق ناطقة بالثناء على الحق. ولذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»* أي إليه يرجع عواقب الثناء، فهو المثني‏ والمثْنَى عليه:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً
وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً
وكنت إماماً في المعارف سيداً
فمن قال بالإشفاع كان مشركاً
ومن قال بالإفراد كان موحداً
فإياك والتشبيه إن كنت ثانياً
وإياك والتنزيه إن كنت مفرداً
فما أنت هو: بل أنت هو وتراه في‏
عين الأمور مسرَّح ومقيداً
قال اللَّه تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فَشبَّه. وقال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه وثنى، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فنزَّه وأفرد.
لو أن نوحاً عليه السلام‏ جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهاراً ثم دعاهم إسراراً، ثم قال لهم: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً». وقال: «دَعَوْتُ‏ قَوْمِي لَيْلً ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً». وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى‏ الفرقان وإن كان فيه‏ . فإن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن. ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. «ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» يجمع‏ الأمرين في أمر واحد. فلو أن نوحاً يأتي بمثل هذه الآية لفظاً أجابوه، فإنه شبَّهَ ونزَّهَ في آية واحدة، بل في نصف آية. ونوح دعا قومه‏ «لَيْلًا» من حيث‏ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي‏  عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب. «وَ نَهاراً» دعاهم أيضاً من حيث ظاهر صورهم وحِسِّهم، وما جمع في الدعوة مثل‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً. ثم قال عن نفسه إنه‏ دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه صلى اللَّه عليه وسلم. لذلك‏ «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. ففي‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إثبات المثل ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى اللَّه عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى اللَّه عليه وسلم قوَمه ليلً ونهاراً، بل دعاهم ليلًا في نهار ونهاراً في ليل. فقال نوح في حكمته لقومه: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ» أي بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا انقسم الناس إلى غير عالِم وعالِم.
«وَ وَلَدُهُ» وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر. «إِلَّا خَساراً، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم: وهو في المحمديِّين‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»، وفي نوح‏ «أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» فأثبت المُلْكَ لهم والوكالة للَّه فيهم. فهم مستخلفون فيه‏ .
فالملك للَّه وهو وكيلهم، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف. وبهذا كان الحق تعالى‏ مالك‏ الملك كما قال الترمذي رحمه اللَّه. «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً»، لأن الدعوة إلى اللَّه تعالى مكر بالمدعوِّ لأنه ما عَدِمَ من البداية فيدعي إلى الغاية. «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» فهذا عين المكر، «عَلى‏ بَصِيرَةٍ» فنبَّه أن الأمر له كله، فأجابوه‏ مكراً كما دعاهم . فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى اللَّه ما هي من حيث هويته و إنما هي من حيث أسماؤه فقال: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسمٍ إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين. فقالوا في مكرهم: «وَ قالُوألا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّ ولا سُواع ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً»، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه مَنْ يعرفه ويجهله من يجهله. في المحمديين: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوألا إِيَّاهُ» أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير اللَّه في كل معبود. فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره. ولهذا قال‏ : «قُلْ سَمُّوهُمْ»، فلو سموهم لسموهم حجارة وشجر وكوكباً. ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون اللَّه ولا الإله. والأعلى ما تخيل‏ ، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» والأعلى العالم يقول:
«فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا» حيث ظهر «وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» الذين خبَتْ نار طبيعتهم، فقالوا إله ولم يقولوا طبيعة، «وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب. «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ» لأنفسهم. «الْمُصْطَفَيْنَ‏ » الذين أورثوا الكتاب، أول الثلاثة. فقدمه على المقتصد والسابق‏ . «إِلَّا ضَلالًا» إلا حيرة المحمدي. «زدني فيك تحيراً»، «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا». فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالبٌ ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله مِنْ وإلى وما بينهما. وصاحب الحركة الدورية لا بدءَ له فيلزمَه «مِنْ» ولا غاية فتحكُمَ عليه «إلى»، فله الوجود الأتمُّ وهو المؤتى جوامع الكلم والحِكَم.
«مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، وهو الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. «وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ»: سَجَرْت التنور إذا أوقدته. «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» فكان اللَّه عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد. فلو أخرجهم إلى السِّيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل للَّه وباللَّه بل هو اللَّه. «قالَ نُوحٌ رَبِّ» ما قال إلهي، فإن الرب له الثبوت والإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم في شأن. فأراد بالرب ثبوت التلوين إذ لا يصح إلا هو. «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ» يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها. المحمدي «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه»، «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ»*. وإذا دفنت فيها فأنت فيه وهي ظرفك: «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏» لاختلاف الوجوه. «مِنَ الْكافِرِينَ» الذين‏ «اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ‏ و جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏» طلباً للستر لأنه‏ «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ»  «دعاهم ليغفر لهم» والغفر الستر. «ديَّاراً» أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة. «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ» أي تدعهم وتتركهم‏ «يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب. «وَ لا يَلِدُوا» أي ما ينتجون ولا يظهرون‏ «إِلَّا فاجِراً» أي مظهراً ما ستر، «كَفَّاراً» أي ساتراً ما ظهر بعد ظهوره. فيظهرون ما سُتِرَ، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره‏ ، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد. «رَبِّ اغْفِرْ لِي» أي استرني واستر من أجلي فيجهل قدري ومقامي كما جهل قدرك في قولك: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»*.
«وَ لِوالِدَيَّ»: من كنت نتيجة عنهم وهما العقل والطبيعة. «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ» أي قلبي. «مُؤْمِناً» مصدقاً بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية وهو ما حدَّثت به أنفسهَا. «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» من العقول‏ «وَ الْمُؤْمِناتِ» من النفوس.
«وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ»: من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية.
«إِلَّا تَباراً» أي هلاكاً، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم‏ وجه الحق دونهم.
في المحمديين. «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» والتبار الهلاك. ومن أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالرقيِّ في فلك نوح‏ ، وهو في التنزلات الموصلية لن واللَّه يقول الحق‏ .
 

 

calligraphy

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
Pin It

2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة  
اعلم أن العطاي والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن. ومنها مألا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية وأسمائية. فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً مألا يخطر له سواه (9- أ) وغير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف. والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنهألا تُنَال إِلا بعد السؤال‏ ، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل. فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
وهم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف. ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن وغير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده. فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض والسكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
والتعجيل بالمسئول‏ فيه‏ والإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدني وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.
وأما القسم الثاني وهو قولنا: «و منها مألا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ و بالحال وبالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ و باسم تنزيه. والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال . وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏ . ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، ومنهم من يعلمه مُفَصَّلًا، والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ مألا يتناهى‏ وهو أعلى: فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها. فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم. ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب. وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق‏ ، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات. وبهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف والوجود .
ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية وأسمائية. فأما المِنَح و الهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدألا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبدألا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه: كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيهألا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ وصورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏
ليعلم المتجلَّى له أنه‏ ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب ولا أشبَه بالرؤية والتجلي من هذا. وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة. هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامه وليست سوى عينه. فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «و العجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذ وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. و ليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ فيهم، وفي تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء وفي كل مرتبة، وإِنما نظرُ الرجال إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم. و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه. ولمَّا مثّل النبي صلى اللَّه عليه وسلم النبوة بالحائط من اللَّبِن وقد كَمُلَ سوى موضع لبنَة، فكان صلى اللَّه عليه وسلم تلك اللبنة. غير أنه صلى اللَّه عليه وسلم لا يراها كما قال لبِنَةً واحدةً. وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ويرى في الحائط موضع لبنَتين‏ ، واللّبِنُ من ذهب وفضة. فيرى اللبنتين اللتين‏ تنقص الحائط عنهم وتكمل بهما، لبنة ذهب ولبنة فضة. فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين. فيكمل الحائط. والسبب الموجِب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة ، وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن‏ اللَّه في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر عَلَى ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذ وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإِنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي‏ به إِلى الرسول. فإِن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شي‏ء . فكل نبي من لدن آدم إِلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إِلا من مشكاة خاتم النبيين، و إِن تأخر وجود طينته، فإِنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «كنت نبي و آدم بين الماء والطين». وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إِلا حين بُعِثَ.
وكذلك خاتم الأولياء كان ولي وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان وليألا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون اللَّه تعالى تسمّى «بالولي الحميد ». فخاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته‏ مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه، فإِنه الولي الرسول النبي.
وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب. وهو حسنة من حسنات خاتم المرسل محمد صلى اللَّه عليه وسلم مقدَّمِ الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. فعيّن حالًا خاصاً ما عمم. وفي هذا الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية ، فإِن الرحمن ما شفع‏ عند المنتقم في أهل البلاء إِلا بعد شفاعة الشافعين. ففاز محمد صلى اللَّه عليه و سلم بالسيادة في هذا المقام الخاص. فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام.
وأما المنح الأسمائية: فاعلم‏ أن مَنْحَ اللَّه تعالى خلقه رحمةٌ منه بهم، وهي كلها من الأسماء. فإِما رحمة خالصة كالطيِّب من الرزق اللذيذ في الدنيا الخالص يوم القيامة، ويعطى ذلك الاسمُ الرحمنُ. فهو عطاء رحماني. وإِما رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكرِهِ الذي يعقب شربه الراحةُ، وهو عطاء إِلهي، فإِن العطاء الإلهي لا يتمكن إِطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء. فتارة يعطي اللَّه العبد على يدي الرحمن فيَخْلُصُ العطاء من الشوب الذي‏ لا يلائم الطبع في الوقت ولا يُنِيلُ الغرض وما أشبه ذلك. وتارة يعطي اللَّه‏ على يدي الواسع فيعم، وعلى‏ يدي الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت، وعلى يدي الوهاب‏ ، فيعطي ليُنْعِمَ لا يكون مع الواهب‏ تكليف المعطَى له بعوض على ذلك من شكر وعمل، وعلى يدي‏ الجبار فينظر في الموطن وما يستحقه، وعلى يدي‏ الغفار فينظر المحل وما هو عليه. فإِن كان على حال يستحق العقوبة فيستره عنها، و على حال لا يستحق العقوبة فيستره عن حال يستحق العقوبة فيسمى معصوم ومعتنى به و محفوظ وغير ذلك مما شاكل هذا النوع. والمعطي هو اللَّه من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه.
فما يخرجه‏ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ على يدي اسم خاص بذلك الأمر. «ف أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏» على يدي العدل وإِخوانه‏ . وأسماء اللَّه لا تتناهى لأنها تعْلَم بما يكون عنها- وما يكون عنها غير متناهٍ- وإِن كانت ترجع إِلى أصول متناهية هي أمهات الأسماء وحضرات الأسماء . و على الحقيقة فما ثَمَّ إلا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النِّسَبِ والإضافات التي يكنَّى عنها بالأسماء الإلهية. والحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر، إِلى مألا يتناهى، حقيقة يتميز بها عن اسم آخر، تلك‏ الحقيقة التي بها يتميز هي الاسم‏ عينه لا ما يقع فيه الاشتراك، كما أن الأعطيات تتميز كل أعطية عن غيرها بشخصيتها، و إِن كانت من أصل واحد، فمعلوم أن هذه ما هي هذه الأخرى، وسبب ذلك تميُّز الأسماء. فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شي‏ء يتكرر أصلًا . هذا هو الحق الذي يعوَّل عليه. وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام، وروحه هو الممد لكل من يتكلم في‏ مثل هذا من الأرواح ما عدا روحَ الخاتم‏ فإِنه لا يأتيه المادة إِلا من اللَّه لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح، وإِن كان لا يَعْقلُ ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري.
فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قَبِلَ الأصلُ الاتصاف بذلك، كالجليل والجميل‏ ، وكالظاهر والباطن والأول والآخِر وهو عينه ليس‏ غير. فيعلَم لا يعلم، ويدري لا يدري، ويشهد لا يشهد. وبهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة اللَّه. فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافه ونِسَبِهَا، فإِن اللَّه وهبه لآدم أول ما وهبه: وما وهبه إِلا منه لأن الولد سرُّ أبيه. فمنه خرج و إِليه عاد. فما أتاه غريب لمن عقل عن اللَّه. وكل عطاء في الكون على هذا المجرى. فما في أحد من اللَّه شي‏ء، وما في أحد من سوى نفسه شي‏ء وإِن تنوعت عليه الصور. وما كل أحد يعرف هذا، وأَنَّ الأمر على ذلك، إِلا آحاد من أهل اللَّه. فإِذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل اللَّه تعالى. فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقِي إِليه ما لم يكن عنده من المعارف وتمنحه‏ ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره. فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيرَه، إِلا أن المحل والحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إِليه تنقلب‏ من وجه بحقيقة تلك الحضرة، كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغير والمستطيلة مستطيلًا، والمتحركة متحركاً. وقد تعطيه‏ انتكاس صورته من حضرة خاصة، وقد تعطيه عينَ‏ ما يظهر منها فتقابل اليمينُ منها اليمينَ من الرائي، وقد يقابل اليمينَ اليسارَ وهو الغالب في المرايا بمنزلة العادة في العموم: وبخرق العادة يقابل اليمينُ اليمينَ ويَظهر الانتكاس. وهذا كله من أعطيات حقيقة الحضرة المتجلَّى فيها التي أنزلناها منزلة المرايا. فمن عرف استعداده عرف قبوله، وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده إِلا بعد القبول، وإِن كان يعرفه مجملًا. إِلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن اللَّه، لَمَّا ثبت عندهم أنه فعَّال لما يشاء، جوزوا على اللَّه تعالى ما يناقص الحكمة وما هو الأمر عليه في نفسه.
ولهذا عدل بعض النظار إِلى نفي الإمكان وإِثبات الوجوب‏ بالذات وبالغير. والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته، والممكنَ ما هو الممكن ومن أين هو ممكن وهو بعينه واجب بالغير، ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب. ولا يعلم هذا التفصيل إِلا العلماء باللَّه خاصة.
وعلى قدم شيث‏ يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني . وهو حامل أسراره، وليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد. وتولد معه أخت له فتخرج قبله ويخرج بعدها يكون‏ رأسه عند رجليها. ويكون مولده بالصين ولغته لغة أهل‏ بلده. ويسري العقم في الرجال والنساء فيكثر النكاح من غير ولادة ويدعوهم إِلى اللَّه فلا يجاب. فإِذا قبضه اللَّه تعالى وقبض مؤمني زمانه بقي من بقي مثل البهائم لا يحِلُّون حلالً ولا يحرمون حراماً، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل والشرع فعليهم تقوم الساعة.
 

 

calligraphy

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
Pin It

4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية  
العلو نسبتان، علو مكان وعلو مكانة. فعلو المكان‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا».
وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس عليه السلام‏ . وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر. فالذي فوقه فلكُ الأحمر و فلك المشترى وفلك كيوان وفلك المنازل والفلك الأطلس فلك البروج‏ وفلك الكرسي وفلك العرش. والذي دونه فلك الزهرة وفلك الكاتب، وفلك القمر، و كرة الأثير، وكرة الهوى، وكرة الماء، وكرة التراب . فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان. وأما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين. قال اللَّه تعالى‏ «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ» في هذا العلو، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة. ولما خافت نفوس العمَّال منا أتبع المعية بقوله‏ «وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ»: فالعمل يطلب المكان والعلم يطلب المكانة، فجمع لنا بين الرفعتين علوّ المكان بالعمل وعلو المكانة بالعلم. ثم قال تنزيهاً للاشتراك بالمعية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» عن هذا الاشتراك المعنوي. ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات، أعني الإنسان الكامل، وما نسب إليه العلو إلا بالتبعية، إما إلى المكان وإما إلى المكانة وهي المنزلة. فما كان علوه لذاته. فهو العلي بعلو المكان وبعلو المكانة. فالعلو لهما. فعلو المكان.
  
«ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» وهو أعلى الأماكن. وعلو المكانة «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، و «إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ‏ »، «أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ»*. ولما قال اللَّه تعالى‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» فجعل «علياً» نعتاً للمكان، «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، فهذا علو المكانة. وقال في الملائكة «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» فجعل العلو للملائكة. فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلهم في‏ هذا العلو.
فلما لم يعم، مع اشتراكهم في حد الملائكة، عرفنا أن هذا علو المكانة عند اللَّه‏ . وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوهم بالخلافة علواً ذاتياً لكان لكل إنسان. فلما لم يعم عرفنا أن ذلك العلو للمكانة. ومن أسمائه الحسنى العلي.
على من وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته. وعن ما ذ وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه. وهو من حيث الوجود عين الموجودات. فالمسمى محدثات هي العليَّة لذاته وليست إلا هو. فهو العلي لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمَّت رائحة من الموجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات. والعين واحدة من المجموع في المجموع . فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية. وليس إلا العين الذي هو الذات. فهو العلي لنفسه لا بالإضافة . فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة. فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجود الكثيرة. لذلك نقول فيه هو لا هو، أنت لا أنت. قال‏ الخراز رحمه‏ اللَّه تعالى، وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن اللَّه تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها. فهو الأول والآخر و الظاهر والباطن. فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره. وما ثَمَّ من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه. وهو المسمى أبا سعد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات. فيقول الباطن لا إذا قال الظاهر أنا، و يقول الظاهر لا إذا قال الباطن أنا. وهذا في كل ضد، والمتكلم واحد وهو عين السامع. يقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «و ما حدَّثَتْ به أنفُسَها» فهي المحدثة السامعة حديثها، العالمة بما حدثت به أنفسها ، والعين واحدة واختلفت الأحكام.
ولا سبيل إلى جهل مثل هذا فإنه يعلمه كل إنسان من نفسه وهو صورة الحق. فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب‏ المعلومة.
فأوجد الواحد العدد، وفصَّل العددُ الواحدَ، وما ظهر حكم العدد إلا المعدود و المعدود منه عدم ومنه وجود، فقد يعدم الشي‏ء من حيث الحس وهو موجود من حيث العقل. فلا بد من عدد ومعدود، ولا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه. فإن كل‏ مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلً والعشرة إلى أدنى وإلى أكثر إلى غير نهاية، ما هي مجموع، ولا ينفك عنها اسم جمع‏ الآحاد.
  
فإن الاثنين حقيقة واحدة والثلاثة حقيقة واحدة ، بالغاً ما بلغتْ هذه المراتب، وإن كانت واحدة. فما عين واحدة منهن عين ما بقي. فالجمع يأخذها فنقول بها منها، ونحكم بها عليها. قد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة، فقد دخلها التركيب فما تنفك تثبت عينَ ما هو منفيٌّ عندك لذاته.
ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها ، علم أن الحق المنزّه هو الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق. فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق. كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحد وهو العيون الكثيرة. فانظر ما ذا ترى‏ «قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ»، والولد عين أبيه. فما رأى‏ يذبح سوى نفسه. «و فداه بذبح عظيم»، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. وظهر بصورة ولد:
لا، بل بحكم ولد من هو عين الوالد. «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها»: فما نكح‏ سوى نفسه. فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد. فَمَن الطبيعةُ ومَنِ الظاهر منها ، وما رأيناها نقصت بما ظهر منه ولا زادت بعدم ما ظهر؟ وما الذي ظهر غيرها: وما هي عين ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم عليها : فهذا بارد يابس وهذا حار يابس: فجمع باليبس وأبان بغير ذلك. والجامع الطبيعة، لا، بل العين الطبيعية. فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة. فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر. ومن عرف ما قلناه لم يحر. وإن‏
كان في مزيد علم فليس إلا من حكم المحل ، والمحل عين العين الثابتة: فيها يتنوع‏ الحق في المجلى فتتنوع‏ الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه، وما ثَمَّ إلا هذا:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
وليس خلقاً بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته‏
وليس يدريه إلا من له بصر
جمِّع وفرِّق فإن العين واحدة
وهي الكثيرة لا تبقى ولا تذر
فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت‏ محمودة عرف وعقلً وشرع و مذمومة عرف وعقلً وشرعاً.
وليس ذلك إلا لمسمى اللَّه تعالى خاصة. وأما غير مسمى اللَّه مما هو مجلى له و صورة فيه، فإن كان مجلى له فيقع التفاضل- لا بد من ذلك- بين مجلى ومجلى، وإن كان صورة فيه فتلك‏ الصورة عين الكمال‏ الذاتي لأنها عين ما ظهرت فيه. فالذي لمسمى اللَّه هو الذي لتلك الصورة. ولا يقال هي هو ولا هي غيره . وقد أشار أبو القاسم بن قسّي في خَلْعِه إلى هذا بقوله: إن كل اسم إلهي يتسمى بجميع الأسماء الإلهية وينعت بها. وذلك‏ أن كل اسم يدل على الذات وعلى المعنى الذي سيق له ويطلبه. فمن حيث دلالته على الذات له جميع الأسماء، ومن حيث دلالته على المعنى الذي ينفرد به، يتميز عن غيره كالرب والخالق والمصوِّر إلى غير ذلك. فالاسم المسمى من حيث الذات، والاسم غير المسمى من حيث ما يختص به من المعنى الذي سِيق له. فإذا فهمت أن العليّ ما ذكرناه علمت أنه ليس علو المكان ولا علو المكانة، فإن علو المكانة يختص بولاة الأمر كالسلطان والحكام والوزراء والقضاة وكل ذي منصب سواء كانت فيه أهلية لذلك‏ المنصب ولم تكن، والعلو بالصفات ليس كذلك، فإنه قد يكون أعلم الناس يتحكم فيه من له منصب التحكم وإن كان أجهل الناس. فهذا عليٌ بالمكانة بحكم التبع ما هو عليٌ‏ في نفسه.
فإذا عزل زالت رفعته والعالِم ليس كذلك.