كتاب شمس المغرب

هذه النسخة من كتاب شمس المغرب موافقة بشكل تقريبي للطبعة الأولى (دار فصلت - حلب - 2006).

 

الصفحة: 21

 
   
         
 

الأحزاب: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [58])).

اختلاف الناس حوله

ولكننا مع ذلك نرى أن الكثير من المسلمين وحتى العلماء منهم لم يستطيعوا استيعاب ما جاء به الشيخ الأكبر لأنهم لم يقدروا أن يغوصوا في بحار كتبه فرفضوها من أول وهلة من غير أن يعيروها الاهتمام اللازم. وكثيراً ما نقلوا عنه أقوالاً مدسوسةً أو منقوصةً من غير أن يتبيّنوا أصلها ومصدرها أو قصده وغايته، حتى رموه بالفساد وبالكفر وحرّموا قراءة كتبه وكفّروا من يعتقد به وحتى من لا يكفّره. وربما كان ذلك من رحمة الله تعالى بالمسلمين أن سخّر لهم من يصدهم عن الخوض في كتب الشيخ الأكبر ورفض كلامه! حيث أن بعض الناس لا يستطيع الصمود والخوض في مثل هذه العلوم العميقة التي لا يجوز أن تُقرأ من غير رويّةٍ وتسليمٍ واستعدادٍ، ولذلك نجد أن بعض الشيوخ المعترفين بفضل الشيخ الأكبر يحرّمون على مريديهم المبتدئين قراءة كتبه خشية إساءة فهمها، فربما يؤدّي بهم الأمر لفساد عقيدتهم الهشّة أو للكفر والعياذ بالله.

ومن هنا نجد معنى قول بعضهم أن رحمة الأمة في اختلاف الأئمة،[1] شريطة أن لا يكون الاختلاف سبباً في النزاع كما هو الحال أسفاً في أغلب الأحيان. فلا بأس من تخطيء ابن العربي، فما هو بمعصوم، ولكن ليس هناك داعٍ لتكفيره من غير بيّنة ودليلٍ قاطعٍ، فمن ثبت له عقد الإيمان بيقين لا يُخرج منه إلا بيقين.

ولقد انقسم الناس عبر العصور التي تلت ابن العربي إلى مؤيّد ومندّد حتى إن الكثير من المؤرخين كانوا يميّزون الرجال من خلال موقفهم من الشيخ الأكبر، كما سنفصّل ذلك في الفصل الأخير من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ولكن لا يجوز رفض العلم الذي لا يوافق أهواءنا إلا إذا كان لدينا ما ينفيه بشكل قاطع مما ثبت في القرآن والسنة. وفي كل الأحوال لا يجوز قذف الرجال لما ورد عنهم حتى وإن كانوا قد أخطؤوا فليس علينا من حسابهم من شيء بل حسابهم على الله تعالى، وإن كان لا بدّ من النصيحة لتبيين أخطاء الآخرين فنفعل ذلك بأسلوبٍ إسلامي سليمٍ من غير سبٍّ ولا شتمٍ ولا تكفيرٍ. ولكن البعض بالغوا في نقد الشيخ الأكبر فاتهموه زوراً بالكفر والفسق والإلحاد، وما ظلموا في ذلك غير أنفسهم، ففي جميع الأحوال لا يجوز تكفير أحد لم يعجبنا قوله، طالما هو يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن صحّ إسلامه بيقين لا يجوز تكفيره بغير يقين، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الحديث الصحيح: "أَيُّمَا امْرئٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ".[2]


=========

[1] مع أن هذا الحديث المشهور بين أتباع المذاهب يبدو أنّه لا أصل له عن المحدِّثين، وليس له سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف-الرياض، 1992: ج1ص 76 رقم 57)، ولكن معناه يبدو صحيحا إذا لم يؤدي الخلاف إلى منازعة.

[2] حديث متفق عليه، انظر في "صحيح مسلم": الجزء الأول، كتاب الإيمان، والجزء الثاني، تتمَّة كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر. انظر كذلك في صحيح البخاري، الجزء الرابع، كتاب الأدب، الحديث رقم: 5752، وكذلك: 5753.

 
         
   
 

تم إعداد هذا الكتاب من قبل موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي