كتاب شمس المغرب

هذه النسخة من كتاب شمس المغرب موافقة بشكل تقريبي للطبعة الأولى (دار فصلت - حلب - 2006).

 

الصفحة: 37

 
   
         
 

يدرِ أن كان في تدبيره تدميره.

بداية المرابطين في الأندلس

في سنة 479/1086 قاد ابن تاشفين أولى حملاته في الأندلس وانتصر على النصارى في معركة الزلاقة الشهيرة. ثم بدأت مرحلة أخذ وردّ على السلطة بين المرابطين وحكام الطوائف في الأندلس إلى حين بسط المرابطون السيطرة الكاملة على الأندلس سنة 486/1094، ونُفي المعتمد ثم توفى بعد ذلك في سجنه بأغَمات في المغرب.

وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها أصبح من يومئذ هو وأولاده في جملة الملوك، واجتمع له ولابنه من أعيان الكتّاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق لغيره في عصر من العصور.

واتصلت حال أمير المسلمين يوسف في إيثار الغزو وقمع ملوك النصارى والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس إلى أن توفي في شهور سنة 493/1099.

قام بأمره من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين وتلقّب بلقب أبيه أمير المسلمين فجرى على سنن أبيه في إيثار الجهاد وإخافة العدو وحماية البلاد وكان حسن السيرة جيد الطوية نزيه النفس بعيداً عن الظلم حتى إنه كان يُعدّ من الزهّاد أقرب منه إلى أن يُعدّ في الملوك.

الفقهاء وعلم الكلام

واشتد إيثار أمير المسلمين لأهل الفقه والدين وكان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء فكان إذا ولّى أحداً من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمراً ولا يبتّ حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس وعظم أمرهم فكثرت أموالهم واتسعت مكاسبهم ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من كان له علم جيّد في علم الفروع في مذهب مالك. وقرّر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجْرهم من ظهر عليه شيء منه وأنه بدعة في الدين، فلما دخلت كتب أبي حامد الغزالي رحمه الله إلى المغرب أمر أمير المسلمين بإحراقها وتقدّم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وُجد عنده شيء منها واشتد الأمر في ذلك. ولكنّ هذا الحال ما كان يروق للصوفيين الذي كانوا يدرّسون كتب أبي حامد لتلاميذهم كما سنرى بعد قليل.

اختلال أحوال المرابطين

ومع بداية القرن الخامس الهجري اختلت حال أمير المسلمين بعد ذلك اختلالاً شديداً فظهرت في بلاده مناكر كثيرة وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد ودعواهم الاستبداد والاستقلال وانتهوا في ذلك إلى التصريح، فصار كلٌّ منهم يصرّح بأنه خير من أمير المسلمين وأحق بالأمر منه. واستولى بعض النساء على الأحوال وأُسندت إليهن الأمور وأمير المسلمين في ذلك كله يزيد تغافله ويقوى ضعفه، وعكف على العبادة والتبتل فكان يقوم الليل ويصوم النهار مشتهراً عنه ذلك وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال

 
         
   
 

تم إعداد هذا الكتاب من قبل موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي