نظام وترجمان الأشواق - الغزل الروحاني عند الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

 

نظام وترجمان الأشواق - الغزل الروحاني عند الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

  (نشر هذا المقال في العدد الحادي عشر من مجلة الإمارات الثقافية، مارس 2013)

 

 

مقدِّمة:

 

لقد أثار ديوان "ترجمان الأشواق" للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، الكثير من الانتقاد، وخاصة بين فقهاء حلب، وذلك بسبب الغزل والنسيب الذي خصصه الشيخ في مدح نظام بنت الشيخ أبي شجاع بن رستم الأصفهاني، التي عرفها في مكة أثناء طوافه حول الكعبة المشرَّفة. ولقد تناول الباحثون والمستشرقون هذا الديوان بالكثير من الدراسة والتحليل، وكيف يسوغ لشيخ في مقام ابن العربي أن يتغزَّل في هذه الفتاة.

 

ابن العربي نفسه برَّر ذلك في كتاب آخر خصَّصه لشرح هذا الترجمان وبيَّن فيه المعاني الروحانية والأسرار الإلهية التي انطوت عليها قصائده البديعة، عندما نعرف تأويلها على طريقة العارفين من أهل الأسرار والأنوار. إضافة إلى ذلك، سوف نبيِّن في هذا البحث أنّ ابن العربي في الواقع تزوَّج من نظام، ولكنَّ الظروف فرَّقت بينهما، فكانت هذه القصائد الرائعة تعبيراً عن حبِّه وترجمةً عن شوقه الذي سبَّبته طبيعة حياته التي اتَّسمت بكثرة الترحال بين أقطار الأرض، من غربِها إلى شرقها، ومن جنوبها إلى شمالها.

 

 

 

 

القدوم إلى مكة المكرَّمة:

 

لقد بيَّنّا في كتاب شمس المغرب أنّ الشيخ الأكبر قدم لأوّل مرّة من الأندلس إلى مكّة المكرّمة سنة 598 للهجرة بعد سنوات طويلة من الترحال في الأندلس والمغرب العربي. وهناك لقي الشيخ أبا شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني (توفي 609/1212)، فتكوّنت بينهما صحبة وعلاقة وثيقة، حيث سمع عليه كتاب سنن الترمذي وغيره من كتب الحديث. وكذلك، كانت أخت الشيخ أبي شجاع عالمة جليلة تهتم بالعلم والحديث وروايته، رغم عمرها المتقدم، فبعث إليها الشيخ محي الدين يطلب أن يسمع عنها ما ترويه من الحديث، فاعتذرت في بداية الأمر بسبب تقدم سنّها وانشغالها بالعبادة، فأرسل لها الشيخ محي الدين بيتاً من الشعر يقول لها:

 

حالي وحالك في الرواية واحدٌ *** ما القصد إلا العلم واستعماله

 

فأذِنَت لأخيها الشيخ أبي شجاع أن يكتب للشيخ محي الدين إجازة عامة في جميع رواياتها. وقد نقل عنها ابن العربي بعض الروايات في كتاب "محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار". كما روى أيضاً العديد من الأحاديث عن الشيخ أبي شجاع في هذا الكتاب وفي الفتوحات المكية.

 

ولكنَّ علاقة الشيخ محي الدين مع الشيخ أبي شجاع لم تتوقف على هذه الصحبة العلمية بل أصبحت علاقة عائلية طويلة الأمد وكان لها أثر كبير على إنتاج الشيخ محي الدين العلمي والأدبي، وذلك من خلال ابنته التي كان يُلقِّبها بعين الشمس والبهاء، وتُدعى نظام.

 

 

 

لقاؤه مع نظام:

 

من الواضح أنَّ "نظام" كانت تعرف الشيخ محي الدين، ربما من خلال زيارته لأبيها وصحبته له، وشهرته في الوسط العلمي الذي تربّت به تحت كنف والدها وعمَّتها، فكانت هي أيضاً ذات أدب وفصاحة وبيان لا يُضاهى، بالإضافة إلى ما حباها الله به من الجمال والحسن، الطبيعي والروحاني، مِمّا جذب الشيخ محي الدين إليها فكانت بينهما علاقة وُدّ ومحبة روحانية طاهرة، انتهت بالزواج كما سنوضح بعد قليل.

 

يصف ابن العربي هذه الفتاة في بداية ترجمان الأشواق فيقول: "بنت عذراء طفلة هيفاء، تُقيّد النواظر، وتُزيِّن المَحاضر، وتُسِرّ المُحاضِر، وتحيّر المَناظر، تُسمى بالنظام، وتُلقَّب بعين الشمس والبهاء، من العالمات العابدات، السائحات، الزاهدات. شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين، الأعظم بلا مَين. ساحرة الطرف، عراقية الظرف. إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت. إن نطقت خرس قسّ بن ساعدة، وإن كرُمت خنس معن بن زائدة، وإن وفّت قصَّر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه. ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيِّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خَلقها من الحسن، وفي خُلقها الذي هو روضة المزن. شمسٌ بين العلماء، بستانٌ بين الأدباء، حُقّةٌ مختومة، واسطةُ عِقدٍ منظومة..."

 

ويصف الشيخ محي الدين أوَّل نظرة رأى فيها نظام في مقدمة ترجمان الأشواق الذي كتبه في محاسنها ونشر فيه من الغزل الروحاني اللائق والنسيب الرائق ما فاق فيه الشعراء، وفتح باباً جديداً في التعبير عن العلوم الروحانية بطريقة شعرية ما سبقه إليها أحد، وترك الشعراء والأدباء والنقّاد على مدى العصور بعده يتيهون في التأويلات المختلفة لهذه العلاقة الغريبة بين هذا الشيخ وهذه الفتاة، فتارة يبرّرون وتارة ينتقدون وكثيراً ما يعجزون عن التفسير، ولكنَّ الجميع لا يستطيع إلا أن يُبدي إعجابه بهذا النظم البديع والأدب الرفيع.

 

يقول الشيخ محي الدين في مقدمة "ذخائر الأعلاق"، وهو شرحه لكتاب "ترجمان الأشواق"، إنه كان يطوف ذات ليلة بالبيت، فطاب به الوقت، وهزّه حال كان يعرفه من قبل، فخرج من البلاط بعيداً عن الناس، وصار يطوف على الرمل، فتذكَّر أبياتاً من الشعر وأنشدها بهدوء بحيث لا يُسمع إلا نفسه ومن يليه لو كان هناك أحد، وهي:

 

 

 

لَيْتَ شِعْرِي هَلْ دَرَوْا

***

 أَيَّ قَلْبٍ مَلَكُو

وَفُؤَادِي لَوْ دَرَى

***

 أَيَّ شِعْبٍ سَلَكُو

هَلْ تُرَاهُمْ سَلِمُوا

***

 أَمْ تُرَاهُمْ هَلَكُو

حَارَ أَرْبَابُ الْهَوَى

***

 فِي الْهَوَى وَارْتَبَكُو

 

 

 

ثم يتابع فيقول:

 

فلم أشعر إلا بضربة بين كتفيَّ، بكفّ ألين من الخزّ؛ فإذا بجارية من بنات الروم، لم أرَ أحسنَ منها وجهاً، ولا أعذبَ منطقاً، ولا أرقَّ حاشيةً، ولا ألطفَ معنىً، ولا أدقَّ إشارةً، ولا أظرفَ محاورةً، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالاً ومعرفةً.

 

فطلبت منه هذه الفتاة أن يُعيد ما قاله، وكانت تعرفه ولم يكن يعرفها، فأعاد عليها البيت الأول، فاستوقفته وقالت: عجباً منك أنت عارف زمانك تقول مثل هذا! وأخذت تناقشه في الأبيات بيتاً بيتاً، وتوضح له أن حال المحب الكامل الفاني في محبوبه لا يكون كما وصف، وإنما لا يكون له لسان يصف به ولا قلب يحتار به.

 

فقال لها الشيخ محي الدين: يا بنت الخالة، ما اسمك؟

 

قالت: قرّة العين.

 

قال: لي. (فكان ذلك خِطبة مبدئيّة!)

 

ثم سلّمت نظام وانصرفت، دون أن ترد، ولكنها تركت في قلب الشيخ الأكبر أثراً كبيراً غيّر حياته الروحانية، لتكون أكثر ضياءً وصفاءً وبهاءً وعطاءً، وليس كما قد يظن البعض أنها قد تكون فتنته فأثنته عمّا هو في سبيله من الزهد والعبادة، فلكلِّ شيءٍ ميزان، وقد آن الأوان، وانقضى عهد الرهبانية بعد الوصول إلى برِّ الأمان.

 

فهل تزوّج الشيخ محي الدين من هذه الفتاة؟

 

 

 

زواجه من قرَّة العين:

 

نحن نعرف أن الشيخ محي الدين قد تزوج أكثر من مرة، ولكننا لا يمكننا أن نحدد متى حصل ذلك ولا كم مرة على وجه التحديد. ولكن يبدو على الأغلب أنَّ الشيخ محي الدين فضّل في البداية الابتعاد عن النساء والارتباط العائلي حتى يتمكن من الرحيل والتنقل دون أن يشغل باله بمستلزمات العائلة، ولقد كان موفَّقا في ذلك إلى حدِّ بعيد، فبعد وفاة والده ووالدته بسنتين تقريبا زوّج أختيه وتخلّص من الارتباطات العائلية التي تستوجب منه تفرُّغا كاملا، بعيدا عن أي ارتباط يعيقه عما هو في سبيله. ولكن هذا الحال لا يمكن أن يدوم لأنه "لا صرورة في الإسلام"، أي لا رهبانيَّة، والزواج من السنن المؤكَّدة.

 

ويقول ابن العربي في الباب الثالث والستين وأربعمائة من الفتوحات المكية إنه كان من أكره خلق الله تعالى في النساء وفي الجِماع في أول دخوله إلى التصوُّف (وكان عمره حوالي العشرين سنة)، وبقي على ذلك نحواً من "ثمان عشرة سنة"، إلى أن وقف على الخبر النبويّ أنَّ الله حَبَّب النساء لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم؛ فما أحبَّهنَّ طبعاً ولكنه أحبّهن بتحبّب الله إليه. ويضيف الشيخ محي الدين فيقول: "فلما صدقتُ مع الله في التوجّه إليه تعالى في ذلك من خوفي مقت الله حيث أكره ما حبّبه الله لنبيّه، أزال عني ذلك بحمد الله، وحبّبهن إليّ؛ فأنا أعظم الخلق شفقةً عليهنّ وأرعى لحقّهن، لأني في ذلك على بصيرة، وهو عن تحبّب لا عن حبّ طبيعي."

 

ويضيف الشيخ الأكبر فيقول إنه لا يعلم قدر النساء إلا من علم وفَهم عن الله ما قاله في حقِّ زوجتَيْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما تعاونتا عليه وخرجتا عليه كما ذكر الله في سورة التحريم وجعل في مقابلة هاتين المرأتين في التعاون عليه من يعاون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليهما وينصره وهو الله وجبريل وصالح المؤمنين ثم الملائكة بعد ذلك ظهير، وليس ذلك إلا للاختلاف في السبب الذي لأجله يقع التعاون؛ فثمّ أمر لا يمكن إزالته إلا بالله لا بمخلوق، ولذلك أُمرنا أن نستعين بالله في أشياء، وبالصبر في أشياء، وبالصلاة في أشياء.

 

فإذن، بعد ثمانية عشر سنة من دخوله الطريق، عاد الشيخ محي الدين وغيّر موقفه من النساء لما حبّبهنّ الله إليه فأصبح يحبّهن على بصيرة. ولا بدَّ أنّ ذلك حدث في مكة المكرمة في هذه السنة بالتحديد، سنة 598 للهجرة، إذا افترضنا أنه دخل الطريق سنة 580 كما ذكر هو في مكان آخر حيث قال: "ونلت هذه المقامات في دخولي هذه الطريقة سنة ثمانين وخمسمائة في مدة يسيرة"، وقد وُلد سنة 560 للهجرة. فإذا أضفنا الثمانية عشر سنة المذكورة أعلاه، علمنا أنَّ هذا التغيُّر حصل بالتحديد عندما رأى نظام!

 

إذا كان الأمر كذلك، فهذا يخالف بشكلٍ واضح ما قرّره  الباحث الأسباني أسين بلاثيوث في كتابه عن حياة ابن العربي حيث يفترض أنه تزوّج حتى قبل دخوله الطريق وأن من المحتمل أن يكون دخوله الطريق كان بتأثير زوجته مريم بنت محمد بن عبدون. ولكنَّ هذا الكلام غير منطقي على الإطلاق وليس له أيّ دليل.

 

بعد هذه الحادثة وهذا التبادل الشعري بين الشيخ محي الدين ابن العربي وهذه الفتاة التي كانت لا شكّ تعرفه وتعرف مقداره، وبعد أن انصرفت الفتاة سأل عنها الشيخ محي الدين فعرفها، ويقول إنه بعد ذلك عاشرها ورأى عندها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف.

 

في الحقيقة يصعب تحديد هذه العلاقة بشكل جازم، فليس لنا أن نحكم على الغيب الماضي إذا لم تتوفر لنا المصادر، ولكن من غير المستبعد، بل من الواضح، وربّما من المؤكد، أن يكون الشيخ الأكبر قد تزوج من هذه الفتاة، فإن جوابه لها فيه خِطبة صريحة ليس فيها مواراة؛ فعندما سألها عن اسمها، قالت: "قرة العين"، فرَدّ على الفور: "لي". ثم يقول إنه بعد ذلك عرفها وعاشرها ورأى عندها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف. فلا يكون ذلك من غير أن يكون قد تزوجها، أو على الأقل خطبها ثمّ فرّق الزمان بينهما كما سنحلّل ذلك الاحتمال بعد قليل. ولا ننسى من هي ومن هو؛ فما هي بنت شاردة، بل هي بنت أصل وشرف ودين، وما هو إلا محي الدين وسلطان العارفين وخاتم الأولياء المكمّلين. فلا يجوز أن نترك المجال للقلوب المريضة أن تذهب شرقاً وغرباً، وتظنّ أنها قد اكتشفت في نظام الكون عيباً.

فإنَّ هناك بعض المستشرقين (مثل بيتر لامبورن في كتابه: Sacred Drift: Essays on the Margins of Islam, Peter Lamborn Wilson, p. 115) يستدل بهذه العلاقة بين الشيخ محي الدين وبنت الشيخ أبي شجاع على وجود علاقات حبٍّ في الإسلام خارج نطاق الزواج، هذا افتراء بعيد عن الصحّة كما بيَّنَّا أيضاً في ترجمة صدرت مؤخراً لكتاب ترجمان الأشواق تحت عنوان (The Discloser of Desires; Turjuman al-Ashwaq).

 

وهناك إشارات واضحة أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه، فهو يقول في "محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار" بعد أن ذكر قصة لقائهما الأول التي رويناها أعلاه: "وكان لنا أهلٌ (أي زوجة) تقرّ العين بها، ففرّق الدهر بيني وبينها، فتذكّرتها، ومنزلها بالحِلَّة من بغداد". فكلمة "أهل" تعني بشكل صريح الزوجة، وعبارة "تقرّ العين بها" مشتقّة من اسمها "قرّة العين". ومعروف أن هذه الفتاة نظام وأهلها ليسوا من أهل مكة، بل هي روميّة، وكانت بلاد الروم في ذلك الوقت بلاد إسلام خاضعة مع شمال العراق إلى الدولة السلجوقية. وقد توفي والد نظام الشيخ أبو شجاع الأصفهاني سنة 609/1212، فمن غير المستبعد أن تكون نظام قد غادرت مع أهلها إلى العراق بعد وفاة والدها. بل يصرّح الشيخ محي الدين فيقول إنَّ نظام كانت ساكنة في بغداد، فيقول في كتاب ترجمان الأشواق، الذي كُتبت أغلب قصائده في سنة 611 للهجرة: 

 

أَحَبُّ بِلَادِ الله لِي، بَعْدَ طَيْبَةٍ  *** وَمَكَّةَ وَالْأَقْصَـى، مَدِينَةُ بَغْدَانِ
وَمَا لِيَ لَا أَهْوَى السَّلَامَ، وَلِي بِهَا  *** إِمَامُ هُدَى دِينِي وَعَقْدِي وَإِيمَانِي
وَقَدْ سَكَنَتْهَا مِنْ بُنَيَّاتِ فَارِسٍ  *** لَطِيفَةُ إِيمَاءٍ مَرِيضَةُ أَجْفَانِ
تُحَيِّي فَتُحْيِي مَنْ أَمَاتَتْ بِلَحْظِهَا  *** فَجَاءَتْ بِحُسْنَى بَعْدَ حُسْنٍ وَإِحْسَانِ

 

وهناك إشارات أيضاً إلى أنَّ الشيخ كان خاطباً لها عندما كتب بعض قصائد هذا الكتاب الذي كتبه على مدى حوالي خمس عشر سنة، لأنّه يقول في الفتوحات المكية بعد أن ذكر كتاب ترجمان الأشواق وانتقاد بعض فقهاء حلب له ثم توبتهم بعد أن شرح هذا الكتاب في ذخائر الأعلاق، فيقول الشيخ بعد ذلك موضحاً ضرورة حسن الظن قبل الرجم طالما لا يوجد يقين: لو رأينا رجلاً ينظر إلى وجه امرأة وهو خاطبٌ لها ونحن لا نعرف أنه خاطب وكنّا منصفين في الأمر، لم نُقدِم على الإنكار عليه إذا جهلنا حاله حتى نسأله ما دعاه إلى ذلك. فإن قال أو قيل لنا إنه خاطب لها، أو هو طبيب وبها مرض يستدعي في ذلك المرض نظر الطبيب إلى وجهها، علمنا أنه ما نظر إلاّ إلى ما يجوز له النظر إليه فيه، بل نظره عبادة لورود الأمر من الرسول صلّى الله عليه وسلّم في ذلك. ولا يُنكَر عليه ابتداءً مع وجود هذا الاحتمال؛ فليس الإنكار عليه من المنكِر بأولى من الإنكار على المنكِر في ذلك، مع إمكان وجود هذه الاحتمالات.

ولكنَّ السؤال الذي ربّما يكون مشروعا هو أنّه إن كان قد الشيخ محي الدين قد تزوّج من نظام أو خطبها لماذا لم يصرّح بذلك دفعاً للريبة والغيبة. فالجواب على ذلك السؤال هو أننا حقيقة لا نملك من كتب الشيخ محي الدين ابن العربي التي كتبها إلا اليسير وأكثرها تُعتبر مفقودة حتى الآن، فربما كان قد ذكر ذلك ولم يصلنا. من جهة أخرى نحن نعلم أنّ الشيخ محي الدين نادراً ما يتكلّم عن حياته الشخصية العائليّة، وهو إنّما يذكر علاقته بشيوخه تذكيراً بأحوال أهل الله، وليس تسجيلاً لسيرته الذاتية الشخصية، وهذا أمر واضح من خلال كتبه وخاصة كتاب روح القدس وكتاب الدرّة الفاخرة. وهو مثلاً لا يتحدّث عن أمّه كثيراً، ولا حتى عن أبيه إلا بشكل عابر، ولم يذكر اسم أمّه "نور" في كتبه إلا مرّة واحدة، حين نقل قول فاطمة بنت ابن المثنى لها في عبارتها الشهيرة: "يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبُرّيه ولا تعقّيه". وهو كذلك نادراً ما يذكر أسماء زوجاته أو أيّ شيء عن عائلته وحياته الشخصية.

هذا وقد تزوّج الشيخ محي الدين فيما بعد من فاطمة بنت أمير الحرمين يونس بن يوسف، مع أنه لم يذكرها إلا مرّة واحدة في آخر الفتوحات المكية، فهي التي أنجبت له أكبر أولاده الذي سمّاه محمّدا ولقبّه عماد الدين، وهو الذي أهدى إليه النسخة الأولى من الفتوحات المكية، كما ذكر في آخر النسخة الثانية منها. وكذلك تزوج من مريم بنت محمد بن عبدون، ولكنه لم يتحدّث عنها بمثل ما تحدّث عن نظام، ولا نعلم عنها إلا القليل، ويبدو من خلال حديثه عنها أنها كانت أيضاً من أهل التصوّف. وتقول بعض الروايات أن الشيخ محي الدين قد تزوج أيضاً أرملة صاحبه مجد الدين إسحق القونوي (توفي 617/1220)، حتى يتسنّى له تربية ابنها صدر الدين القونوي الذي أصبح من الشيوخ الكبار تحت تربية، ومن المحتمل أيضاً أن تكون هي التي ولدت له سعد الدين، الذي وُلد في أواخر سنة 618 للهجرة.

وكذلك تقول بعض الروايات أن الشيخ محي الدين قد تزوّج في دمشق من إحدى بنات القاضي محي الدين ابن الزكي، الذي أكرمه واحتفل به كثيرا. ويقول أيضاً المقرِّي صاحب "نفح الطيب" أن قاضي القضاة المالكيّة في دمشق زوّجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ.

 

 

التأويل في شعر ابن العربي:

 

يقول الشيخ محي الدين في مقدمة الترجمان إنَّ كلَّ ما يذكره من أسماء ومديح وغزل في هذا الكتاب إنما هو إشارة إلى معان إلهية رفيعة. وينطلي هذا كذلك على جميع أشعاره في كتبه الأخرى، كما قرَّر ذلك هو نفسه في الباب الثامن والتسعين من الفتوحات المكية أنَّ جميع ما يذكره في أشعاره إنّما هي كلها معارف إلهية في صور مختلفة من تشبيب ومديح وأسماء نساء وصفاتهن وأنهار وأماكن ونجوم.

 

فلمّا انتشر ديوان ترجمان الأشواق، استنكره بعض الفقهاء في مدينة حلب، فلمّا أخبره بذلك صاحباه بدر الحبشي وإسماعيل بن سودكين، قام الشيخ محي الدين بشرح هذا الديوان في كتاب ذخائر الأعلاق، فلمّا قرأ بعضَه القاضي ابن العديم (وهو المؤرّخ الشهير الذي كتب "بغية الطلب في تاريخ حلب") بحضرة جماعة من الفقهاء، فلما سمعه أولئك الذين أنكروه من قبل، تراجعوا بعد أن فهموا حقائق الرمز والإشارات والأسرار من وراء الغزل والتشبيب في هذه القصائد.

 

لكنَّ هذه الإشارات والرموز تستند على حقائق كونية قد تخفى عن الكثيرين ممن لم يخوضوا في فلسفة الوجود، وبشكل عام يقول الصوفيون إنّ في الإنسان مجموع حقائق العالَم من جمادات وحيوانات ونباتات وأفلاك وأملاك. فما من شيء في العالَم المحيط إلا ويُقابله شيء في الإنسان جسماً بجسمٍ وروحاً بروحٍ، كما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال:

 

وتحسب أنّك جرمٌ صغيرٌ * * * وفيكَ انطوى العالَم الأكبرُ

 

وأنت الكتابُ المُبين الذي * * * بأحرفه يظهرُ المُضمرُ

 

 

 

فكلُّ شيء في الإنسان يقابله شيء في العالَم من حوله حتى إنّ كلَّ ما يستجدّ في الإنسان من أظافر وشعر وغيرها له ما يقابله في العالَم المحيط به. فليس الإنسان من حيث جملته وتفاصيله سوى نسخة من العالَم، بحيث يمكن تسمية الإنسان بالعالَم الصغير والعالَم بالإنسان الكبير، وما خلق الله العالَم الخارج عنك إلا مثالاً لك لتستدلّ به على نفسك.

 

الحِكم الإلهية في قلب العارف:

وفيما يخصُّ ديوان ترجمان الأشواق بالتحديد، يقول ابن العربي في مقدِّمته:

 

 

 

كُلُّماَ أَذْكُرُهُ مِنْ طَلَلٍ

 ***

أَوْ رُبُوعٍ أَوْ مَغَانٍ، كُلُّما
وَكَذَا إِنْ قُلْتُ هَا أَوْ قُلْتُ يَا،

 ***

وَأَلا، إِنْ جَاءَ فِيْهِ، أَوْ أَمَا
وَكَذَا إِنْ قُلْتُ هِيْ أَوْ قُلُتُ هُوْ،

 ***

أَوْ همُو أَوْ هُنَّ جَمْعاً أَوْ هُما
وَكَذَا إِنْ قُلْتُ قَدْ أَنْجَدَ بِي

 ***

قَدَرٌ فِيْ شِعْرِنَا أَوْ أَتْهَما
وَكَذَا السُّحْبُ إِذَا قُلْتُ بَكَتْ

 ***

وَكَذَا الزَّهْرُ إِذَا مَا ابْتَسَمَا
أَوْ أُنَادِي بِحُدَاةٍ يَمَّمُوا

 ***

بَانَةَ الْحَاجِرِ أَوْ وُرْقَ الْحِمَى
...

 ***

 ...
كُلُّما أَذْكُرُهُ مِمَّا جَرَى

 ***

ذِكْرُهُ أَوْ مِثْلُهُ أَنْ تَفْهَما
مِنْهُ أَسْراراً وَأَنْواراً جَلَتْ

 ***

أَوْ عَلَتْ جَاءَ بِها رَكْبُ السَّمَا
لِفُؤادِي أَوْ فُؤادِ مَنْ لَهُ

 ***

مِثْلُ مَا لِي مِنْ شُرُوطِ العُلَمَا
صِفَةٌ قُدْسِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ

 ***

أَعْلَمَتْ أَنَّ لِصِدْقِيَ قَدَمَا
فَاصْرِفِ الخَاطِرَ عَنْ ظَاهِرِهَا،

 ***

وَاْطْلُبِ البَاطِنَ حَتَّى تَعْلَمَا

 

 

 

 

من أجل ذلك يحتاج التأويل علماً واسعاً بالكون والوجود وبخواصِّ الأعضاء وخِلقتها وتركيبها وصفاتها، وحتى بعد ذلك فإنَّ التأويل علمٌ خاص اجتهادي لا يمكن أن يؤخذ منه أيُّ حكم، وإنّما هو فهمٌ خاصٌّ بصاحبه.

 

ففي كتاب ذخائر الأعلاق شرح الشيخ محي الدين بشكل مقتضب كيف يمكن تأويل بعض الصور البيانية التي أوردها في قصائد هذا الديوان الغزلي، وفيما يلي نذكر مثالاً واحداً مختصراً منها. 

 

1. مَا رَحَّلُوا يَوْمَ بَانُوا الْبُزَّلَ الْعِيسَا

 ***

إِلاَّ وَقَدْ حَمَلُوا فِيهَا الطَّوَاوِيسَا
2. مِنْ كُلِّ فَاتِكَةِ الْأَلْحَاظِ مَالِكَةٍ

 ***

تَخَالُهَا فَوْقَ عَرْشِ الدُّرِّ بَلْقِيسَا
3. إِذَا تَمَشَّتْ عَلى صَرْحِ الزُّجَاجِ تَرَى

 ***

شَمْساً عًلى فَلَكٍ فِي حِجْرِ إِدْرِيسَا
4. يُحْيِي، إِذَا قَتَلَتْ بِالْلَّحْظِ، مَنْطِقُهَا

 ***

كَأَنَّهَا عِنْدَمَا تُحْيِي بِهِ عِيسَى
5. تَوْرَاتُهَا لَوْحَ سَاقَيْهَا سَناً وَأَنَا

 ***

أَتْلُو وَأَدْرُسُهُا كَأَنَّنِي مُوسَى
6. أُسْقُفَّةٌ مِنْ بَنَاتِ الرُّومِ عَاطِلَةٌ

 ***

تَرَى عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْوَارِ نَامُوسَا
7. وَحْشِيِّةٌ مَا بِهَا أُنْسُ قَدِ اْتَّخَذَتْ

 ***

فِي بَيْتِ خُلْوَتِهَا لِلذِّكْرِ نَاوُوسَا
8. قَدْ أَعْجَزَتْ كُلَّ عَلاَّمٍ بِمِلَّتِنَا

 ***

وَدَاوُدِيّاً، وَحَبْراً ثُمَّ قِسِّيسَا
9. إِنْ أَوْمَأَتْ تَطْلُبُ الْإِنْجِيلَ تَحْسَبُهَا

 ***

أَقِسَّةٌ أَوْ بَطَارِيقاً شَمَامِيسَا
10. نَادَيْتُ، إِذْ رَحَّلَتْ لِلْبَيْنِ نَاقَتَهَا:

 ***

يَا حَادِيَ الْعِيسِ لا تَحْدُو بِهَا الْعِيسَا
11. عَبَّيْتُ أَجْيَادَ صَبْرِي يَوْمَ بَيْنِهِمُ

 ***

عَلى الطَّرِيقِ كَرَادِيساً كَرَادِيسَا
12. سَأَلْتُ إِذْ بَلَغَتْ نَفْسِـي تَرَاقِيَهَا

 ***

ذَاكَ الْجَمَالَ وَذَاكَ الْلُّطْفَ تَنْفِيسَا
13. فَأَسْلَمَتْ، وَوَقَانَا اللهُ شِرَّتَهَا،

 ***

وَزَحْزَحَ المَلَكُ المَنْصُورُ إِبْلِيسَا

 

 

 

 

 

 

فهنا يرمز ابن العربي بالطواويس للأرواح لأنَّها من الطيور التي يُضرب بها المثل في الجمال، فيقول إنَّ هذه الطواويس عندما حمَّلوها في البُزَّل (وهي الإبل المسمَّنة) فهي مثل الأعمال المقبولة عندما تتزيَّن بالنوايا الحسنة وعلوِّ الهمَّة التي هي بمثابة الروح للعمل. وهذه الأعمال التي تحصل للعبد في خلوته تنتج الحِكم الإلهيَّة البديعة، وهي تُشبه بلقيس لأنَّها مولَّدة بين العلم والعمل، كما كان والد بلقيس من الإنس وأمُّها من الجنِّ. فهذه الحِكم العالية عندما تطوف في القلب هي مثل الشمس في مقام إدريس عليه السلام الذي رفعه الله مكاناً عليّا، وهي عندما تدور في فلكها (وهو القلب) تثمر الأحوال والمعارف التي يتقلَّب فيها العارف، فتُفنيه عن الوجود في مشاهدة محبوبه ثمَّ تُحيِيه بنور العلم والمعرفة التي تحصل له من هذا الشهود.

 

وكان التشبيه بعيسى عليه السلام هنا لأنّه وُلد من غير شهوة طبيعية، فلمَّا كان روحاً صار من قوَّته إحياء الموتى. ثم شبَّه التوراة بالساق، لأنَّ الكشف عن الساق هو الكشف عن الأمر، كما ورد عن يوم القيامة أنّه يكشف عن ساق، وكذلك معنى التفَّتِ الساق بالساق أي التفَّ أمر الدنيا بأمر الآخرة. ولكون هذه الحكم العيسوية شبَّهها بالأسقف وهو عظيم الروم، وقال إنَّها عاطلة أي من غير زينة لأنّها تأتي من عين التوحيد وليس عليها زينة الأسماء والصفات، ومع ذلك ترى عليها سبحات الأنوار المحرقة وهي الحجب النورانية التي لو رفعها سبحانه لأحرقت سبحات وجهه ما وقع عليه بصره، كما ورد في الحديث. من أجل ذلك فهي وصفها بالوحشية، لأنّها مشاهدة فناء، ليس فيها لذّة، ولذلك لا تأنس إليها النفوس، فلذلك اتخذت بيت خلوتها القلب الذي وسعها.

 

ولمَّا كانت هذه الحكمة ذاتية، أعجزت أهل الكتب الأربعة، التي تدلُّ على الرحمن. ولكن لمّا كان لا بدَّ لها من الرحيل، لأنَّ شهود الذات فناء لا يمكن أن يدوم، فلذلك استعاذ بالله منها، من قول النبي صلى الله عليه وسلَّم: وأعوذ بك منك، فانقادت للدعاء ووقاه الله سطوتها، وزحزح ملك خاطر العلم إبليس خاطر الاتحاد، فهذا مقام صعب قلَّ من حصل فيه وسلم من القول بالاتِّحاد والحلول، وعنه تنشأ أكثر شطحات الصوفيَّة، وهو المشار إليه بقوله تعالى في الحديث القدسي: كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به.

 

ونختم بقصيدة من أروع قصائد الترجمان:

 

1. سَلامٌ عَلى سَلْمَى وَمَنْ حَلَّ بِالْحِمَى

 ***

وَحُقَّ لِمِثْلِي رِقَّةً أَنْ يُسَلِّمَا
2. وَمَاذَا عَلَيْهَا أَنْ تَرُدَّ تَحِيَّةً

 ***

عَلَيْنَا وَلٰكِنْ لا احْتِكَامٌ عَلى الدُّمَى
3. سَرُوا وَظَلامُ الْلَّيْلِ أَرْخَى سُدُولَهُ

 ***

 فَقُلْتُ لَهَا صَبَّا غَرِيباً مُتَيَّمَا
4. أَحَاطَتْ بِهِ الْأَشْوَاقُ شَوْقاً وَأَرْصَدَتْ

 ***

لَهُ رَاشِقَاتُ النُّبْلِ أَيَّانَ يَمَّمَا
5. فَأَبْدَتْ ثَنَايَاهَا وَأَوْمَضَ بَارِقٌ

 ***

فَلَمْ أَدْرِ مَنْ شَقَّ الْحَنَادِسِ مِنْهُمَا
6. وَقَالَتْ: أَمَا يَكْفِيهِ أَنِّي بِقَلْبِهِ

 ***

يُشَاهِدُنِي فِي كُلِّ وَقْتٍ أَمَا أَمَا

 

 

 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: