العلاقة الروحانية بين ابن العربي وشيخه أبي مدين

 

العلاقة الروحانية بين ابن العربي وشيخه أبي مدين

(ألقي هذا البحث في مؤتمر عن الشيخ أبي مدين في مدينة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية في 18-22/12/2011)

ملخص البحث:

هذا البحث يدرس علاقة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي بشيخ المشايخ أبي مدين، منذ أن حدَّثه عنه أستاذه الشيخ يوسف بن يخلف الكومي، وذلك اعتماداً على النصوص التي أوردها الشيخ الأكبر في كتاب الفتوحات المكية ورسالة روح القدس وكتاب محاضرة الأبرار. فعلى الرغم من أن بعض الباحثين يتحدث عن احتمال لقاء فعليٍّ بين ابن العربي وأبي مدين، إلا أن ابن العربي نفسه يؤكد أن ذلك لم يحدث، ولكن كان هناك اجتماعات روحانية كثيرة بينه وبين شيخه وروى عنه بالتالي الكثير من القصص والحكم التي شاهدها أو سمعها منه أو من أتباعه. ويبدو أن مثل هذا الالتباس حصل على الأرجح بسبب اختلاف المؤرخين حول تاريخ وفاة أبي مدين الذي يحدده معظم المؤرخين أنه حدث بين عامي 593-594 هـ، في حين إنَّ ابن العربي يشير إلى أن ذلك حدث عام 589 هـ، وذلك قبيل سفره المفاجئ لأول مرة إلى تونس، مروراً ببجاية، والذي قام به على الأرجح بهدف لقاء شيخه أبي مدين الإشبيلي التلمساني المعروف بين الروحانيين بأبي النجا.

 

 

بداية تعرُّف ابن العربي على الشيخ أبي مدين:

كان الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي من أوائل الشيوخ الذين تولَّوا تدريس الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي وتربيته منذ صباه، وكان له فيه أثر ٌكبير. والشيخ يوسف من أصحاب أبي مدين، وله في الطريق قدم راسخة.

ذهب الشيخ يوسف مرة ومعه بعض تلاميذه، ومنهم ابن العربي، إلى جبل المنتيار قرب إشبيلية، وكان حينها ابن العربي صبياً لم يكن يعرف معنى التصوُّف ولا معنى السلوك، كما يقول هو عن نفسه.[1]

وفي جامع صغير أعلى الجبل صلَّى الشيخ العصر مع تلاميذه وجلس يقرأ لهم في الرسالة القشيرية عن كرامات الأولياء والصوفية الأوائل. وفي طريق عودتهم إلى المدينة ركب الشيخ يوسف فرسه، وكان ابن العربي يمسك ركابها، والشيخ يحدِّثه عن فضائل الشيخ أبي مدين وكراماته.

ومن شدّة استغراقه في الحديث فني ابن العربي في كلام شيخه ووصفِه لأبي مدين فكان لا يُحسّ بنفسه وهو يرفع إليه وجهه، وكان الشيخ يوسف ينظر إليه ويبتسم، ويهمز فرسه فيسرع، ويسرع ابن العربي معه.

ثم وقف الشيخ يوسف وقال لتلميذه: أنظر ماذا تركت خلفك؟ فنظر ابن العربي فرأى الطريق الذي مشى به كلَّه شوكاً يصل إلى معقد الإزار وشوكاً آخر منبسطاً في الأرض! قال له الشيخ يوسف: أنظر إلى قدميك، فلم ير بهما أثراً. قال له: أنظر إلى ثوبك، فلم ير أثراً للشوك كذلك.

حينئذ قال له الشيخ يوسف: هذه كرامة من بركة ذِكرنا أبا مدين رضي الله عنه؛ إِلزم الطريق يا بنيَّ تُفلح.

وهمز الشيخ يوسف فرسه فركضت، وترك ابن العربي خلفه، متحيِّراً فيما حصل، وهو يتفكَّر في معنى الكرامة، وبدأ يتوق لمعرفة المزيد عن الشيخ أبي مدين.

ولم يتنهِ الأمر عند هذا الحدِّ، بل عندما وصلوا إلى المدينة جلس ابن العربي مع شيخه فرآه الشيخ يتعلَّق قلبُه للخروج بعد قضاء طوال النهار معه، فقال له: ما شأنك؟

فقال ابن العربي: عليَّ أربع حوائج أريد أن أقضيها ولي أيام أروم قضاءها وأتعمّل فيها ولا أجد الأشخاص الذين الحوائج بأيديهم.

فتبسّم الشيخ يوسف وقال: إن تركتني ومشيت الآن فلن تنقضي. فاجلس معي أذكر لك من أحوال أبي مدين رضي الله عنه، وأنا أضمن قضاءها!

فجلس ابن العربي يستمع، ولما حان وقت المغرب قال له الشيخ: أُخرج الساعة إلى منزلك، فإنك لا تصلي المغرب حتى تنقضي هذه الحوائج كلُّها.

فخرج ابن العربي والشمس قد غربت، فوصل إلى منزله ومؤذِّن المغرب يؤذِّن. فيقول: فوالله ما أحرمت بالصلاة للمغرب حتى انقضت حوائجي كلُّها.

 

لقد كانت هذه هي بداية علاقة، أو تعلُّق، ابن العربي بالقطب الغوث أبي مدين، وقد بدأ الشوق ينبت في فؤاده لزيارته ورؤيته. وأغلب الظنِّ أنَّ ذلك حصل في مرحلةٍ مبكِّرةٍ جداً من حياة ابن العربي ربما تكون بُعَيد انتقاله إلى إشبيلية سنة 568 هـ، أو على الأبعد كانت حتماً قبل سنة 580 هـ بسنوات، أي قبل أن يسلك ابن العربي طريق التصوُّف، بل كانت هذه الحادثة أوَّل دعوة له لسلوك الطريق.

 

الشيخ أبو مدين في عيون ابن العربي:

أَبُو مَدْيَن التِلِمْسَاني (514/1120-589/1193) هو شعيب بن الحسن، أصله من الأندلس، من حصن منتوجب قرب إشبيلية. أقام بفاس وسكن بجاية، وكثر أتباعه حتى خافه السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور. وقد أخذ الشيخ أبو مدين علومه وتربيته عن الشيخ الفقيه الصالح أبي الحسن علي بن حرزهم (توفي 559/1164).[2] ذكره أبو عبد الله الأبّار، وقال: توفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة، وكان آخر كلامه: اللهُ الحيّ، ثم فاضت نفسه.[3] وكذلك ذكره الشعراني في "الطبقات" وروى عنه بعض القصص والأحوال، ومن ذلك أنَّ سبب دخوله تلمسان أنَّ أمير المؤمنين أمر بإحضاره من بجاية، فلما وصل الشيخ شعيب إلى تلمسان، قال: ما لنا وللسلطان، الليلة نزور الإخوان. ثم نزل وذهب إلى المسجد الجامع هناك، واستقبل القبلة وتشهَّد وقال: ها قد جئت، ها قد جئت، وعجلت إليك ربِّ لترضى، ثم قال: الله الحيّ، ثم فاضت روحه إلى بارئها قبل أن يرى السلطان.[4]

لقد تخرَّج مئات الشيوخ والعلماء على يدي الشيخ أبي مدين، ولذلك يقال له شيخ مشايخ الإسلام‏,‏ وإمام العباد والزهاد‏، وقد كان له الفضل في نشر الإسلام في شمال إفريقية وإليه تعود جذور الطريقة الشاذلية من خلال عبد السلام بن مشيش (توفي ‏625/1228) والعديد من الطرق الأخرى.

اختلف المؤرخون في تاريخ وفاة أبي مدين؛ فمنهم من قال توفي سنة 594،[5] ومنهم من قال إنه قارب الثمانين أو تجاوزها،[6] (مما يعني أنه توفي بعد سنة 594)، وقال ابن الملقن في طبقات الأولياء إنه توفي سنة 593.[7] ولكن ابن العربي قد أرّخ وفاته سنة 589 بشكل صريح (ولكن غير مباشر) وذلك في عنوان الباب السادس والخمسين وخمسمائة من الفتوحات المكيَّة "في معرفة حال قطب كان منزله (تبارك الذي بيده الملك) وهو من أشياخنا درج سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه الله"، ثم قال في هذا الباب إنَّ هذا الذكر كان لشيخه أبي مدين.[8]

ولعلَّ هذا الخطأ في تأريخ وفاة أبي مدين رضي الله عنه أدّى بعض الدارسين، مثل أسين بلاثيوس،[9] للحديث عن احتمال لقاء الشيخ محي الدين مع شيخه أبي مدين، لأنَّ ابن العربي كان في تلمسان سنة 590 وفي بجاية سنة 597، فيقول بلاثيوث إنه ربما زاره في سنة 590 أثناء زيارته الأولى لتونس مروراً في بجاية.

على كلِّ حال، يُعدّ الشيخ أبو مدين من الرجال الذين تأثر بهم الشيخ الأكبر كثيراً لكثرة ما ينقله عنه من أخبار وأقوال ويدعوه بـ"شيخنا"، ويقول إنَّه كان يُدعى في العالم العلوي بأبي النجاوبة،[10] وكان يحبُّه ويحبُّ من يحبُّه ويبغض من يبغضه: فعندما جاء ابن العربي إلى تِلمسان سنة تسعين وخمسمائة، تعرّف على رجل من أهل الله اسمه عبد الله الطرطوسي، فدار بينهما حديث عن الشيخ أبي مدين فعلم الشيخ ابن العربي أن الطرطوسي يبغض الشيخ أبا مدين فبغضه لذلك، ولكنه في نفس الليلة رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لِم تكره فلاناً؟ فقال: لبُغضه في أبي مدين. فقال له: أليس يحبُّ الله ويحبُّني؟ فقال له: بلى يا رسول الله، إنه يحبُّ الله ويحبُّك. فقال له: فلِم بغضته لبغضه أبا مدين وما أحببته لحبِّه الله ورسوله؟ فقال له: يا رسول الله من الآن، إني والله زللتُ وغفلتُ والآن فأنا تائب وهو من أحبِّ الناس إليّ، فلقد نبّهتَ ونصحتَ صلّى اللهُ عليك.

فلما استيقظ الشيخ ركب دابته وجاء إلى منزل عبد الله الطرسوسي وأخذ له هدية وأخبره بما جرى، فبكى عبد الله الطرسوسي وقبِل الهدية وأخذ الرؤيا تنبيهاً من الله فزال عن نفسه كراهته في أبي مدين وأحبّه. وذكر للشيخ الأكبر أن سبب كراهته في أبي مدين أنه قسم مرة الأضحيات على أصحابه وما أعطاه منها شيئاً.[11]

ويقول الشيخ الأكبر عن الشيخ أبي مدين إنَّه كان أحد الإمامين، وهما من رجال الأنفاس وهما اللذان يخلفان القطب إذا مات، فهما للقطب بمنزلة الوزيرين، الواحد منهم مقصور على مشاهدة عالم الملكوت، والآخر مع عالم الملك. فيقول ابن العربي كان الشيخ أبو مدين يقول: سورتي من القرآن: تبارك الذي بيده الملك، ومن أجل هذا كنا نقول فيه إنه أحد الإمامين لأن هذا هو مقام الإمام.[12]

وكذلك كانت مرتبة الشيخ أبي مدين عالية بين الأولياء وكان محبوباً من الجميع مع أن بعض الناس كان يحاول الإيقاع به وقتله، وكان معروفا في العالم العلوي، كما يروي عنه الشيخ يوسف ابن يخلف الكومي سنة 586، وربما كان هذا ما دعا الشيخ محي الدين للرغبة في زيارته:

أخبرني يوسف ابن يخلف الكومي من أكبر من لقيناه في هذا الطريق سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمه الله قال أخبرني موسى السيدراني وكان من الأبدال المحمولين قال: لما مشيت أنا ورفيقي إلى الجبل المسمى قاف وهو جبل محيط بالبحر المحيط بالأرض وقد خلق الله حية على شاطئ ذلك البحر والجبل دارت بجسمها بالبحر المحيط إلى أن اجتمع رأسها بذنبها فوقفنا عندها فقال لي صاحبي سلم عليها فإنها ترد عليك. قال موسى فسلمت عليها فقالت وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قالت لي كيف حال الشيخ أبي مدين، وكان أبو مدين ببجاية في ذلك الوقت، فقلت لها تركته في عافية، وما علمك به؟ فتعجبت وقالت وهل على وجه الأرض أحد لا يحبه ويجهله؟ إنه والله مذ اتخذه الله ولياً نادى به في ذواتنا وأنول محبته إلى الأرض في قلوبنا فما من حجر ولا مدر ولا شجر ولا حيوان إلا وهو يعرفه ويحبه. فقلت لها والله لقد ثم أناس يريدون قتله لجهلهم به وبغضهم فيه. فقالت ما علمت أن أحداً يكون على هذه الحال فيمن أحبَّه الله.[13]

ويقول الشيخ الأكبر أيضاً إنَّ الشيخ أبا مدين رحمه الله كان إذا جاءه مأكول طيّب أكله وإذا جاءه مأكول خشن أكله، أما إذا جاع وجاءه نقد علم أن الله قد خيّره؛ فإذا أراد أن يطعمه أيّ صنف شاء من المأكولات جاء به إليه، فيقول: هذا النقد ثمن المأكول جاء به الله للتخيير والاختبار.[14]

ويقول الشيخ الأكبر في حديثه عن أنواع الفتوح ومقاماته من الباب السادس عشر ومائتان من الفتوحات المكية أن الشيخ أبا مدين يقول في الفتوح: "أطعمونا لحماً طرياً كما قال الله تعالى، لا تطعمونا القديد"، أي لا تنقلوا إلينا من الفتوح إلا ما يفتح به عليكم في قلوبكم، لا تنقلوا إلينا فتوح غيركم.[15]

ولكن هذه العلاقة الحميمة والمحبَّة الوثيقة لا تمنع أن يختلف ابن العربي مع شيخه في بعض الأمور نظراً لاختلاف المشهد، فقال مثلاً في حكم تأمين الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، هل يقول آمين أم لا يقولها؟ فيجيب أنَّ العلماء اختلفوا في ذلك فمن قائل يؤمّن ومن قائل لا يؤمِّن، وقد كان الشيخ أبو مدين ببجاية يقول لا يؤمِّن الإمام، والتأمين أولى بكلِّ وجه فإنَّ المكلَّف مأمور إذا دعا أن يبدأ بنفسه، وقوله آمين دعاء، وفي الحديث الثابت: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا".[16]

لقد فاق إعجاب الشيخ محي الدين بالشيخ أبي النجاوبة كلَّ حدٍّ مع إنه لم يعاشره في الواقع، ونراه في الفتوحات المكية وغيرها ينقل عنه أقوالاً كثيرة، كقوله الشهير: "لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كلَّ ما يريد."[17] وقوله: "من عرف الله من الجيب، رزقه من الجيب. ومن عرفه من الغيب، رزقه من الغيب."[18] وحول العبودية، يقول الشيخ أبو مدين: "لا بدَّ من بقاء رسم العبودية ليقع التلذُّذ بمشاهدة الربوبية."[19] وحول العلم الذي عندنا من الله تعالى، يقول ابن العربي في قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الإسراء: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، أن شيخه أبا مدين كان يقول إذا سمع هذه الآية: "القليل أُعطيناه ما هو لنا، بل هو معارٌ عندنا، والكثير منه لم نصل إليه؛ فنحن الجاهلون على الدوام".[20]

وهكذا نجد أن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي قد تأثر كثيراً بشيخ المشايخ أبي مدين بشكل مباشر عن طريق اللقاءات بينهما في عالم الروح والمثال، وكذلك عن طريق أحاديثه مع تلاميذه الذين انتشروا في أنحاء الأندلس وشمال إفريقية مثل الشيخ عبد الله الموروري والشيخ أبي محمد عبد الله المهدوي في تونس وغيرهم الكثير. ولقد أوضحنا في منشورات سابقة إنّه ربما تكون هناك علاقة رابطة بين الشيخ أبي مدين وداود الطائي الذي يبدو إنه من أجداد الشيخ محي الدين رضي الله عنهم أجمعين.[21] فقد ذكر المقرِّي مؤلِّف كتاب "نفح الطيب" الشيخ أبي مدين والشيخ داود الطائي في سلسلة شيوخه الذين أخذ عنهم، في سلسلة ترجع عن طريق الحسن البصري وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.[22] بالإضافة إلى ذلك فإن الشيخ أبا مدين قد لبس الخرقة الصوفية من شيخه أبي يعزى من سلسلة رجال فيهم داود الطائي أيضاً.[23]

 

كيف الْتقى الشيخ الأكبر بالقطب الغوث أبي مدين:

جلس الشيخ الأكبر في منزله بإشبيلية بعد أن صلَّى المغرب فذكر الشيخ أبا مدين وتمنى أن لو اجتمع به، وكان الشيخ أبو مدين في ذلك الوقت في بِجاية وهي على مسيرة خمسة وأربعين يوماً من إشبيلية.

ثمَّ صلَّى الشيخ الأكبر ركعتين خفيفتين نافلة، فلما سلَّم دخل عليه الشيخ أبو عمران موسى السيدراني، وكان من الأبدال، فأجلسه إلى جانبه وقال له: من أين؟ فقال: من عند الشيخ أبي مدين من بجاية!

قال له ابن العربي: متى عهدك به؟ قال: صلَّيت معه هذا المغرب فنظر إليَّ وقال: إنَّ محمد ابن العربي بإشبيلية خَطَر له كذا وكذا وتمنَّى أن يجتمع بنا، فسِر إليه الساعة وأخبره عني: أما الاجتماع بالأرواح فقد صحَّ بيني وبينك وثبتَ، وأما الاجتماع بالأجسام في هذه الدار فقد أبى الله ذلك فسكِّن خاطرك والموعد بيني وبينك عند الله في مستقر رحمته.[24]

ويذكر الشيخ الأكبر أنَّه دخل مرَّة مع أحد أصحابه على الشيخ أبي الحجاج يوسف الشبربيلي، فقال له:يا سيدنا هذا من أصحاب أبي مدين، فتبسَّم الشبربيلي وقال عجب أمس كان عندنا أبو مدين رضي الله عنه، نِعم الشيخ. وأبو مدين إذ ذاك ببجاية وبينهما مسيرة خمسة وأربعين يوماً! فكان لقاء الشيخ أبي مدين بالشيخ أبي الحجاج كشفاً روحانياً بينهما. ثم يقول ابن العربي: وكانت هذه الحالة كثيراً ما تتفق لي فإن أبا مدين كان قد سكن عن الحركة، وأحفظ من أخباره ما شاهدته كثيراً، مما تضيق هذه العجالة عنه. وهكذا كلُّ من أذكره، وإنما أذكره ليُعلم أنَّ الزمان لا يخلو من الرجال. وهذا يعني أنَّ الشيخ الأكبر لم يروِ خبراً أو يذكر قصَّة عن أحدٍ إلا مما شاهده ورآه رأي العين، كما صرَّح بذلك. بل إنَّه صرَّح أنَّه التقى في أكثر من مناسبة بجميع المؤمنين ما كان منهم وما سيكون إلى يوم القيامة، فكيف حدث هذا اللقاء؟

لقد كان الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه متمرّساً في عالم الأرواح لا يحجبه عنهم شيء، فكان يتصل بهم ويتواصل معهم كما لو أنه يتعامل مع العالم المادي لا فرق. وكان رضي الله عنه يقوم بذلك في النوم وفي اليقظة، وله في ذلك روايات كثيرة لا تحصر. فقد التقى مثلا بالقطب أحمد ابن هارون الرشيد (توفي سنة 184/800) سنة تسع وتسعين وخمسمائة وهو يطوف بالكعبة وسأله وأجابه.[25] والتقى بالشيخ عبد الرحمن السلَّمي (توفي 421/1030)، وهو مؤلف كتاب "طبقات الأولياء" الشهير، حيث تجسدت له روحه، وسأله عن مقام القربة وجرى بينهما حديث طويل ذكره الشيخ محيي الدين في الباب الواحد والستين ومائة، وفي كتاب القربة.[26]

ويقول صدر الدين القونوي تلميذ ابن العربي وربيبه أنَّ شيخه كان متمكناً من الاجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء الماضين وذلك من خلال ثلاث طرق: إن شاء الله استنزل روحانيته في هذا العالم وأدركه متجسداً في صورة مثالية شبيهة بصورته الحسّية العنصرية التي كانت له في حياته الدنيا، وإن شاء الله أحضره له في نومه، وإن شاء انسلخ هو عن هيكله واجتمع به.[27]

وقد ذكر الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي أنّه رأى جميع الرسل عليهم السلام رؤية عين، والتقى ببعضهم كذلك في مناسبات كثيرة سواء في عالم المثال أو في عالم المُلك، وكلّم منهم على وجه الخصوص هوداً أخا عاد. ويضيف أيضاً أنه رأى المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضاً، من كان منهم ومن يكون إلى يوم القيامة، أظهرهم الحق له في صعيد واحد في زمانين مختلفين.

وكذلك ذكر الشيخ رضي الله عنه طرقاً مختلفةً تتجسد له بها الأرواح فيتعلم منهم ويعلّمهم، فقال شعرا في الباب الثاني والسبعين وهو باب أسرار الحج في آخر الجزء الأول من الفتوحات المكية:

 

فمنهم من تجسّد لي بأرضٍ

***

ومنهم من تجسّد في الهواء
ومنهم من تجسّد حيث كنّ *** ومنهم من تجسّد في السماء
فيخبرنا ونخبره بعلمٍ *** ولكن لا نكون على السواء
فإني ثابتٌ في كلّ عينٍ *** وهم لا يقدرون على البقاء
فهم يتصوّرون بكلّ شكلٍ *** كَلَوْن الماء من لون الإناء

 

 

 

بعض الشيوخ الذين الْتقاهم ابن العربي من أصحاب أبي مدين:

من المعروف أن الشيخ الأكبر ابن العربي كان من العارفين الذين سبق فتحُهم سلوكَهم، فلم يستغرق زمناً طويلاً في الرياضة والتربية، بل إنَّ رياضته وتربيته كانت بعد الفتح، فقد نَقل لنا عنه تلميذه المقرَّب ابن سودكين النوري (المتوفى 646/1248) في كتاب "الوسائل" أنَّ ابن العربي دخل الخلوة قبل الفجر وتلقَّى الفتح قبل طلوع الشمس، وكان فتحه نتيجة جذبة في تلك اللحظة.[28]

فبعد هذه البداية السريعة بدأ الشيخ الأكبر الترقِّي في المقامات وتوالت عليه الفتوح والمعارف، فكان يلتقي بالملائكة وبأرواح الأنبياء ويتعلَّم منهم، لاجرم أنَّ شيخه الأوَّل في الطريق هو عيسى ابن مريم عليه السلام الذي قال عنه إنَّ له به عناية عظيمة ولا يغفل عنه ساعة واحدة.[29]

فلما ذاعت شهرة ابن العربي في الأندلس وشمال إفريقية بدأ الشيوخ يتوافدون عليه، وبدأ هو كذلك يتنقَّل بين المدن للقاء الشيوخ والحديث معهم. فبالإضافة إلى الشيخ يوسف بن يخلف الكومي الذي ذكرناه أعلاه، الْتقى الشيخ الأكبر بالعديد من المشايخ الذين تخرَّجوا من مدرسة أبي مدين. وكان كلّما سمع عن شيخ في مدينة أو ناحية ذهب إليه وخالطه وسمع منه وناقشه وتعلّم منه وعلّمه، بدايةً في أنحاء الأندلس الواسعة، ثم في شمال إفريقية، قبل أن ينتقل إلى ليعيش في بلاد المشرق حتى آخر حياته. وأغلب الظنِّ أن ابن العربي قصد تلمسان أوَّل مرّة سنة 589 من أجل لقاء شيخه أبي مدين الذي توفي في نفس السنة في تلمسان قبل أن يصل ابن العربي إليها. وربَّما هذا هو السبب الذي أدّى به للمضيِّ إلى تونس لزيارة أحد تلاميذ الشيخ أبي مدين وهو الشيخ عبد العزيز المهدوي.

بدأ ابن العربي رحلاته الاستطلاعية داخل الأندلس بمدينة مورور، وكان سبب سفره أنه أراد أن يتقن مقام التوكل، فبحث عن منبعه، فأطلعه الله تعالى على قطب المتوكّلين، وهو عبد الله بن الأستاذ الموروري الذي كان قطب التوكل في زمانه، فرأى التوكّل يدور عليه كأنه الرحى حين تدور على قطبها.[30] والموروري هو من تلاميذ أبي مدين الذي كان يسميه الحاج المبرور، وكان يصطفيه ويحبه؛ فقد قال له يوما: كَبُر عليَّ دعائي الناس إلى الله ولا يجيب أحد وأريد أن أصطفيك لنفسي وتخرج معي إلى بعض هذه الجبال فألزم مغارة تصحبني فيها إلى أن أموت. ففرح عبد الله الموروري بذلك وعلم أن له عند الله مكاناً، ولما كان الليل رأى عبد الله الشيخ أبا مدين في النوم إذا تكلَّم مع الناس صار شمساً وإذا سكت صار قمراً، فروى له ذلك في الصباح، فتبسم أبو مدين وقال له: الحمد لله يا ولدي أريد أن أكون شمساً، فإنَّ الشمس تنفي كلَّ ظلمة وتكشف كلَّ كربة.

وكذلك التقى ابن العربي بالشيخ أبو أحمد السلاوي، وهو من أصحاب الشيخ أبي مدين، صحبه ثمانية عشر سنة، وكان قويَّ الحال كثير الاجتهاد والعبادة شديد البكاء، وكان إذا بكى يأخذ ابن العربي الدموع إذا سقطت من عينيه على الأرض فيمسح بها وجهه فيجد فيها رائحة المسك، فيتخذها طيباً وكان يشمها الناس عليه فيقولون له: من أين اشتريت هذا المسك؟[31]

وفي مدينة فاس صحب ابن العربي الشيخ أبا عبد الله محمد بن قاسم التميمي (توفي 603/1206)، وكان إماماً محدّثاً حافظاً وفقيهاً ورحّالاً، رحل في طلب العلم إلى الأندلس والمشرق ثم عاد إلى فاس حيث تتلمذ على يدي الشيخ أبي مدين والشيخ أبي يعزى.[32] وكان الشيخ محي الدين يتدارس حال الشيخ أبي عبد الله الدقاق مع صاحبه أبي عبد الله محمد ابن قاسم التميمي الذي ألَّف كتاباً في مناقب الشيخ الدقاق سمّاه "المستفاد في ذكر الصالحين من العبَّاد بمدينة فاس وما يليها من البلاد"،[33] وكما هو الحال مع شيخه أبي مدين، فرغم أنه لم يلتق به في الواقع إلا أن الشيخ محي الدين ينقل الكثير من الأخبار عن الشيخ أبي عبد الله الدقاق حتى إننا نظنّ أنه من المحتمل أن يكونا قد اجتمعا بشكل ما في عالم المثال كما حصل بينه وبين شيخه أبي مدين. ويُروى عن الشيخ الدقاق أنه كان يقول: "أنا وليّ أخذ عنه الشيخ أبو مدين علم التصوف".[34]

وفي مراكش أيضاً التقى الشيخ محي الدين بأبي القاسم البجائي، الذي نقل إليه بعض أحاديث الشيخ أبي مدين أيضاً.[35]

وفي بجاية التقى الشيخ محي الدين مع الشيخ أبي إسحاق القرطبي وكان من أصحاب الشيخ أبي مدين وكان من الموحدين، كما ذكره في روح القدس.[36]

ومن بين أهمِّ الشيوخ من تلاميذ أبي مدين الذين صحبهم الشيخ الأكبر ابن العربي وعاشرهم لفترات طويلة، الشيخ عبد العزيز بن أبي بكر المهدوي (توفي 621/1224)، وكان الشيخ محي الدين يحبه كثيرا، وقد أهداه العديد من كتبه ورسائلها مثل رسالة روح القدس ورسالة الدرة الفاخرة، بالإضافة إلى الفتوحات المكية نفسها. ولقد زار ابن العربي الشيخ عبد الله المهدوي في تونس مرتين الأولى سنة 589 والثانية سنة 598 في طريقه إلى المشرق، وبقي معه شهوراً عديدة.

 

==================================

 

 

[1] وذلك قبل سنة 580/1184 بأعوام، ولكن لا نعرف ذلك على وجه التحديد. وللمزيد حول تاريخ دخول ابن العربي في طريق التصوُّف راجع: شمس المغرب ص79.

[2] الوفيات (معجم زمني للصحابة وأعلام المحدثين والفقهاء والمؤلفين من سنة 11-807 هجرية)، لأبي العباس أحمد بن حسن بن علي ابن الخطيب الشهير بابن قنفذ القسطيني، حققه وعلَّق عليه عادل نويهض، دار الآفاق الجدية-بيروت، 1983، ص283. وابن حرزهم هو أبو الحسن علي ابن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حرزهم، فقيه زاهد، من كبار رجال التصوف بالمغرب، من أهل فاس. جمع التادلي أخباره في "التشوف".

[3] الذهبي، "تاريخ الإسلام": حوادث وفيات 581-590 (ص398-399)، ولم يؤرخ له وفاة، بل ذكره تحت عنوان: ممن كان في هذا الوقت ولم تتصل بي وفاته.

[4] الطبقات الكبرى، عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، دار الفكر العربي-القاهرة، 1970، ص133.

[5] ابن قنفذ، "الوفيات": ص297.

[6] الأعلام (قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين-بيروت، 1990: ج3ص166.

[7] طبقات الأولياء، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد المصري، حققه وخرجه نور الدين شربيه، مكتبة الخانجي-مصر، 1973، ص437.

[8] الفتوحات المكية: ج4ص195.

[9] ابن العربي حياته ومذهبه، تأليف أسين ميغيل بلاثيوس، ترجمة عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات-الكويت، 1979، ص34-35.

[10] لقد ذكر ذلك الشيخ الأكبر كما سنرى بعد قليل، وربما يدل هذا الاسم على أن الشيخ أبي مدين كان من النجباء. والنجباء هم ثمانية في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم الذين تبدو منهم وعليهم أعلام القبول من أحوالهم ... وهم أهل علم الصفات الثمانية ... ومقامهم الكرسي لا يتعدوه ماداموا نجباء ... (الفتوحات المكية: ج2ص8).

[11] الفتوحات المكية: ج4ص498.

[12] الفتوحات المكية: ج1ص184، وانظر كذلك: ج1ص21.

[13] الفتوحات المكية: ج2ص683.

[14] الفتوحات المكية: ج2ص233.

[15] الفتوحات المكية: ج2ص505.

[16] الفتوحات المكية: ج1ص448.

[17] الفتوحات المكية، باب325.

[18] محاضرة الأبرار: ج2ص484.

[19] الفتوحات المكية: ج3ص396.

[20] الفتوحات المكية: ج1ص253.

[21] انظر في كتاب شمس المغرب: ص32.

[22] نفح الطيب: ج5ص241، وكذلك: ج5ص268.

[23] انظر كتاب: تجريد التحقيق حول الفقيه المقدم وسند الخرقة والطريق، تأليف السيد حسن بن أحمد بن محمد العيدروس باعلوي، حضرموت، كتاب، غير مطبوع، منشور على الانترنت (www.shiahdarm.net/books/el_fagih/fehrest.htm)، ص10.

[24] روح القدس، ص74.

[25] الفتوحات المكية: ج1ص638، ج2ص15.

[26] هذا الكتاب منشور من ضمن رسائل ابن العربي: طبعة حيدرآباد، الكتاب رقم 6.

[27] صدر الدين القونوي، "الإسفار عن رسالة الأنوار"، ص102.

[28] البحث عن الكبريت الأحمر: ص36.

[29] الفتوحات المكية: ج3ص341.

[30] الفتوحات المكية: ج4ص76.

[31] روح القدس: 78-79.

[32] للمزيد عن ترجمة الشيخ أبي عبد الله محمد التميمي انظر في: ابن الأبار، "التكملة لكتاب الصلة": ج1ص374-375. ابن عبد الملك المراكشي، "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة": ج8ص352.

[33] يذكر أحمد توفيق في مقدمة تحقيقه لكتاب "التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي"، تأليف ابن الزيات أبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي، (من منشورات كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط، الطبعة الأولى، 1984، ص15-18) أن كتاب "المستفاد" يعتبر مفقودا، ولكن هذا الكتاب النفيس قد صدر مؤخرا بتحقيق ودراسة الدكتور محمد الشريف عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان (المغرب)، سنة 2002. ويعتبر هذا الكتاب أصل مهم لمعلومات ترجمة بعض شيوخ فاس مما لا يوجد في أي مصدر سواه حيث قدّم مؤلفه مائتين وخمسة وسبعين خبرا عن الأولياء من أفراد عائلته وشيوخه.

[34] شعر أبي مدين التلمساني (الرؤيا و التشكيل)، أ. د. مختار حبار، دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002.

[35] الفتوحات المكية: ج4ص550.

[36] روح القدس: ص81.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا أَوَّلُ يَا آخِرُ: اكْتُبْني عِنْدَكَ فِي أَوَائِلِ السَّابِقِينَ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!