من مقدمة كتاب شمس المغرب - سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

 

من مقدمة كتاب شمس المغرب - سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى في سورة فاطر: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ... [28]﴾، وقال أيضاً في سورة الزمر: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [9]﴾. وذكر ابن القيّم في كتاب العلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَك الله بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الجَنّةِ، وَإِنّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالحِيَتَانُ في جَوفِ المَاءِ، وَإنّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ علَى سَائِرِ الكَواكِبِ، وَإِنّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَرّثوا العِلْمَ، فَمَنْ أخَذَهُ أخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ".[1]‏ وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيضاً في الحديث الذي صححه السيوطي: "خمسٌ من العبادة: قلّةُ الطعمِ، والقعودُ في المساجدِ، والنظرُ إلى الكعبةِ، والنظرُ إلى المُصحفِ، والنظرُ إلى وجه العالِمِ".[2]

 

فهذه محاولة متواضعة لرشّ بعض النور على جوانب حياة رجلٍ جليلٍ من علماء المسلمين كرّس حياته للعلم والمعرفة فوهبه الله منها الحظّ الوافر والقدْرَ العظيم، وقام هو بدوره ببثّ هذا العلم في كتبه العظيمة قالباً وقلباً، فأنار بها العالم كلّه شرقاً وغرباً.

  ونريد من خلال دراسة سيرة هذا العارف الجليل أن نستكشف بعض هذه العلوم والمعارف التي أهداها لنا الله على يديه والتي وقف عندها العلماء والفلاسفة حائرين حيناً ومعجَبين حيناً وعاجزين في أغلب الأحيان عن الخوض في بحارها واستخراج جواهرها ومكنوناتها.

لقد وَهب محمّدٌ ابن العربي حياته كلَّها لتحصيل العلم والمعرفة، ولكنه لم يسلك في ذلك طريق الفكر والنظر مثل عامة العلماء على جلال قدرهم، وإنما سلك طريق التقوى التي هي الشرط الوحيد حتى يتولى اللهُ سبحانه وتعالى عباده بالتعليم، كما قال عزّ وجلّ في سورة البقرة: ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [282]﴾، وقال أيضاً في سورة الأنفال: ﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ... [29]﴾، أي ما تفرّقون به بين الحقّ والباطل. فمَن حقّق شرط التقوى حصّل الغاية العظمى من المعرفة الإلهية التي هي النور الحق المبين.

وهذه المعرفة التي تحصل بالتقوى هي المعرفة الكشفية الذوقية الوهبية عن طريق أرواح الأنبياء والملائكة الكرام الذين ينهلون من بحر المعرفة الأبدية محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهي معرفة يقينيّة تُدرَك بالبصيرة ولا يُداخلها الشكّ، بخلاف بقية العلوم النظرية المبنيّة على الفِكر الذي يصيب حيناً ويخطئ في أغلب الأحيان، والفرق بينهما كالفرق بين من يذوق العسل ومن يقرأ عنه في الكتب أو يسمع عن وصفه ممّن ذاقه، فالأخير ربما يقارب الحقيقة بعد جهد وعناء وهو ليس فيها على يقين، وأما من ذاق فتحصل له المعرفة الضروريّة اليقينيّة بمجرّد الذوق وبلا جهد ولا تعب بل مع لذّة وهناء، ولكن بشرط سلامة المحل؛ فربما يذوق العسل من في فمه مرضٌ فيمجُّه ولا يستسيغ طعمه.

وبما أنّ المعرفة تحصل في النفس والقلب عن طريق الروح فإنه لا بدّ من تصفية القلب وتعديل المزاج وتزكية النفس حتى تكون محلاً مستقبلاً وقابلاً ثم جامعاً وواهباً لهذه المعرفة. ومن هنا جاء التصوّف الإسلامي الصحيح المستند على أُسس الشريعة الإسلامية لتصفية النفس من كدورتها وشهواتها الطينيّة، وتصفية القلب من تعلّقه بالدنيا وطاعته العمياء للنفس القويّة المتمرّدة، وتزكية الروح لإصلاح علاقتها بأصلها وجوهرها الذي هو الروح القدسي الإلهي، وتحليلها من قيودها التي حصلت لها لارتباطها بهذا الجسد الفاني. فإذا حصل ذلك كان الرجوع إلى الله تعالى، وهو التوبة الحقيقية، فيدخل القلب على الحضرة الإلهية عبداً محضاً خالياً من تعلّقاته بفنائه عن الدنيا وعن كلّ ما سوى الله تعالى وليس ثَم، ثم يخرج إلى العالم مكلّلاً ببهاء النور الإلهي محمّلاً بالمنح والعطايا، مليئاً بالإيمان العيانيّ اليقينيّ، فتصغر الدنيا في عينه ويزهد بها وبما يملك منها لأنّه يعلم يقيناً ومشاهدةً أنّ متاع الدنيا قليل ﴿وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ [198]﴾ [آل عمران].

وهذا الرجوع الحقيقي أو التوبة إلى الله سبحانه وتعالى ليست مجرّد لفظٍ وقول، بل هي فعلٌ جازمٌ مع استقامةٍ دائمة، وليس ذلك بالأمر اليسير الذي يمكن أن يحصّله كلُّ إنسان، بل يحتاج إلى هِمّة عالية وإرادة قويّة وضع الإسلام جميع الأسس الموصلة إليها مثل الصوم وجهاد النفس وغيرها، فالناس في ذلك على اختلافٍ كبيرٍ وطبقاتٍ عديدة؛ فمنهم من لا يُعير لذلك بالاً كأنّ الأمر لا يعنيه فيبقى منهمكاً في الدنيا وملذاتها، ومنهم من يدرك الهول فيسعى إلى الملاذ، وهنا تتفاوت الهِمم فيثبت الناصح وينكث الجامح، فمنهم من يدركُه التوفيقُ ومنهم من يخونُه الحظّ، ومنهم من ترفعُه العناية، ومنهم من يحطُّه القدَر، وكلُّ ذلك يتعلق بسلامة السريرة وحسن النيّة والإخلاص. ولا بدّ من مُعينٍ لأنّ الطريق طويل؛ فلا بدّ من الاستعانة بمن سلك الطريق من قبل وعرف مخاطره ومفاوزه وهو الشيخ المرشد الذي قد أُذن له بالإرشاد إلى طريق الله تعالى عن طريق شيوخه الذين يتّصلون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسلاسل الرجال الشيوخ عن طريق الصحابة المقرّبين رضوان الله عليهم أجمعين. وبما أنّ الطريق يتعلق كثيراً بسلوك القلب والروح فكثيراً ما يحصل الاتصال مع أرواح الملائكة والأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام سواءٌ في المنام أو في اليقظة فيوجّهون المُريد إلى الطريق السديد ويكونون له عوناً في الوقت الشديد.

ومع أنه قد التزم مع العديد من الشيوخ المرشدين في أول حياته وتربّى على أيديهم، إلا أنّ رجوع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه إلى الطريق القويم في بداية شبابه كان على يد عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو الذي تولاّه في جميع أموره، ثم بعد ذلك كان يتّصل رضي الله عنه بالأنبياء والرسل في المنام ومنهم رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم. فقد ترك لنا العديد من الكُتب التي كتبها من إلهام الله تعالى له عن طريق الأرواح العليا، كما ختم خزانة كتبه التي حوت المئات من الكتب الفريدة بكتاب فصوص الحكم الذي ناوله إياه نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم في رؤيا مبشرة رآه فيها في محروسة دمشق في العشر الأواخر من شهر محرم سنة 627 للهجرة، فأبرزه كما هو من غير زيادة ولا نقصان؛ ذلك الكتاب الذي ملأ ذكره الآفاق وله مئات الشروح كما أنه تُرجم إلى العديد من اللغات، رغم وجود بعض العبارات المبهمة التي لا يستطيع الوصول إلى مكنوناتها ومراميها إلا من كان له قلب رشيد أو ألقى السمع وهو شهيد.

فنحن نريد من خلال هذا الكتاب أن نتعرّف على حياة هذا العالِم الجليل الذي شهد له القريب والبعيد وملأت كلماته الأوراق وأضاءت علومه الآفاق:

 

أشرقت في صفحاتِ الكتبِ *** كلماتُ الشيخ ابن العربي
سافرَتْ أنوارها فوق المدى *** بالهدى فأسفرتْ كالشهُبِ
واستقرّتْ في القلوب علومُه *** وانطوى فيها ظلام الحجُبِ
واستوت كالشَّمس تبسط نوره *** بعد أن طلعتْ في المغربِ[3]

 

 

 

التشبيه بالشمس

إن حياة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه وسيرته تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ رحلة الشمس في السماء، حيث تطلع كلّ يوم من جهة الشرق ثم تتسلق مرتفعة نحو بطن السماء، ثم تهبط حتى تغيب وراء الجبال والتلال البعيدة لتختفيَ عن أعيُننا من أجل أن تفاجئَنا من جديد في صبيحة اليوم التالي. غير أنّ ابن العربي سلك طريقاً مختلفاً وغير عاديّ، حيث طلعت شمسه من المغرب، في بلاد الأندلس، ثم ارتحل، بعكس جهة الشمس، إلى المشرق حتى استقرّ الأمر به في الشام، وغابت شمسه هناك. ولقد تجلى ذلك في حياته وسلوكه، فكان أيضاً مختلفاً ومتميّزاً عن جميع أقرانه من علماء الفقه والحديث والتفسير والكلام والفلاسفة؛ حيث يمكن أن نقول غير مبالغين أنه جمع بين جميع هذه العلوم المتفرّقة ففاق بها أهلها المتخصصين بها. فمن يدرس كتبه ويطّلع على مكنوناتها يجد عنده إلى كلّ علم باب وعلى كل سؤال جواب. فنحن لا نبالغ أبداً وكذلك ابن العربي لا يفاخر حين يشبّه نفسه بالشمس؛ فهو حقّاً عالِمٌ جليلٌ، رغم أنّ الذين استطاعوا الغوص في بحار العلوم المبثوثة في كتبه لا يزالون قليل. يقول ابن العربي في ديوانه:

 

إذا شمسُ النفوس أرت ضُحاه *** تزايدت القلوب بما تلاه
تراها فيه حالاً بعد حالٍ *** ومجلاها الهلالُ إذا تلاه
وإنّي من حقيقتِه بسِرّي *** كمثلِ الشمس إذ تعطي سناه
فما أنا في الوجود سواهُ عين *** وما هم في الوجود بنا سواه
فتلك سماؤنا لمّا بناه *** وهذي أرضنا لمّا طحاه
مِن أَجلي كان ربّي في شؤون *** وقد بلغت فواكهُهم أناه
سنفرغ منكمُ جوداً إليكمْ *** لتعطي نفوسكم منها مُناه
ويلحمها بذات منه لمّ *** علمت بأنها كانت سداه
يعذّبنا النهار سدىً وويل *** وليلته يعذّبنا نداه
فغطّاها الظلامُ بسِرّ كوني *** وجلاّها النهار وما جلاها[4]

 

 

وهذا التشبيه أو الشبه بين ابن العربي والشمس ليس تشابهاً في الشكل والحركة، ولكنه تشابهٌ عميقٌ في المغزى والحقيقة، وهو ينسحب على الكثير من التفاصيل كما سنرى لاحقاً. في الحقيقة لقد بدأت رحلة ابن العربي، مثل الشمس، من المشرق، من الجزيرة، من منبع الإسلام، ومنبع الحضارات؛ غير أنه بدأ في الباطن - في عالم الذرّ - في ظهور أجداده من قبيلة طيءٍ التي اشتهرت، كالشمس، بالجود والسخاء والكرم. فانتقل الشيخ الأكبر محمد ابن العربي في ذراري آبائه من اليمن في جزيرة العرب إلى المغرب، إلى الأندلس، وكأنه كان على موعد هناك لكي يولد في جنة الله على الأرض؛ حتى تُرضعه الطبيعة أصفى لبنٍ وتوفد إليه أعذبَ نسيمٍ، وتهبه نفائس العلوم ودُرر المعارف، ليسري بها من جديد إلى مطلع الشمس في المشرق حتى تفيض مزيداً من النور وتهب مزيداً من العطاء.

فعلى عكس مسيرة الشمس، أشرقت شمس محي الدين من الغرب، ثم ارتحل مقتفيا الطريق نفسه الذي أتى منه حين كان ما يزال في عالم الذرّ، وكأنه يريد أن يكشف لنا في تلك الدورة المعكوسة سرّ المعرفة؛ ذلك السرّ الذي يمثّل أساس العلاقة بين الحق والخلق، بين الوجود والعدم، بين الروح والجسم، بين النهار والليل، وبين النور والظلمة؛ فالله هو الّذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾،[5] حيث يتبادل الباطن والظاهر الأدوار، فالكل يدور في أدوار، كما قال الله تعالى في سورة يس ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [40]﴾، فيَظهر الباطن ثم يعود الظاهر إلى الباطن، ويسافر الأول إلى الآخر ويعود الآخر إلى الأول، و﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾،[6] فـ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾،[7] أي هو نفسه سبحانه وتعالى يبدأ الخلق ثم يعيده، ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [34]﴾،[8] وهذا (أي بدء الخلق وإعادته وحركته الدورية)[9] هو أصل سرّ العلم الذي اختُصَّ به الشيخ الأكبر والذي أطلعنا على بعضه في كتبه وسكت عن أكثره إلا عن طريق الإشارة لفتح البريد أمام المريد:

 

خُصصتُ بعلم لم يُخصَّ بمثله *** سواي من الرحمن ذي العرش والكرسي
وأُشهدتُ من علم الغيوبِ عجائب *** تُصان عن التَّذكارِ في عالم الحسِّ
فيا عجباً أني أروح وأغتدي *** غريباً وحيداً في الوجود بلا جنسِ
لقد أنكر الأقوام قولي وشنّعو *** عليّ بعلمٍ لا ألوم به نفسي
فلا هُم مع الأحياء في نور ما أرى *** ولا هُم مع الأموات في ظلمة الرمسِ
فسبحان من أحيى الفؤاد بنوره *** وأفقدهم نورَ الهداية بالطمسِ
علومٌ لنا في عالم الكون قد سرت *** من المغرب الأقصى إلى مطلع الشمسِ
تحلّى بها من كان عقلا مجرّد *** عن الفكرِ والتخمينِ والوهمِ والحدسِ
وأصبحتُ في بيضاء مثلي نقيّة *** إماماً، وإن الناس منها لفي لبسِ[10]

 

فكانت رحلة ابن العربي بهذا الشكل الدوري المخالف لدورة الشمس، والمتميّز عن بقية الخلق، حتى يبيّن لنا هذه المعارف من الأسرار والآيات التي خفيت علينا مع أننا نعيش معها وفيها في كل يوم وفي كل حين.

وإذا لم يكن لابن العربي أي دور في اختيار مكان ولادته، فلا شكّ أنه اختار دمشق من بين بقية المدن، أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، والشام من بين بقية البلدان، مهبط عيسى عليه السلام قبل يوم القيام، حتى يستقرّ فيها ويغيب كما تغيب الشمس في كل يوم. فاختار الشيخ الشام بالتحديد لأنها "خِيرة (أو صَفوة) الله من أرضه وإليها يَجتبي خيرتَه من عباده (فإنّ الله قد تكفّل لي بالشام وأهله)".[11] ولكن كما أنّ الشمس لا تلبث أن تطلع من بعد أن تغيب، وتسبح في فلكها في السماء، ليلا ونهارا، فكذلك محي الدين، صاحب الوقت وقطب الزمان،[12] وخاتم دورة الولاية المحمدية، لا تزال شمسه ساطعة في الشرق وفي الغرب، وفي الجنوب وفي الشمال؛ فذكرُه وآثارُه عمّت الآفاق، وعلومه ومعارفه فاضت منها العقول، وأسراره لا تزال تتقلب فيها القلوب وتستريح فيها الأرواح. فكما أنه كان باطناً منذ القِدَم في علم الله أولا ثم في ظهور أجداده واحداً بعد الآخر، فلا يزال حيّاً في قلوب تلاميذه ومريديه، محبيه وعاشقيه، إن شاء الله إلى الأبد.

ولا أدري إن كنت بهذا الكتاب أول من يصف الشيخ الأكبر رضي الله عنه باسم "شمس المغرب"، والذي أعتقده أنّ هذا الاسم ينطبق عليه ويليق به اعتماداً على المؤشرات التي ذكرناها في هذه المقدمة، ولأنه كان حقّاً شخصيةً فريدةً تفوق الوصف وتكاد تكون فوق الخيال كطائر العنقاء[13] كما هو نفسه قد استخدم هذا الاسم لأحد كتبه البديعة (عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب) والذي سنأتي على ذكره داخل الكتاب إن شاء الله تعالى. وكما بيّن الباحث دنيس غريل في كتاب "ختم الأولياء" وكما ذكر الشيخ الأكبر نفسه أنه هو على الحقيقة ختم الولاية المحمدية، فهو المقصود إذاً بشمس المغرب، رغم أنّ هذا الاسم يشير أيضاً إلى المهدي عليه السلام كما سنرى في الفصل الرابع عند الحديث عن كتاب عنقاء مغرب.

ولقد ترددت قليلاً في اختيار اسم هذا الكتاب بين "شمس المغرب" و"رحلة العنقاء" مع أنّ الاسمين ربما يكونان متكافآن، ثم اخترت الاسم الأول حتى أؤكد أنّ هذه الشخصيات الفريدة التي يبدو لنا أنها لا تتكرر في تاريخ البشرية إنما هي على الحقيقة موجودة دائماً ولا يخلو منها الزمان ولكنها لا تكون دائماً ظاهرةً وواضحةً للعيان، وكثيراً ما تُنسى ولا تُعار أي اهتمام لأنها كالشمس تعطي نورها ودفئها للجميع ولا يشعر بوجودها المستمر إلا من يطلبها ويبحث عنها ويتابع سيرتها، فتارة تحتجب بالأرض وتارة يخسفها القمر وتارة تكون وراء الجبال أو خلف الغيوم، ولكنها كثيراً ما تتجلى في عرض السماء من غير أن يهتم بها أحد لأنها أصبحت معتادة. فكذلك هو حال طائر العنقاء، الذي هو اسم آخر للقطب، وكذلك رجال الله من الأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء وغيرهم من الأولياء، لا يعرفهم إلاّ القليل من الناس الذين ربما لا يعرفون عنهم إلا ما تتناقله الأجيال من أخبارههم، وهم على الحقيقة يعيشون بيننا وربما يستطيع أن يجدهم من يبذل جهده ويفني عمره في البحث عنهم ومعرفة أخبارهم. فلا يخلو الزمان أبداً من أمثال ابن العربي وممن هم أيضاً أعلى منه معرفة ومرتبة ولكنّ الفرق بينه وبينهم أنّه سطّر رضي الله عنه لنا بعض علومه رغم أنّه كان يطلب من الله تعالى أن لا يُظهره بين الناس ويبقيه مجهولا مثل صاحبه ابن جعدون الحناوي الذي كان ذا مرتبة رفيعة ولكنه كان بين الناس مجهولاً إذا حضر لا يوسَع له وإذا تكلّم لا يُؤبه به، كما سنذكره داخل الكتاب، ويقول الشيخ محي الدين أيضاً أنه قارن نفسه مرّة مع واحد من رجال الله كان عمره عشرة سنين[14] فما وجد نفسه معه إلاّ كدرهم زائف.

 

=======================

 

 

[1] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

[2] الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، الإمام جلال الدين بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية-بيروت، 1990، المجلد الثاني، باب حرف الخاء، ص7.

[3] من كلام المؤلف، وهو من بحر الرمل.

[4] الديوان: ص163.

[5] سورة الزمر: آية 5.

[6] سورة الحديد: آية 3.

[7] سورة يونس: آية 4.

[8] سورة يونس: آية 34.

[9] في الحقيقة فإنّ هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم لا تتحدّث فقط عن إعادة الخلق يوم القيامة كما يُفهم من ظاهرها لأوّل وهلة، بل الله سبحانه وتعالى يبدؤ الخلق ثم يعيده في كلّ آنٍ من الزمن حيث يخلق السموات والأرض في ستة أيام أي في ست جهات وهي جهات الفضاء ذي الأبعاد الثلاثة، فنحن نرى الخلق مستمرّا في الزمان وكأنّ الوجود يتجدّد عليه وهو ليس كذلك بل هو دائماً في خلق جديد وليس متجدد لأنه لا تكرار في الوجود ونحن في لبس من هذا كما قال الله تعالى في سورة ق (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [15]) وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال في سورة الكهف (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [51])، فلو شهدنا ذلك لرأينا كيف يخلق الله السموات والأرض ويخلقنا في ستة أيام ثم يستوي على العرش. وهذه العلوم القرآنية التي نطالعها في كتب الشيخ محي الدين تعتبر بحق أساسا لرؤية كونية بديعة لم يتعرّض لها العلماء والفلاسفة قبل ابن العربي ولا بعده، وقد ناقشناها باستفاضة في الأطروحة التي نقوم الآن بإعادة صياغتها باللغة العربية وستنشر قريبا إن شاء الله تعالى.

[10] الديوان: ص49.

[11] انظر كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال، للعلامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري، ضبطه وفسر غريبه بكري حياني، صححه ووضع فهارسه ومفتاحه صفوة السقا، مؤسسة الرسالة-بيروت، 1979-1986، رقم 35020، وكذلك ذكره ابن العربي في الوصايا وفي الفتوحات المكية وسنتكلم عن ذلك بالتفصيل في الفصل السادس إن شاء الله تعالى. انظر كذلك أحاديث مشابهة في كنز العمال: حديث رقم35012-35025: ج12ص273-276.

[12] في الحقيقة ليس ابن العربي قطباً ولكنّه من الأولياء الأفراد الخارجين عن دائرة القطب كما سنشرح معنى ذلك لاحقا. ولكن نقول هنا أنّ القطب هي بالأصل أحد الأفراد ومن مرتبتهم.

[13] العنقاء طير كانت العرب تزعم وجوده في غرائب أساطيرها فغدت حكايته مضرب مثل لكل من أتى بما لا يعرفه الناس.

[14] نقصد بالرجال هنا الذين تمكّنوا في طريق الله تعالى، فالرجولة هي الثبات والتمكين.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





رؤية الخلق وكل ما سوى الله بعين النقص في جناب الله لا يعوَّل عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!