الجزء الأول من الفتح المكِّي

الجزء الأوّل من الفتح المكِّيّ (غير مكتمل)

 

 

 

 نموذج من السفر الأول المتوقع صدوره قريبا

انظر هنا للمزيد من المعلومات

 

  

 

(خطبة الكتاب)

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، صلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد.

 

1.     (حقيقة الوجود)

 

الحمد لله الَّذي أوجد الأشياء عن عدمٍ[5] وعدمه،[6] وأوقفَ وُجودها على توجُّه كَلِمِه، لنتحقَّقَ بذلك سِرَّ حُدوثها وقِدمها من قِدمه، ونقفَ عند هذا التَّحقيق على ما أعْلَمَنا به من صِدْق قَدَمه؛[7] فظَهَرَ سُبحانه وظَهَّرَ وأَظْهَرَ،[8] وما بَطَنَ ولكنَّه بَطَّنَ وأَبْطَنَ،[9] وأثبتَ له الاسمَ الأوَّلَ وجودُ عينِ العبدِ (المُحدَثِ) وقد كان (الاسمُ الأوَّلُ قبل ذلك) ثبتَ، وأثبتَ له الاسمَ الآخِرَ تقديرُ الفناءِ والفقدِ (لعينِ العبدِ) وقد كان (الاسمُ الآخرُ) قبل ذلك ثبت (فأظهر وجودُ الخلق حقائقَ الأسماء والصفات الإلهية بالفعلِ الظاهرِ على ما كانت عليه بالحقيقة الباطنة، فالأمر بالنسبة لله تعالى سِيّان إذِ الحقيقة عنده ظاهرة أبداً، ولكن الحقيقة الباطنة لهذه الأسماء والصفات هي التي ظهرت للخلقِ بوجود عين العبد على ما كانت عليه بالباطن من قبل).

 فلولا العصرُ والمعاصِرُ (أي ترتيب ظهور الخلق على الزمان)، والجاهلُ والخابرُ (أي اختلاف الأحوال)، ما عرف أحدٌ معنى اسمِه الأوَّلِ والآخِرِ، ولا الباطِنِ والظَّاهرِ،[10] وإن كانت أسماؤه الحسنى على هذا الطريق الأسنى (ثابتة قبل وجود الخلق المتكثِّر، وهي تدُلُّ على وحدة الذات الإلهية)، ولكنَّ بينها تبايُنٌ في المنازِل، (لأنَّها تخصُّ الخلق بنسبةٍ ما فهي تتعدَّد بتعدُّدهم و)يتبيَّن ذلك (التباين) عندما تُتَّخذُ (هذه الأسماءُ) وسائلَ لحلول النوازل؛ فليس عبدُ الحليم هو عبدُ الكريم (مع أنَّ الحليم هو الكريم وهو الله تعالى)، وليس عبدُ الغفور هو عبدُ الشكور (مع أنَّ الغفور هو الشكور وهو الله تعالى)؛ فكلُّ عبدٍ له اسمٌ هو ربُّهُ، وهو جسمٌ ذلك الاسم قلبهُ.

 

فهو العليمُ سبحانه الَّذي عَلِم وعَلَّم، والحاكمُ الَّذي حَكَمَ وحَكَّمَ، والقاهرُ الَّذي قَهَرَ وأقْهَرَ، والقادِرُ الَّذي قدَّر (أي أعطى القدرة للعبد) وكسَّب (أي نسب الكسب للعبد مع أنّ القدرة حقيقة تعود لله تعالى) و(هو تعالى في ذلك) لم يَقْدِر (أي لَم يَبْخَل أو يُقْتِر)، (وهو) الباقي الَّذي لم تقُم به صفةُ البقاء (أي ليست هي شيءٌ زائد على ذاته تعالى)، والمقدَّسُ عند المشاهدة عن المواجهة والتِّلقاء؛ بل العبد في ذلك الموطِن الأنزه لاحِقٌ بالتنْزيه، لا أنَّه سبحانه وتعالى في ذلك المقام الأنزه يلحقُه التَّشبيه؛[11] فتزول من العبد في تلك الحضرة الجهاتُ، وينعدمُ عند قيامِ النَّظرة به منه الالتفاتُ.[12]

 

أحمدُه حمدَ من علِم أنّه سبحانه علا في صفاته وعلَّى، وجلَّ في ذاته وجلَّى، وأنَّ حجابَ العزَّة دون سُبُحاتِه[13] مُسدَلْ، وبابَ الوقوف على معرفة ذاته مُقفلْ؛ إن خاطب عبدَه فهو المُسمِعُ السَّميعُ، وإن (هُوَ) فَعل[14] ما أَمَرَ (هُوَ) بفعله فهُوَ المُطاع المُطيعُ؛[15] ولَمَّا حيَّرتني هذه الحقيقة (التي لا نرى معها فعلاً أو أثراً للعبدِ) أنشدت على حكم الطريقة (بالأسلوب الرَّمزي) للخليقة:

 

الرَّبُّ حقٌّ والعبدُ حقٌّ[16]
إن قُلتَ: "عبدٌ"، فذاك ميتٌ

 
  يا ليت شِعري مَن المكلَّفْ
وقلتَ: "ربٌّ"، أنَّى يُكلَّفْ

 

 

فهُوَ سبحانه يُطيع نفسَه إذا شاء بخلقه، ويُنصف نفسَه مما تعيَّن عليه من واجبِ حقِّه؛ فليس (العالَمُ) إلا أشباحٌ خاليةٌ على عروشها خاوية، وفي ترجيعِ الصَّدى (بكشف حقيقة الرَّمز) سِرُّ ما أشرنا إليه لمن اهتدى (إلى معنى الوحدة في الكثرة).[17]

 

وأشكُره (سُبحانه) شُكرَ من تحقَّق أنَّ بالتَّكليفِ ظهرَ الاسمُ "المعبود"، وبوجود حقيقة "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله" ظهرت حقيقةُ الجود، وإلا فإذا جُعلَتِ الجنَّة جزاءً لِما عمِلْتَ، فأين الجودُ الإلهيُّ الَّذي عقلْتَ! فأنت عن العِلْم بأنَّك لذاتك موهوب، وعن العلم بأصل نفسك، محجوب؛ فإذا كان ما تطلبُ به الجزاءَ ليس لك، فكيف ترى عملك! فاترك الأشياءَ وخالقها (أي لخالقها)،[18] والمرزوقاتِ ورازقها (أي لرازقها)، فهو سبحانه الواهبُ الَّذي لا يَملُّ (من الوهبِ والعطاءِ)، والمَلِكُ الَّذي عزَّ سلطانُه وجلَّ (في الأرض وفي السماءِ)، اللَّطيفُ بعباده الخبيرُ، الَّذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [42-الشورى: 11].

 

2.     (الحقيقة المحمَّدية)

 

والصَّلاةُ على سِرِّ العالَم ونُكتته (أي نقطة مركزه)، ومطلبِ العالَم[19] وبُغيته، السيِّدِ الصَّادقِ المُدلَجِ[20] إلى ربِّه الطَّارقِ، المخترَقِ به السَّبع الطرائق، ليريه من أسرى به ما أَودَع من الآيات والحقائق، فيما أَبدَع من الخلائق، الَّذي شاهدْتُه عند إنشائي هذه الخطبةَ في عالَم حقائق المثال (أي الخيال)، في حضرة الجلالِ، مكاشفةً قلبيّةً في حضرةٍ غيبيّة. ولَمَّا شهِدتُه صلَّى الله عليه وسلَّم سيِّداً، معصومَ المقاصدِ محفوظَ المَشاهد، مَنصوراً مُؤيَّداً، وجميعُ الرُّسُل بين يديه مصطفُّون، وأمَّتُه -الَّتي هي خيرُ أُمّةٍ- عليه مُلتفُّون، وملائكةُ التَّسخير من حول عرش مقامه حافُّون، والملائكة المولَّدة من الأعمال بين يديه صافُّون،[21] و(أبو بكرٍ) الصِّدِّيق على يمينه الأنفس، و(عُمَرُ) الفاروق على يساره الأقدس، والختم[22] بين يديه قد جثى يُخبره بحديث الأنثى،[23] وعَليٌّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُترجم عن الختم بلسانه، وذو النُّورين (عُثمَانُ رضي الله عنه) مشتملٌ برداء حيائه[24] مقبلٌ على شأنه (في خدمة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)؛ فالتفتَ السيِّدُ الأعلى، والموردُ العذبُ الأحلى، والنُّورُ الأكشفُ الأجلى، فرآني وراءَ الختمِ لاشتراكٍ بيني وبينَه في الحُكم.[25] فقال له السَّيِّدُ هذا عديلُك وابنُك وخليلُك، انصِب له منبر الطَّرْفاء[26] بين يديَّ، ثمَّ أشارَ إليَّ، أن قُمْ يا محمَّدُ[27] عليه فأثنِ على من أرسلني وعليَّ، فإنَّ فيك شعرةً مني (وهي النَّفس النَّاطقة)،[28] لا صبر لها عني، هي السُّلطانة في ذاتيَّتك، فلا ترجعُ (هذه الشعرة) إليَّ إلاَّ بكلِّيَّتك، ولا بدَّ لها من الرُّجوع إلى اللِّقاء، فإنها ليست من عالم الشَّقاء، فما كان مني بعد بعثي شيءٌ في شيءٍ إلا سعِد، وكان ممَّن شُكر في الملأ الأعلى وحُمد.

 

3.     (خطابه لهذا الجمع الروحاني)

 

فنَصبَ الختمُ المِنبرَ، في ذلك المشهدِ الأخطرِ، وعلى جبهةِ المِنبرِ مكتوبٌ بالنُّورِ الأزهرِ: "هذا هو المقام المحمّديُّ الأطهرُ، من رقى فيه فقد ورثه، وأرسله الحقُّ حافظاً لحرمة الشَّريعة وبعثه." ووُهبتُ في ذلك الوقتِ مواهبَ الحِكَم، حتى كأني أوتيتُ جوامعَ الكَلِم.[29] فشكرتُ الله عزَّ وجلَّ وصعدتُ أعلاه، وحصلتُ في موضع وقوفِه صلّى الله عليه وسلَّم ومستواه. وبُسط لي على الدَّرَجَة الَّتي أنا فيها[30] كُمُّ قميصٍ أبيضٍ فوقفت عليه، حتى لا أباشر الموضعَ الَّذي باشره صلَّى الله عليه وسلَّم بقدميه، تنْزيهاً له وتشْريفا، وتنبيهاً لنا وتعريفا، أنَّ المقامَ الَّذي شاهده من ربِّه لا يُشاهدُه الورثةُ إلا من وراء ثوبه. ولولا ذلك لكشفنا ما كشَفَ، وعرفنا ما عرَفَ؛ ألا ترى مَن تقفو أثره لتعلمَ خبره، لا تُشاهد مِن طريق سلوكه ما شَهِد منه، ولا تَعرفُ كيف تُخبرُ بسلْبِ الأوصاف عنه؛ فإنّه شاهَدَ مثلاً تراباً مستوياً لا صفةَ له فمشى عليه، وأنت على أثرهِ لا تُشاهدُ إلا أثرَ قدميه. وهنا سِرٌّ خفيٌّ إن بحثتَ عليه وصلتَ إليه،[31] وهو من أجلِ أنّه إمامٌ، وقد حصل له الأمامُ، لا يشاهِدُ أثراً ولا يعرفه، فقد كشفتَ (أنتَ) ما لا يكشفه (هو)! وهذا المقام قد ظهر في إنكار موسى صلّى الله على سيِّدنا وعليه وعلى الخضر (كما وردت قصَّتهما في سورة الكهف [60-82]).

 

فلما وقفتُ ذلك الموقف الأسنى بين يدي من كان من ربِّه في ليلةِ إسرائه قاب قوسين أو أدنى، قُمت مُقنِعاً خجِلاً، ثمَّ أُيِّدتُ بروحِ القُدُسِ، فافتتحتُ مرتجلا:

 

يَا مُنْزِلَ الآيَاتِ وَالأَنْبَاءِ
حَتَّى أَكُونَ لِحَمْدِ ذَاتِكَ جَامِعاً

 
  أَنْزِلْ عَلَيَّ مَعَالِمَ الأَسْمَاءِ
بِمَحَامِدِ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ

 

 

ثم أشرتُ إليه صلّى الله عليه وسلم (وقلتُ)

 

وَيَكُونَ هذَا السَّيِّدُ العَلَمُ الَّذي
وَجَعَلْتَهُ الأَصْلَ الكَرِيمَ وَآدَمٌ
وَنَقَلْتَهُ حَتَّى اسْتَدَارَ زَمَانُهُ[32]
وَأَقَمْتَهُ عَبْداً ذَلِيلاً خَاضِعاً
حَتَّى أَتَاهُ مُبَشِّراً مِنْ عِنْدِكُمْ
قَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَنْتَ مُحَمَّدٌ
يَا سَيِّدِي حَقّاً أَقُولُ، فَقَالَ لِي:
فَاحْمَدْ وَزِدْ في حَمْدِ رَبِّكَ جَاهِداً
وَانْثُرْ لَنَا مِنْ شَأْنِ رَبِّكَ مَا انْجَلَى
مِنْ كُلِّ حَقٍّ قَائِم بِحَقِيقَةٍ

 
  جَرَّدْتَهُ مِنْ دَوْرَةِ الخُلَفَاءِ[33]
مَا بَيْنَ طِينَةِ خَلْقِهِ وَالمَاءِ[34]
وَعَطَفْتَ آخِرَهُ عَلَى الإِبْدَاءِ
دَهْراً يُنَاجِيكُمْ بِغَارِ حِرَاءِ
جِبْرِيلُ اَلمَخْصُوصُ بِالأَنْبَاءِ
سِرُّ العِبَادِ وَخَاتَمُ النُبَّاءِ
صِدْقاً نَطَقْتَ، فَأَنْتَ ظِلُّ رِدَائِي
فَلَقَدْ وُهِبْتَ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ
لِفُؤَادِكَ المَحْفُوظِ في الظَّلْمَاءِ
يَأْتِيكَ مَمْلُوكاً بِغَيْرِ شِرَاءِ

 

 

ثم شَرَعتُ في الكلام، بلسان العلاّم، فقلتُ، وأشرت إليه صلَّى الله عليه وسلَّم: حمدتُ من أنزلَ عليك الكتابَ المكنونَ، الَّذي لا يمسُّه إلا المطهَّرون، المُنْزَلَ بحسن شِيَمك، وتنْزيهِك عن الآفاتِ وتقديسِك، فقال في سورة القلم [68]: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [1] مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [2] وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [3] وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [4] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [5]﴾، ثمَّ غَمَسَ قَلَمَ الإرادةِ في مِدادِ العِلم، وخَطّ بيمينِ القُدرة في اللَّوح المحفوظ المصون، كلَّ ما كان (وهو الماضي) وما هو كائنٌ (وهو الحاضر) وسيكون (وهو المستقبل)، وما لا يكون (وهو المعدوم، ولكن أخصُّ منه) ممَّا لو شاء -وهو لا يشاء- أن يكونَ لكان كيف يكون (أي الممكن الَّذي يوجد في الذِّهن، وأستثني منه العدمَ المحضَ الَّذي لا يمكن وجوده أصلاً)،[35] (فخطَّ القلم ذلك كلَّه في اللوح المحفوظ) من قَدْرهِ المعلومِ الموزون، وعِلمهِ الكريمِ المخزون؛ فسبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، ذلك الله الواحدُ الأحدُ؛ فتعالى عمّا أشرك به المشركون.

 

4.     (بداية الخلق الروحاني)

 

فكان أوّلُ اسمٍ كتبه ذلك القلمُ الأسمى، دون غيره من الأسماء: إني أريد أن أخلق، من أجلك يا محمّدُ، العالَم الَّذي هو ملكُك، فأخلقَ جوهرةَ الماْ؛[36] فخلقتُها دون حجاب العِزَّة الأحمى، وأنا على ما كنتُ عليه ولا شيء معي في عماْ.[37] فخلَقَ الماءَ سبحانه بَرَدَةً جامدةً كالجوهرة في الاستدارة والبياض، وأودع فيها بالقوّة ذواتَ الأجسام وذواتَ الأعراض (قبل وجودها بالفعل). ثمَّ خلقَ العرش واستوى عليه اسمُه الرَّحمان، ونصب الكرسيَّ وتدلَّت إليه القَدَمَان.[38] فنظرَ بعينِ الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياءً، وتحلّلت أجزاؤها فسالَت ماءً. وكان عرشُه على ذلك الماء، قبل وجود الأرض والسماء. وليس في الوجود إذ ذاك إلا حقائقُ المستَوى عليه والمستوِي والاستواء. فأرسل (الرَّحمنُ) النَّفَسَ فتموَّجَ الماءُ من زعزعه وأزبد، وصوَّت بحمد الحمدِ المحمودِ الحقِّ[39] عندما ضرَبَ ساحلَ العرشِ فاهتزَّ السّاقُ وقال له: أنا أحمد! فخجل الماءُ ورجع القهقرى يريد ثبَجَه (أي وسط البحر)، وترك زبَدَه بالسَّاحل الَّذي أنتجه. فهو (أي هذا الزبد) مُخضة ذلك الماء، الحاوي على أكثر الأشياء. فأنشأ سبحانه من ذلك الزَّبد الأرضَ مستديرةَ النشءِ مدحيَّةَ الطولِ والعرض. ثمَّ أنشأ الدُّخانَ من نار احتكاك الأرض عند فتقها،[40] ففتق فيه السَّمواتِ العلى، وجعله محلَّ الأنوار ومنازل الملأ الأعلى. وقابَل بنجومها المزيِّنةِ لها النَّيِّراتِ، ما زيَّن به الأرضَ من أزهارِ النَّباتِ. وتفرَّد تعالى لآدم وولدَيْه، بذاته -جلَّت عن التَّشبيه- ويدَيْه.[41] فأقامَ نشأةً جسديّةً وسوّاها تسويتين: تسويةَ انقضاءِ أمَدِه (وهي الجسم)، وقبولِ أبَدِه (وهو الرُّوح). وجعل مسكن هذه النشأةِ نقطةَ كرة الوجود وأخفى عينها (وهو الإنسان الكامل في العالَم، أو النَّفس الناطقة في الإنسان)، ثمَّ نبَّه عبادَهُ عليها بقوله تعالى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [13-الرعد: 2] (أي أنتم ترونها بغير عمد). فإذا انتقل الإنسان إلى برزخ الدَّار الحيوان، مارَت قُبَّةُ السَّماء وانشقَّتْ، فكانت شُعلةَ نارٍ سيّالٍ كالدِّهان. فمَن فَهِمَ حَقَائِق الإضَافَاتِ، عَرَفَ ما ذكرنا له من الإشارات. فيعلمَ قطعاً أنّ قُبَّةً لا تقوم من غير عمَدٍ، كما لا يكون والدٌ من غير أن يكون له ولد. فالعمَدُ هو المعنى الماسِك، فإنْ لَم تُرِد أن يكون (العمدُ) الإِنْسَانَ فاجعله قُدْرَةَ المالِك. فتبيَّن أنَّه لا بدَّ من ماسِكٍ يَمسِكُها، وهي مَمْلكةٌ فلا بُدَّ لها من مالِكٍ يَمْلكها؛ ومن مُسكتْ من أجله فهو ماسكُها، ومن وُجدت له فهو مالكُها.[42]

 

5.     (التفرقة بين السُّعداء والأشقياء)

 

ولَمّا أبصرَتْ حقائقُ السُّعداء والأشقياء عند قبض القدرة عليها بين العدم والوجود، وهي حالة الإنشاء،[43] حُسْنَ النِّهاية بعين الموافقة والهداية (للسعداء)، وسوءَ الغاية بعين المخالَفة والغواية (للأشقياء)، سارعَتِ السَّعيدةُ إلى الوجود وظهر من الشقيَّة التَّثبُّطُ والإباية. ولهذا أخبر الحقُّ عن حالة السُّعداء فقال ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [23-المؤمنون: 61]؛ يشير إلى تلك السُّرعة، وقال في الأشقياء ﴿فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [9-التوبة: 46]؛ يشير إلى تلك الرَّجعة، فلولا هُبُوبُ تلك النَّفحاتُ على الأجساد ما ظهر في هذا العالَم سالكُ غِيٍّ ولا رَشاد. ولتلك السُّرعة والتَّثبُّط أخبرْتَنَا صلّى الله عليكَ أنّ رحمة الله سبقتْ غضبَه، هكذا نسبَ الراوي إليك.[44]

 

6.     (المملكة الروحانية)

 

ثم أنشأ سبحانه الحقائق على عدد أسماء حقِّه، وأظهر ملائكة التَّسخير على عدد خلْقه، فجعلَ لكلِّ حقيقةٍ اسماً من أسمائه تَعبُدُه وتَعلَمُه، وجعلَ لكلِّ سرِّ حقيقةٍ ملكاً يخدمه ويلزمه. فمِن الحقائق من حَجَبَتْه رؤيةُ نفسه عن اسمه، فخرج عن تكليفه وحُكمه، فكان له من الجاحدين، ومنهم من ثبَّت الله أقدامه، واتَّخذ اسمَه إمامَه، وحقَّق بينه وبينه العلامَة، وجعله أمامه، فكان له من الساجدين.

 

ثم استخرج (الله تعالى) من الأبِ الأوّل (وهو العقلُ الأوَّل أو الرُّوح الكلِّي أي النور النبوي، نور سيِّدنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلَّم) أنوارَ الأقطاب شموساً تسْبَح في أفلاك المقامات، واستخرج أنوارَ النُّجَباء نجوماً تسْبَح في أفلاكِ الكرامات، وثبَّت الأوتادَ الأربعة للأربعة الأركان، فانحفظ بهمُ الثقلان، فأزالوا ميد الأرض وحركتها فسكنت[45] فازينّت بحُلِيِّ أزهارها وحِلَلِ نباتها وأخرجت بركَتَها. فتنعَّمتْ أبصارُ الخلق بمنظرها البهيّ، ومشامّهم بريحها العطريّ، وأحناكهم بمطعومها الشهيّ. ثمَّ أرسلَ الأبدالَ السَّبعةَ إرسالَ حكيمٍ عليمٍ، مُلوكاً على السَّبعةِ الأقاليم؛ لكلِّ بَدَلٍ إقليم. ووزَّر للقُطبِ الإمامين وجعلهما أمينين على الزِّمامين.[46]

 

7.     (حدوث العالم)

 

فلمَّا أنشأ (الله تعالى هذا) العالَم على غاية الإتقان ولم يبقَ أبدعَ منه -كما قال أبو حامد- في الإمكان،[47] وأبرزَ جسَدَكَ صلّى الله عليكَ للعيان، أخبر عنك الرَّاوي أنَّك قلتَ يوماً في مجلسك: إِنَّ اللهَ كَانَ وَلا شَيْءَ مَعَهُ، بَلْ هُوَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ.[48] وهكذا هي صلَّى الله عليك حقائق الأكوان. فما زادت هذه الحقيقة (أي كون الله تعالى كان ولا شيء معه) على جميع الحقائق إلا بكونها سابقةً وهنَّ لواحِق. إذ مَن ليس مع شيءٍ فليس معه شيءٌ، ولو خرجتْ الحقائق على غير ما كانت عليه في العِلم لانْمازت عن الحقيقة المُنَزَّهة بهذا الحُكم؛ فالحقائق الآن في الحكم على ما كانت عليه في العلم، فلنقل: كانت ولا شيء معها في وجودها وهى الآن على ما كانت عليه في علمِ معبودها. فقد شمل هذا الخبر الَّذي أُطلق على الحقِّ جميعَ الخلْقِ. ولا تعترض (أيُّها القارئ) بتعدّد الأسباب والمسبَّبات، فإنها ترد عليك بوجود الأسماءِ والصِّفات، وإنَّ المعاني الَّتي تدلُّ عليها مختلفات. فلولا ما بين البداية والنِّهاية سببٌ رابط، وكسبٌ صحيحٌ ضابط، ما عُرِف كلُّ واحدٍ منهما بالآخَر، ولا قيل على حُكم الأوَّل يَثبُت الآخِر. وليس إلا الربُّ والعبدُ وكفى، وفى هذا غُنيةٌ لمن أراد معرفة نفسه في الوجود وشِفا. ألا ترى أنّ الخاتمة عين السَّابقة، وهى كلمةٌ واجبةٌ صادقة. فما للإنسان يتجاهل ويعمى، ويمشي في دُجنّةٍ ظلماءَ حيث لا ظلَّ ولا ماء!

 

8.     (أصل الوجود الطبيعي)

 

وإنَّ أحقَّ ما سُمع من النَّبأ، وأتى به هُدهُد الفهم من سبأ: [49] وُجودُ الفَلَكِ المحيط، الموجودِ في العالَم المركَّبِ والبسيطِ، المسمَّى بالهباءِ، وأشبهُ شيءٍ به الماءُ والهواء، وإن كانا من جملةِ صوره المفتوحة فيه. ولَمّا كان هذا الفلَكُ أصلَ الوجود، وتجلَّى له اسمُهُ النُّور من حضرة الجود، كان الظهورُ، وقَبِلَتْ صورَتُك صلَّى الله عليكَ من ذلك الفلَكِ أوَّل فيضِ ذلك النُّور، فظهرتْ صورةً مِثليةً: مَشَاهِدُها عينيَّة، ومشارِبُها غيبيَّة، وجنَّتُها عدنيَّة، ومعارفُها قَلَمِيَّة، وعلومُها يمينيَّة، وأسرارُها مِداديَّة، وأرواحها لوحِيَّة، وطينتها آدميَّة. فأنت أبٌ لنا في الرُّوحانيَّة[50] كما كان -وأشرتُ إلى آدم صلّى الله عليه في ذلك الجمع- أباً لنا في الجِسميَّة، والعناصر له أمٌّ ووالدٌ، كما كانت حقيقةُ الهباءِ في الأصل مع الواحدِ (سبحانه وتعالى).[51] فلا يكون أمرٌ إلا عن أمرين، ولا نتيجةٌ إلا عن مقدِّمتين؛ أليسَ وُجودُكَ (وهو النتيجة) عن الحقِّ سبحانه وكونِه قادِراً موقوفا (وهما المقدِّمتان)، وإِحكامُك عليه من كونه عالِماً موصوفاً، واختصاصُك بأمرٍ دون غيره -مع جوازه عليك- عليه من كونه مُريداً معروفاً! فلا يصحُّ وُجودُ المعدوم عن وحيدِ العين، فإنَّه من أين يُعقل الأين! فلا بدَّ أن تكون ذاتُ الشَّيءِ أيناً لأمرٍ مّا لا يعرفه مَن أصبح عن الكشف على الحقائق أعمى، وفي معرفة الصِّفة والموصوفِ تتبيَّن حقيقة "الأين" المعروف.[52] وإلا فكيف تَسألُ صلّى الله عليك بـ"أين" وتقبل مِن المسؤول فاءَ الظَّرْفِ، ثمَّ تشهد له بالإيمان الصَّرْفِ. وشهادتُك حقيقةٌ لا مجاز، ووجوبٌ لا جواز؛ فلولا معرفتك صلّى الله عليك بحقيقةٍ مّا ما قبلتَ قولها -مع كونِها خرساء-[53] "في السما".[54]

 

9.     (خلق الإنس)

 

ثُمَّ بعد أن أوجد (الله تعالى) العوالِمَ اللَّطيفةَ والكثيفةَ، ومهّدَ المملكةَ وهيّأ المرتبةَ الشَّريفة، أنزل في أوَّلِ دورةِ العذراء[55] الخليفة (أي الإنسان أو آدم عليه السَّلام). ولذلك جعل سبحانه مدّتها (أي مدّة دورة فلك برج العذراء) في الدُّنيا سبع آلاف سنة، وتحلُّ بِنا في آخرها حالُ فناءٍ بين نومٍ وسِنة. فننتقل إلى البرزخ الجامع للطَّرائق، وتغلِبُ فيه الحقائق الطيَّارة (لإمكانيّة التَّحوُّل في الصُّور) على جميع الحقائق، فترجعُ الدَّولة للأرواح، وخليفتها في ذلك الوقت طائرٌ له سِتُّمائة جناح، وترى الأشباحَ في حكم التَّبَعِ للأرواح فيتحوَّل الإنسانُ في أيِّ صورةٍ شاء، لحقيقةٍ صحّت له عند البعث من القبور في الإنشاء، وذلك موقوف على سوقِ الجنّة،[56] سوقِ اللَّطائف والمنَّة.

 

10. (اختتام خطابه للجمع الروحاني)

 

فانظروا رحمكم الله -وأشرْتُ إلى آدم- في الزمرّدة البيضاء، قد أودعها الرحمن في أوّل الآباء. وانظروا إلى النُّور المبين، وأشرت إلى الأب الثاني (سيّدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم) الَّذي سمَّانا مسلمين،[57] وانظروا إلى اللُّجَين[58] الأخلَص، وأشرت إلى (عيسى عليه السلام) من أبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله كما جاء به النصّ،[59] وانظروا إلى جمال حمرة ياقوتة النفس، وأشرت إلى (يوسف عليه السلام) من بِيع بثمنٍ بخس،[60] وانظروا إلى حمرة الإبريز،[61] وأشرت إلى (داود عليه السلام) الخليفة العزيز،[62] وانظروا إلى نور الياقوتة الصَّفراء في الظَّلام، وأشرت إلى (موسى صلى الله عليه وسلم) من فُضّل بالكلام.[63] فمن سَعى إلى هذه الأنوار حتى وصل إلى ما يكشفه لك طريقها من الأسرار فقد عَرفَ المرتبة الَّتي لها وُجد، وصحَّ له المقام الإِلِّيُّ[64] وله سجد، فهو الربُّ والمربوبُ، والمحبُّ والمحبوبُ:

 

انْظُرْ إِلى بَدْءِ الوُجُودِ وَكُنْ بِهِ
وَالشَّيْءُ مِثْلُ الشَّيْءِ إِلاَّ أَنَّهُ
إِنْ أَقْسَمَ الرَّائِي بِأَنَّ وُجُودَهُ
وأَقْسَمَ الرَّائِي بِأَنَّ وُجُودَهُ

 
  فَطِناً تَرَ الجُودَ القَدِيمَ المُحْدَثَا
أَبْدَاهُ في عَيْنِ العَوَالِمِ مُحْدَثَا
أَزَلاً فَبَرٌّ صَادِقٌ لَنْ يَحْنَثَا
عَنْ فَقْدِهِ أَحْرَى وَكَانَ مُثَلَّثَا

 
 
 
 

 

ثُمَّ أظهرْتُ أسراراً وقصَصْتُ أخباراً لا يسعُ الوقت إيرادها، ولا يَعرفُ أكثرُ الخلقِ إيجادَها، فتركتُها موقوفة على رأس مهيعها،[65] خوفاً من وضع الحكمة في غير موضعها.

 

ثُمَّ رُدِدْتُ من ذلك المشهد النوميِّ العليّ، إلى العالَم السُّفليّ، فجَعلْتُ ذلك الحمد المقدَّس خطبةَ الكتاب، وأخذت في تتميم صدرِه ثمَّ أُشرع بعد ذلك في الكلام على ترتيب الأبواب، والحمد لله الغنيُّ الوهَّاب.

 

11. (رسالة إلى صاحبه الشيخ عبد العزيز المهدوي)

 

هذه رسالة[66] كتبت بها أمَّا بعد فإنَّه:

 

لَمَّا انْتَهَى لِلْكَعْبَةِ الحَسْنَاءِ
وَسَعَى وَطَافَ وَثُمَّ عِنْدَ مَقَامِهَا
مَنْ قَالَ هذا الفِعْلُ فَرْضٌ وَاجِبٌ
وَرَأَى بِهَا المَلأَ الكَرِيمَ وَآدَماً
وَلآدَمٍ وَلَداً تَقِيّاً طَائِعاً
وَالكُلُّ بِالبَيْتِ المُكَرَّمِ طَائِفٌ
يُرْخِي ذَلاذِلَ بُرْدِهِ لِيُرِيكَ في
وَأَبِي عَلَى المَلإ الكَرِيمِ مُقَدَّمٌ
وَالعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ مُطْرِقٌ
يُبْدِي المَعَالِمَ وَالمَنَاسِكَ خِدْمَةً
فَعَجِبْتُ مِنْهُمْ كَيْفَ قَالَ جَمِيعُهُمْ
إِذْ كَانَ يَحْجِبُهُمْ بِظُلْمَةِ طِينِهِ
وَبَدَا بِنُورٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ
إِنْ كَانَ وَالِدُنَا مَحَلاًّ جَامِعاً
وَرَأَى المُوَيْهَةَ وَالنُّوَيْرَةَ[67] جَاءَتَا
فَبِنَفْسِ مَا قَامَتْ بِهِ أَضْدَادُهُ
وَأَتَى يَقُولُ أَنَا المُسبِّحُ وَالَّذَي
وَأَنَا المُقَدِّسُ ذَاتَ نُورِ جَلاَلِكُمْ
لَمَّا رَأَوْا جِهَةَ الشِّمَالِ وَلَمْ يَرَوْا
وَرَأَوْا نُفُوسَهُمُ عَبِيداً خُشَّعاً
لِحَقِيقَةٍ جَمَعَتْ لَهُ أَسْمَاءَ مَنْ
وَرَأَوْا مُنَازِعَهُ اللَّعِينَ بِجُنْدِهِ
وَبِذَاتِ وَالِدِنَا مُنَافِقُ ذَاتِهِ
عَلِمُوا بِأَنَّ الحَرْبَ حَتْماً وَاقِعٌ
فَلِذَاكَ مَا نَطَقُوا بِمَا نَطَقُوا بِهِ
فُطِرُوا عَلَى الخَيْرِ الأَعَمِّ جِبِلَّةً
وَمَتَى رَأَيْتَ أَبِي وَهُمْ فِي مَجْلِسٍ
وَأَعَادَ قَوْلَهُمُ عَلَيْهِمْ رَبُّنَا[68]
فَحَرَابَةُ[69] المَلإِ الكَرِيمِ عُقُوبَةٌ
أَوَمَا تَرَى فِي يَوْمِ بَدْرٍ حَرْبَهُمْ
بَعَرِيشِهِ مُتَمَلِّقاً مُتَضَرِّعاً
لَمَّا رَأَى هذِي الحَقَائِقَ كُلِّهَا
نَادَى فَأَسْمَعَ كُلَّ طَالِبِ حِكْمَةٍ
طَيَّ الَّذِي يَرْجُو لِقَاءَ مُرَادِهِ
يَا رَاحِلاً يَقْصُ المَهَامِهَ قَاصِداً
قُلْ لِلَّذِي تَلْقَاهُ مِنْ شُجَرَائِي
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ خَاسِرٌ فِي حَيْرَةٍ
إِنَّ الَّذِي مَا زِلْتُ أَطْلُبُ شَخْصَهُ[70]
البَلْدَةِ الزَّهْرَاءِ بَلْدَةِ تُونِسٍ
بِمَحِلِّهِ الأَسْنَى المُقَدَّسِ تُرْبُهُ[71]
فِي عُصْبَةٍ مُخْتَصَّةٍ مُخْتَارَةٍ
يَمْشِي بِهِمْ فِي نُورِ عِلْمِ هِدَايَةٍ
وَالذِّكْرُ يُتْلَى وَالمَعَارِفُ تَنْجَلِي
بَدْراً لأَرْبَعَةٍ وَعَشْرٍ لاَ يُرَى
وَابْنُ المُرَابِطِ[72] فِيهِ وَاحِدُ شَأْنِهِ
وَبَنُوهُ[73] قَدْ حَفُّوا بِعَرْشِ مَكَانِهِ
فَكَأَنَّهُ وَكَأَنَّهُمْ فِي مَجْلِسٍ
وَإِذَا أَتَاكَ بِحِكْمَةٍ عُلْوِيَّةٍ
فَلَزِمْتُهُ حَتَّى إِذَا حَلَّتْ بِهِ
حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ عَاشِقُ نَفْسِهِ
مِنْ عُصْبَةِ النُّظَّارِ وَالفُقَهَاءِ
وَافَى وَعِنْدِي لِلْتَنَفُّلِ نِيَّةٌ
فَتَرَكْتُهُ وَرَحَلْتُ عَنْهُ وَعِنْدَهُ
وَبَدَا يُخَاطِبُنِي بِأَنَّكَ خُنْتَنِي
وَأَخَذْتَ تَائِبَنَا الَّذِي قَامَتْ بِهِ
وَاللهُ يَعْلَمُ نِيَّتِي وَطَوِيَّتِي
فَأَنَا عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ مُلازِمٌ
وَمَتى وَقَعْتُ عَلَى مُفَتِّشِ حِكْمَةٍ
مُتَحَيِّرٍ مُتَشَوِّفٍ قُلْنَا لَهُ
أَسْرِعْ فَقَدْ ظَفَرَتْ يَدَاكَ بِجَامِعٍ
نَظَرَ الوُجُودَ فَكَانَ تَحْتَ نِعَالِهِ
مَا فَوْقَهُ مِنْ غَايَةٍ يَعْنُو لَهَا
لَبِسَ الرِّدَاءَ تَنَزُّهاً وَإِزَارَهُ
فَإِذَا أَرَادَ تَمَتُّعاً بِوُجُودِهِ
شَالَ الرِّدَاءَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّراً
فَبَدَا وُجُودٌ لا تُقَيُّدُهُ لَنَا
إِنْ قِيلَ مَنْ هذا وَمَنْ تَعْنِي بِهِ
شَمْسُ الحَقِيقَةِ قُطْبُهَا وَإِمَامُهَا
عَبْدٌ تَسَوَّدَ وَجْهُهُ مِنْ هَمِّهِ
سَهْلُ الخَلاَئِقِ طَيِّبٌ عَذْبُ الجَنَى
جَلَّتْ صِفَاتُ جَلاَلِهِ وَجَمَالِهِ
يُمْضِي المَشِيئَةَ فِي البَنِينَ مُقَسِّماً
مَا زَالَ سَائِسَ أُمَّةٍ كَانَتْ بِهِ
شَرْيٌ إِذَا نَازَعْتَهُ فِي مُلْكِهِ
صَلْبٌ وَلَكِنْ لَيِّنٌ لِعُفَاتِهِ
يُغْنِي وَيُفْقِرُ مَنْ يَشَاُء فَأَمْرُهُ
لا أَنْسَ إِذْ قَالَ الإِمَامُ مَقَالَةً
كُنَّا بِنَا وَرِدَاءُ وَصْلِي جَامِعٌ
فَانْظٌرْ إِلى السِّرِّ المُكَتَّمِ دُرَّةً
حَتَّى يَحَارُ الخَلْقُ فِي تَكْيِيفِهَا
عَجَباً لَهَا لَمْ تُخْفِهَا أَصْدَافُهَا
فَإِذَا أَتَى بِالسِّرِّ عَبْدٌ هَكَذَا
إِنْ كَانَ يُبْدِي السِّرَّ مَسْتُوراً
لَمَّا أَتَيْتُ بِبَعْضِ وَصْفِ جَلاَلِهِ
قَالُوا لَقْدْ أَلْحَقْتَهُ بِإِلهنَا
فَبِأَيِّ مَعْنىً تَعْرِفُ الحَقَّ الَّذِي
قُلْنَا صَدَقْتَ وَهَلْ عَرَفْتَ مُحَقِّقاً
فَإِذَا مَدَحْتُ فَإِنَّمَا أَثْنِي عَلَى
وَإِذَا أَرَدْتُ تَعَرُّفاً بِوُجُودِهِ
وَعُدِمْتُ مِنْ عَيْنِي فَكَانَ وُجُودُهُ
جَلَّ الإِلهُ الحَقُّ أَنْ يَبْدُو لَنَا
لَوْ كَانَ ذَاكَ لَكَانَ فَرْداً طَالِباً
هذا مُحَالٌ فَلْيَصُحَّ وُجُودُهُ
فَمَتَى ظَهَرْتُ إِلَيْكُمُ أَخْفَيْتُهُ
فَالنَّاظِرُونَ يَرَوْنَ نُصْبَ عُيُونِهِمْ
وَالشَّمْسُ خَلْفَ الغَيْمِ تُبْدِي نُورَهَا
فَيَقُولُ قَدْ بَخِلَتْ عَلَيَّ وَإِنَّهَا
لِتَجُودَ بِالمَطَرِ الغَزِيرِ عَلَى الثَّرَى
وَكَذَاكَ عِنْدَ شُرُوقِهِ فِي نُورِهَا
فَإِذَا مَضَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ بِسَاعَةٍ
هذا لِمَيِّتِهَا وَذَاكَ لِحَيِّهِ
فَخَفَاؤُهُ مِنْ أَجْلِنَا وَظُهُورُهُ
كَخَفَائِنَا مِنْ أَجْلِهِ وَظُهُورُنُا
ثُمَّ الْتَفِتْ بِالعَكْسِ رَمْزاً ثَانِياً
فَكَأَنَّنَا سَيَّانُ فِي أَعْيَانِنَا
فَالعِلْمُ يَشْهَدُ مُخْلَصَيْنِ تَآلَفَا
فَالرُّوحُ مُلْتَذٌّ بِمُبْدِعِ ذَاتِهِ
وَالحِسُّ مُلْتَذٌّ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِ
فَاللهُ أَكْبَرُ وَالكَبِيرُ رِدَائِي
وَالشَّرْقُ غَرْبِي وَالمَغَارِبُ مَشْرِقِي
وَالنَّارُ غَيْبِي وَالجِنَانُ شَهَادَتِي
فَإِذَا أَرَدْتُ تنَزُّهاً فِي رَوْضَتِي
وَإِذَا انْصَرَفْتُ أَنَا الإِمَامُ وَلَيْسَ لِي
فَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنَا جَامِعٌ
هذا فَرِيضِي مُنْبِئٌ بِعَجَائِبٍ
فَاشْكُرْ مَعِي عَبْدَ العَزِيزَ[74] إِلهنَا
شَرْعاً فَإِنَّ اللهَ قَالَ اشْكُرْ لَنَا

 
  جِسْمِي وَحَصَّلَ رُتْبَةَ الأُمَنَاءِ
صَلَّى وَأَثْبَتَهُ مِنَ العُتَقَاءِ
ذَاكَ المُؤَمَّلُ خَاتَمُ النُّبَّاءِ
قَلْبِي فَكَانَ لَهُمْ مِنَ القُرَنَاءِ
ضَخْمَ الدَّسِيعَةِ[75] أَكْرَمَ الكُرَمَاءِ
وَقَدِ اخْتَفَى في الحُلَّةِ السَّودَاءِ
ذَاكَ التَّبَخْتُرِ نَخْوَةَ الخُيَلاءِ
يَمْشِي بِأَضْعَفِ مِشْيَةِ الزُّمَنَاءِ[76]
فِعْلَ الأَدِيبِ، وَجِبْرَئِيلُ إِزَائِي
لأَبِي لِيُورِثَهَا إِلى الأَبْنَاءِ
بِفَسَادِ وَالِدِنَا وَسَفْكِ دِمَاءِ[77]
عَمَّا حَوَتْهُ مِنْ سَنَا الأَسْمَاءِ[78]
لَكِنَّهُمْ فِيهِ مِنَ الشُّهَدَاءِ
لِلأَوْلِيَاءِ مَعاً وَلِلأَعْدَاءِ
كَرْهاً بِغَيْرِ هَوىً وَغَيْرِ صَفَاءِ
حَكَمَوا عَلَيْهِ بِغِلْظَةٍ وَبِذَاءِ[79]
مَا زَالَ يَحْمَدُكُمْ صَبَاحَ مَسَاءِ
وَأَتُوا فِي حَقِّ أَبِي بِكُلِّ جَفَاءِ
مِنْهُ يَمِينَ القَبْضَةِ البَيْضَاءِ
وَرَأَوْهُ رَبّاً طَالِبَ اسْتِيلاَءِ
خَصَّ الحَبِيبَ بِلَيْلَةِ الإِسْرَاءِ
يَرْنُو إِلَيْهِ بِمُقْلَةِ البَغْضَاءِ
حَظُّ العُصَاةِ[80] وَشَهْوَتَا حَوَّاءِ[81]
مِنْهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ وَإِبَاءِ
فَاعْذُرْهُمُ فَهُمُ مِنَ الصُّلَحَاءِ
لا يَعْرِفُونَ مَوَاقِعَ الشَّحْنَاءِ
كَانَ الإِمَامَ وهُمْ مِنَ الخُدَمَاءِ
عَدْلاً فَأَنْزَلَهُمْ إِلى الأَعْدَاءِ
لِمَقَالِهِمْ فِي أَوَّلِ الآبَاءِ
وَنَبِيُّنَا فِي نِعْمَةٍ وَرَخَاءِ
لإِلههِ فِي نُصْرَةِ الضُّعَفَاءِ
مَعْصُومَةً قَلْبِي مِنَ الأَهْوَاءِ
يَطْوِي لَهَا بِشِمِّلَّةٍ وَجَنَاءِ[82]
فَيَجُوبَ كُلَّ مَفَازَةٍ بَيْدَاءِ
نَحْوِي لِيَلْحَقَ رُتْبَةَ السُّمَرَاءِ
عَنِّي مَقَالَةَ أَنْصَحِ النُّصَحَاءِ
لَمَّا جَهِلْتَ رِسَالَتِي وَنِدَائِي
أَلْفَيْتُهُ بِالرَّبْوَةِ الخَضْرَاءِ
الخَضْرَةِ المُزْدَانَةِ الغَرَّاءِ
بِحُلُولِهِ ذِي القِبْلَةِ الزَّوْرَاءِ
مِنْ صِفَّةِ النُّجَبَاءِ وَالنُّقَبَاءِ
مِنْ هَدْيِهِ بِالسُّنَّةِ البَيْضَاءِ
فِيهِ مِنَ الأَمْسَاءِ لِلأَمْسَاءِ
أَبَداً مُنَوِّرَ لَيْلَةٍ قَمْرَاءِ
جَلَّتْ حَقَائِقُهُ عَنِ الإِفْشَاءِ
فَهُوَ الإِمَامُ وَهُمْ مِنَ البُدَلاءِ[83]
بَدْرٌ تَحُفُّ بِهِ نُجُومُ سَمَاءِ
فَكَأَنَّهُ يُنْبِي عَنِ العَنْقَاءِ[84]
أُنْثَى لَهَا نَجْلٌ مِنَ الغُرَبَاءِ[85]
سِرُّ المَجَانَةِ[86] سَيِّدُ الظُّرَفَاءِ
لَكِنَّهُ فِيهِمْ مِنَ الفُضَلاءِ[87]
فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ دُجىً وَضُحَاءِ
مِنِّي تَغَيُّرَ غِيرَةِ الأُدَبَاءِ
فِي عِتْرَتِي وَصَحَابَتِي القُدَمَاءِ
دَارِي وَلَمْ تُخْبِرْ بِهِ سُجَرَائِي[88]
فِي أَمْرِ تَائِبِهِ وَصِدْقِ وَفَائِي
فَوِدَادُهُ صَافٍ مِنَ الأَقْذَاءِ
مَسْتُورَةٍ فِي الغَضَّةِ الحَوْرَاءِ
يَا طَالِبَ الأَسْرَارِ فِي الإِسْرَاءِ
لِحَقَائِقِ الأَمْوَاتِ وَالأَحْيَاءِ
مِنْ مُسْتَوَاهُ إِلى قَرَارِ المَاءِ
إِلاَّ هُوْ فَهْوَ مُصُرِّفُ الأَشْيَاءِ
لَمَّا أَرَادَ تَكَوُّنَ الإِنْشَاءِ
مِنْ غَيْرِ مَا نَظَرٍ إِلى الرُّقَبَاءِ
وَإِزَارَ تَعْظِيمٍ عَلَى القُرَنَاءِ
صِفَةٌ وَلا اِسْمٌ مِنَ الأَسْمَاءِ
قُلْنَا المُحَقِّقُّ آمِرُ الأُمَرَاءِ
سِرُّ العِبَادِ وَعَالِمُ العُلَمَاءِ
نُورُ البَصَائِرِ خَاتَمُ الخُلَفَاءِ
غَوْثُ الخَلاَئِقِ[89] أَرْحَمُ الرُّحَمَاءِ
وَبَهَاءُ عِزَّتِهِ عَنِ النُّظَرَاءِ
بَيْنَ العَبِيدِ الصُّمِّ[90] وَالأُجَرَاءِ
مَحْفُوظَةَ الأَنْحَاءِ وَالأَرْجَاءِ
أَرْيٌ إِذَا مَا جِئْتَهُ لِحِبَاءِ[91]
كَالمَاءِ يَجْرِي مِنْ صَفَا صَمَّاءِ
مُحْيِي الوُلاَةِ[92] وَمُهْلِكُ الأَعْدَاءِ
عَنْهَا يُقَصِّرُ أَخْطَبُ الخُطَبَاءِ
لِذَوَاتِنَا فَأَنَا بِحَيْثُ رِدَائِي
مَجْلُوَّةً فِي اللًّجَّةِ العَمْيَاءِ
عَيْناً كَحَيْرَةِ عَوْدَةِ الإِبْدَاءِ
الشَّمْسُ تَنْفِي حَنْدَسَ الظَّلْمَاءِ
قِيلَ اكْتُبُوا عَبْدِي مِنَ الأُمَنَاءِ
فَمَا تَدْرِي بِهِ أَرْضِي فَكَيْفَ سَمَائِي
إِذْ كَانَ عَيْنِي وَاقِفاً بِحِذَائِي
فِي الذَّاتِ وَالأَوْصَافِ وَالأَسْمَاءِ
سَوَّاكَ خَلْقاً فِي دُجَى الأَحْشَاءِ
مِنْ مُوجِدِ الكَوْنِ الأَعَمِّ سِوَائِي
نَفْسِي فَنَفْسِي عَيْنُ ذَاتِ ثَنَائِي
قَسَّمْتُ مَا عِنْدِي عَلَى الغُرَمَاءِ
فَظُهُورُهُ وَقْفٌ عَلَى إِخْفَائِي
فَرْداً وَعَيْنِي ظَاهِرٌ وَبَقَائِي
مُتَحَسِّساً مُتَجَسِّساً لِثَنَائِي
فِي غَيْبَتِي عَنْ عَيْنِهِ وَفَنَائِي
إِخْفَاءَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِي الأَنْوَاءِ
سُحُباً تُصَرِّفُهُا يَدُ الأَهْوَاءِ
لِلسُّحْبِ وَالأَبْصَارِ فِي الظَّلْمَاءِ
مَشْغُولَةٌ بِتَحَلُّلِ الأَجْزَاءِ
مِنْ غَيْرِ مَا نَصَبٍ وَلا إِعْيَاءِ
تَمْحُو طَوَالِعَ نَجْمِ كُلِّ سَمَاءِ
ظَهَرَتْ لِعَيْنِكَ أَنْجُمُ الجَوْزَاءِ
فِي ذَاتِهَا وَتَقُولُ حُسْنَ رِدَاءِ
مِنْ أَجْلِهِ وَالرَّمْزُ فِي الأَفْيَاءِ[93]
مِنْ أَجْلِنَا فَسَنَاهُ عَيْنُ ضِيَائِي
جَلَّتْ عَوَارِفُهُ عَنِ الإِحْصَاءِ
كَصَفَا الزُّجَاجَةِ فِي صَفَا الصَّهْبَاءِ[94]
وَالعَيْنُ تُعْطِي وَاحِداً لِلرَّائِي
وَبِذَاتِهِ مِنْ جَانِبِ الأَكْفَاءِ
فَانٍ عَنِ الإِحْسَاسِ بِالنَّعْمَاءِ
وَالنُّورُ بَدْرِي وَالضِّيَاءُ ذُكَائِي[95]
وَالبُعْدُ قُرْبِي وَالدُّنُوُّ تَنَائِي
وَحَقَائِقُ الخَلْقِ الجَدِيدِ إِمَائِي[96]
أَبْصَرْتُ كُلَّ الخَلْقِ فيَّ مَرَائِي
أَحَدٌ أُخَلِّفُهُ يَكُونُ وَرَائِي
لِحَقَائِقِ المُنْشِي وَلِلإِنْشَاءِ[97]
ضَاقَتْ مَسَالِكُهَا عَلَى الفُصَحَاءِ
وَلْنَشْكُرَنْ أَيْضاً إِلى العَذْرَاءِ[98]
وَلِوَالِدَيْك[99] وَأَنْتَ عَيْنُ قَضَائِي

 

 

وبعد حمد الله بحمد الحمد[100] لا بسواه، والصَّلاة التَّامَّة على من أُسري به إلى مستواه، فاعلم أيُّها العاقلُ الأديبُ الوليُّ الحبيبُ أنّ الحكيمَ إذا نأتْ به الدَّار عن قسيمه، وحالت صروفُ الدَّهر بينه وبين حميمه، لا بُدَّ أن يُعرِّفَه بكلِّ ما اكتسبه في غيبته، وما حصَّله من الأمتعة الحِكميَّة في عيبته،[101] ليُسَرَّ وليُّه بما أسداه إليه البَرُّ الرَّحيم من لطائفه، ومَنحه من عوارفه، وأودعه من حِكَمه، وأسمعه من كَلِمه، فكأنّ وليَّه ما غاب عنه، بما عرف منه، وإن كان الوليُّ أبقاه الله قد أصاب صفاءَ وُدِّه بعض كدَرٍ لعَرَضٍ، وظهر منه انقباضٌ عند الوداع لإتمام غرَضٍ، فقد غمض وليُّه عن ذلك جفنَ الانتقاد، وجعله من الوليِّ أبقاه الله من كريم الاعتقاد، إذ لا يهتمُّ منك إلا من يَسأل عنك. فليهنأ الوليُّ أبقاه الله فإنَّ القلب سليمٌ، والوُدَّ -كما يعلم- بين الجوانح مقيمٌ، وقد عَلم الوليُّ أبقاه الله أنَّ الودَّ فيه كان إِلِّيّاً[102] لا عَرَضِياً ولا نفسيّاً، وثبت هذا عنده قديماً عني من غير علّة، ولا فاقة إليه ولا قِلّة، ولا طلبٍ لمثوبةٍ ولا حذرٍ من عقوبة.

 

وربما كان من الوليِّ -حفظه الله تعالى- في الرِّحلة الأولى الَّتي رحلت إليه، سنة تسعين وخمسمائة، عدمُ الْتفاتٍ فيها إلى جانبي، ونفورٌ عن الجري على مقاصدي ومذاهبي، لِما لاحظَ فيها -رضي الله عنه- من النَّقص، وعَذرتُه في ذلك فإنّه أعطاه ذلك مني ظاهرُ الحال وشاهدُ النّصّ، فإني سترت عنه وعن بَنيه ما كنتُ عليه في نفسي بما أظهرتُهُ إليهم من سوءِ حالي وشَرَهِ حِسِّي، وربما كنتُ ألوِّح لهم أحياناً على طريق التَّنبيه، فيأبى اللهُ أن يلحظني واحدٌ منهم بعين التَّنْزيه. ولقد قرعْتُ أسماعَهم يوماً في بعض المجالس، والوليُّ أبقاه الله في صدرِ ذلك المجلس جالس، بأبياتٍ أنشدتها وفي كتاب الإسراء[103] لنا أودعتها وهي:

 

أَنَا القُرْآنُ وَالسَّبع المَثَانِي[104]
فُؤُادِي عِنْدَ مَعْلُومِي مُقِيمٌ
فَلا تَنْظُرْ بِطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي
وَغُصْ فِي بَحْرِ ذَاتِ الذَّاتِ تُبْصِرْ
وَأَسْرَاراً تَرَاءَتْ مُبْهَمَاتٍ

 
  وَرُوحُ الرُّوحِ لا رُوحُ الأَوَانِي[105]
يُشَاهِدُهُ وَعِنْدَكُمُ لِسَانِي
وُعُدَّ عَنِ التَّنَغُّمِ بِالمَغَانِي
عَجَائِبَ مَا تَبَدَّتْ لِلْعَيَانِ
مُسَتَّرَةً بِأَرْوَاحِ المَعَانِي

 

 

فوالله ما أنشدت من هذه القِطعة بيتاً، إلا وكأني أسمعه ميتاً،[106] وسبب ذلك حِكمةٌ أبغي رضاها، وحاجةٌ في نفس يعقوب قضاها. وما أحسَّ بي من ذلك الجمع المكرَّم، إلا أبو عبد الله بن المرابط كليمهم المبرّز المقدّم، ولكن بعض إحساس، والغالب عليه في أمري الالتباس. وأما الشَّيخُ المسنُّ المرحوم جرّاح[107] فكنت قد تكاشفت معه على نيّه[108] في حضرة عليّة. ولم أزل بعد مفارقتي حضرة الوليِّ أبقاه الله له ذاكراً ولأحواله شاكراً وبمناقبه ناطقاً ولآدابه عاشقاً، وربما سطّرت من ذلك في الكتب ما سارت به الركبان، وشُهر في بعض البلدان، وقد وقف الوليُّ عليه ورأى بعض ما لديه؛ فقد ثبت له الودُّ مني قبل سببٍ يقتضيه، وغرضٍ عاجلٍ أو آجلٍ يثبتُه في النَّفْس ويمضيه.[109]

 

ثم كان الاجتماعُ بالوليِّ تولاَّه الله بعد ذلك بأعوام[110] في محلِّه الأسنى، وكانت الإقامةُ معه تسعة أشهرٍ دون أيَّام في العيش الأرغد الأهنى؛ عيشِ روحٍ وشبح، وقد جاد كلُّ واحدٍ منّا بذاته على صفيّه وسمح، ولي رفيقٌ وله رفيق، وكلاهما صِدِّيق وصَدِيق. فرفيقُهُ شيخٌ عاقلٌ محصِّلٌ ضابطٌ يُعرف بأبي عبد الله بن المرابط: ذو نفْسٍ أبيّة، وأخلاقٍ رضيّة، وأعمالٍ زكيّة، وخِلالٍ مرضيّة، يقطع اللَّيل تسبيحاً وقرآنا، ويذكر الله على أكثر أحيانِهِ سرّاً وإعلانا، بطلٌ في ميدان المعاملات، فهِمٌ لما يَرِد به صاحب المنازل والمنازلات،[111] مُنصفٌ في حاله، مفرّقٌ بين حقّه ومُحاله. وأمَّا رفيقي فضِياءٌ خالصٌ، ونورٌ صرفٌ، حبشيٌّ اسمه عبد الله، بدرٌ لا يلحقُهُ خسفٌ، يَعرفُ الحقَّ لأهله فيؤدِّيه، ويوقفُهُ عليهم ولا يُعدِّيه، قد نال درجة التَّمييز، وتخلَّص عند السَّبك كالذَّهب الإبريز، كلامُه حقٌّ، ووعده صدق.[112] فكنّا الأربعة الأركان، الَّتي قام عليها شخصُ العالَم والإنسان، فافترقنا ونحن على هذه الحالِ، لانحرافٍ قام ببعض هذه المَحالِّ؛ فإني كنت نويت الحجَّ والعمرة، ثمَّ أُسرع إلى مجلسه الكريم الكرّة، فلمّا وصلتُ أمَّ القرى، بعد زيارتي الخليلَ الَّذي سنَّ القِرى، وبعد صلاتي بالصخرة والأقصى، وزيارة سيِّدي سيِّدِ ولد آدم ديوان الإحاطة والإحصا، أقام الله في خاطري أن أعرّفَ الوليَّ -أبقاه الله- بفنونٍ من المعارف حصّلته في غيبتي، وأهدي إليه -أكرمه الله- من جواهر العلم الَّتي اقتنيته في غربتي، فقيَّدت له هذه الرِّسالة اليتيمة، الَّتي أوجدها الحقُّ لأعراض الجهل تميمة (أي شافية)، ولكلِّ صاحبٍ صفيٍّ ومحقّقٍ صوفيّ، ولحبيبنا الوليِّ وأخينا الذَّكيّ وولدِنا الرضيِّ عبد الله بدر الحبشيّ اليمنيّ، مُعتَق أبي الغنائم ابن أبي الفتوح الحرّاني، وسمّيتها:

 

رِسَالَةُ الفُتُوحَاتِ المَكِّيَّةِ

 

في مَعْرِفَةِ الأَسْرَارِ المَالِكِيَّة وَالمُلْكِيَّةِ

 

إذ كان الأغلب فيما أودعت هذه الرسالة ما فتح الله به عليّ عند طوافي ببيته المكرَّم، أو قعودي مراقباً له بحَرَمِه الشَّريف المُعَظَّم. وجعلتها أبواباً شريفة وأودعتها المعاني اللطيفة؛ فإنّ الإنسان لا تسهُل عليه شدائد البداية إلا إذا عرف شرفَ الغاية، ولاسيما إن ذاق من ذلك عذوبَةَ الجَنى، ووقع منه بموقع المُنى، فإذا حصر البابَ البصرُ، تردّد عليه عين بصيرة الحكيم فنظر، فاستخرج اللآلئ والدُّرر، ويعطيه الباب عند ذلك ما فيه من حِكَمٍ روحانيَّةٍ ونُكَتٍ ربَّانيَّة على قدر نفوذه وفهمه، وقوَّة عزمه ووهمه، واتِّساع نَفَسِه من أجل غَطسِه في أعمَاق بحار علمه:

 

لَمَّا لَزِمْتُ قَرْعَ بَابِ اللهِ
حَتَّى بَدَتْ لِلْعَيْنِ سُبْحَةُ[113] وَجْهِهِ
فَأَحَطْتُّ عِلْماً بِالوُجُودِ فَمَا لَنَا
لَوْ يَسْلُكُ الخَلْقُ الغَرِيبُ مَحَجَّتِي

 
  كُنْتُ المُرَاقِبَ لَمْ أَكُنْ بِاللاَّهِي
وَإِلى هَلُمَّ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ هِي
فِي قَلْبِنَا عِلْمٌ بِغَيْرِ اللهِ
لَمْ يَسْأَلُوكَ عَنِ الحَقَائِقِ مَا هِي

 

 

فلنقدّم، قبل الشروع في الكلام على أبواب هذا الكتاب، باباً في فهرست أبوابه، ثمَّ أتلوه بمقدّمةٍ في تمهيد ما يتضمّنه هذا الكتاب من العلوم الإلهية الأسراريَّة، وعلى إثرها يكون الكلامُ على الأبواب على حسبِ ترتيبه في بابِ الفهرستِ إن شاء الله تعالى، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [33-الأحزاب: 4].[114]

 

 

 

انتهى الجزء الأول والحمد لله، يتلوه الجزء الثّاني إن شاء الله تعالى،

 

وصلّى الله على محمّد وعلى آله الطاهرين.

 

=================

 

 

 

[1] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

 

[2] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

 

[3] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

 

[4] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

 

[5] أي بعد العدم وليس من العدم. وهذه مسألة أساء فهمها منتقدوا ابن العربي فكفّروه بسببها، كما ذكرنا في الفصل السابع من كتاب شمس المغرب (ص000). فالعدم نفي محض لا ينتج عنه وجود ألبتة، أما الخلق عن عدم فهو يعني أنَّ العالَم لم يكن ثمَّ كان، فالله تعالى خلقه، ولكن يبقى السؤال: مِمَّ؟ فيقول ابن العربي أن العالَم موجود بالقوة في العلم الإلهي الأزلي قبل أن يوجده الله تعالى بالفعل، وقد ناقشنا ذلك مليّاً في كتاب أيام الله (ص000) كما سيجري الحديث عليه مراراً في ثنايا الفتوحات المكية الذي نحن في حضرته، انظر مثلا في الجزء الثالث في عقيدة .

 

[6] يقول عثمان يحيى: »وعدمه: أي عدم العدم، وهو الوجود الغيبي في حضرة العِلم الإلهيِّ الَّذي هو العَيْنُ الثَّابتة لكلِّ موجود بالفعل.« وأقول: يمكن أيضاً أن يكون الضمير في "عدمه" عائدٌ على جلال الله تعالى أي على وجوده سبحانه في هذا العالَم؛ لأنَّ الأشياء حقيقةً لا توجد حال كمال وجودِ الله سبحانه وتعالى، أي بتمام تجلِّيه، وإنّما هو سبحانه أوجدها حينما بَطُنَ بها، ولو ظَهَرَ بذاته سبحانه لَفَنِيَ العالَم، مثلما حدث للجبل حينما تجلى له الله سبحانه، مع أنَّه تجلى له من حيث اسمه الربّ، كما قال تعالى في سورة الأعراف (7) عن موسى عليه السلام إذ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾. وهكذا نجد أنَّ وجود الأشياء كان عن مقدِّمتَيْن: العَدَمُ الأصلي وبُطُونُ الله تعالى في الوجود، ثمَّ كان الرَّابط بين هاتين المقدِّمتين هو توجّه كلام الله تعالى عليه بالأمر "كُنْ"؛ كما سنرى أنّ ابن العربي دائماً يؤكّد أنّ الخلق يكون عن مقدّمتين ورابط يربط بينهما، والله أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

[7] يقول الله تعالى في سورة يونس (10): ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ (2)﴾، ونسبة القَدَم إلى الله تعالى وردت في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه قال: "إنّ الكرسي موضع القَدَمين" (كنـز العمال: حديث رقم 1683)، ويصرّح ابن العربي أنّ "القدم" هي "الثبوت" و"القدمان" اللتان تنسبان للرحمن هما قدم الجبر وقدم الاختيار (الفتوحات المكيّة: ج3ص432س23).

 

[8] يقول عثمان يحيى إنَّ »"ظَهَرَ" الأولى بمعنى الظهور في تجلّيات الحقِّ في كلِّ شيء، و"ظَهَرَ" الثَّانية بمعنى الغلبة والاقتدار.« ولكنَّ الاحتمال الآخر هو ما وضعناه بالشَّدَّة، حتى تتفق مع ما بعدها، فتكون ظهَّر متوافقة مع بطَّن. ؟؟؟

 

[9] يقول عثمان يحيى إنَّ »"ما بطن" بمعنى ما بَعُدَ، ومعنى "ولكنّه بطن" أي خفي.« وأقول يمكن أيضاً قراءة الثَّانية بالتَّشديد كما وضعناها أعلاه، فيكون معناها أنّه سبحانه وتعالى ما بَطُنَ على الحقيقة لأنّه هو الظَّاهر ولكنَّهُ بَطَّنَ أي أَلْغَزَ ظهوره وحجبه عن النَّاظرين.

 

[10] إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحديد (57): ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)﴾.

 

[11] ولقد شرح ابن العربي ذلك في رسالة الأزل المطبوعة ضمن مجموعة رسائل ابن العربي (طبعة حيدر آباد)، وشرحناه في كتاب مفهوم الزمن عند ابن العربي (ص: ؟؟؟).

 

[12] ولقد ذكر ابن العربي في الكثير من المواضع أنّه بلغ هذا المنزل الذي تنعدم فيه الجهات، وهو يسمى منزل النُّور، ودخل فيه في مدينة فاس سنة 591/1195، وقد تحدَّثنا عن ذلك بالتفصيل في كتاب شمس المغرب (ص: 192).

 

[13] يقول ابن منظور في لسان العرب (سبح): »وسُبُحاتُ وجهِ الله، بضمِّ السِّين والبَاء: أَنوارُه وجلالُه وعظمتُه... وهي في الأَصل جمع سُبْحة؛ وقيل: أَضواء وجهه؛ وقيل: سُبُحاتُ الوجه محاسنُه لأَنَّك إِذا رأَيت الحَسَنَ الوجهِ قلت: سبحان الله، وقيل: معناه تنْزيهٌ له أَي سبحان وجهه... والسُّبْحَةُ: الخَرَزاتُ الَّتي يَعُدُّ المُسَبِّحُ بها تسبيحه.«

 

[14] ويمكن أن تقرأ: فُعل، مبنيَّةٌ للمجهول، أو فَعل كما وضعناها، على أساس أنّه سبحانه وتعالى هو الفاعل الحقيقي.

 

[15] يقول ابن العربي في أوراد أيّام الأسبوع ولياليه (وِرد يوم الأحد): »وَيَا مُسخِّرَ الأَعمالِ الصالحةِ للعبدِ ليعودَ نفعُهَا عَلَيْهِ«.

 

[16] وكثيراً ما يتم تحريف هذا الشطر من البيت بشكلٍ فظيعٍ، ثمَّ يُستشهد به بعد ذلك على كفر ابن العربي، فقد ورد في كُتُبِ وخُطَبِ الشَّيخ عبد العزيز بن عبد الله الرَّاجحي، وهو من تلاميذ الشَّيخ عبد العزيز بن باز، أنَّ ابن العربي يقول: الرَّبُّ عبدٌ والعبدُ ربٌّ... (انظر في شرح العقيدة الطحاوية للشَّيخ الرَّاحجي، وكذلك في شرح كتاب الاعتقاد لابن الفرّاء للرَّاجحي أيضاً) ؟؟؟. وابن العربي هنا يتساءل ويتعجَّب (ولا ينكر) أنَّه طالما أنَّ كلَّ شيء عائد لله تعالى من حيث الخلق والإرادة والقدرة، وليس للعبد أي وجودٍ مستقل غني عن الله تعالى، فكيف يكون عليه تكليف إذ ليس له فعل حقيقي.

 

[17] لعلَّ الشيخ هنا يشير إلى حقيقة وحدة الوجود وأنَّ الخلق مجرَّد مظاهر للحقِّ تعالى لا حول لهم ولا قوّة؛ فهو يأمرهم ويخلق فيهم الفعل طاعة كان أو معصية. ولقد كانت هذه القضيَّة موضع انتقادٍ كبيرٍ للشيخ الأكبر من قِبل شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله ومدرسته؛ لأنّهم فهموا من ذلك خطأً أنّ ابن العربي يقصد اتِّحاد الخلق بالحقِّ تعالى وإسقاط المسؤولية عنهم مهما فعلوا من المعاصي لأنّ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، وهو معنىً نفاه ابن العربي بشكل قطعيّ مراراً وتكراراً. والحقيقة أنّ وحدة الوجود التي يقول بها ابن العربي لا تقول بذلك مطلقاً بل هي مستويات مختلفة من الوجود حقيقتها واحدة هي الحقُّ تعالى الواحد الأحد ومظاهرها مختلفة هي الخلق الكثير المتعدَّد زماناً ومكاناً، فكما أنّ المعصية تكون على مستوى التعدُّديَّة فكذلك يكون الحساب عليها رغم أنّ الحقيقة وراء كلِّ ذلك الخلق والتعدُّد والحساب والعقاب والثَّواب هي واحدة وهي الحقُّ تعالى وهذه المظاهر المختلفة ما هي إلاّ خيال أي أشباح خالية، أي ليس لها حقائق ذاتيّة مغايرة لذات الله تعالى وإلاَّ لكان هناك تعدُّدٌ على المستوى الوجودي الحقيقي، كما قال ابن العربي في كتاب كشف الستر (كشف الستر لأهل السرّ، مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن العربي، تحقيق قاسم محمد عباس، دار أزمنة، عمّان، 2004: ص73، وانظر كذلك في فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، القاهرة، 1946: ص157.):

 

إنّما الكونُ خيالٌ
والذي يدرك هذا

 
  وهو حقٌّ في الحقيقة
حاز أسرار الطريقة

 

 

ولقد ناقشنا هذا الموضوع باستفاضة في الفصل الخامس (وكذلك الفصل السادس) من كتاب أيَّام الله.

 

[18] فهذه واو المعيّة؛ وإلاَّ فإنَّ الله تعالى –كما يقول ابن العربي في أوراده- لا يُدرك ولا يُترك.

 

[19] تجوز على الوجهين؛ فهو صلَّى الله عليه وسلَّم مطلب العالِم بقصد معرفته والتخلُّق بأخلاقه وصفاته، فهو الإمام المبين كما قال عن ابن العربي في الصَّلوات الفيضيَّة: "محصي عوالِم الحضراتِ الخمس في وجوده: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [36-يس: 12]"، وهو أيضاً مطلب العالَم، قصدوا ذلك أم لم يقصدوه وأدركوه أم لم يدركوه، لأنّه (كما قال عنه أيضاً في الصَّلوات الفيضيَّة بعد ما سبق): "وراحم سائلي استعداداتها بنداه وجودِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [21-الأنبياء: 107]، (فهو) نقطة البسملة الجامعة لما يكون وكان، ولفظة الأَمر الجوَّالة بدوائر الأَكوان، سرُّ الهوّية الَّتي في كُلّ شيء سارية، وعن كُلّ شيء مجرَّدة وعارية، أَمين الله عَلَى خزائن الفواضل ومستودعها، ومقسِّمها على حسب القوابل وموزِّعها". أي هو صلّى الله عليه وسلَّم الإنسان الكامل والجوهر الفرد الشَّامل والحقُّ الَّذي به خلق الله تعالى السَّموات والأرض. وللمزيد عن ذلك راجع الفصل الخامس والسادس من كتاب أيَّام الله.

 

[20] الدُّلوج هو السَّير في اللَّيل، وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة الإسراء (17): ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)﴾.

 

[21] وفي ذلك إشارة إلى الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "حَيَاتي خَيرٌ لكم ومَوتي خَيرٌ لَكُم، أَمَّا حَيَاتي فَأَسُنُّ لَكُم السُّنَنَ وأُشَرِّعُ لَكُمُ الشَّرائع. وأَمَّا مَوتي فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ فَمَا رَأَيْتُ مِنْهَا حَسَناً حَمَدْتُ اللهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْهَا سَيِّئاً اسْتَغْفَرْتُ اللهَ تَعَالى لَكُم". قال عنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (المجلد الرابع، كتاب الصبر والشكر، الحديث رقم 5): أخرجه البزَّار من حديث عبد الله بن مسعود ورجاله رجال الصحيح.

 

[22] وهو عيسى عليه السلام لأنّه كما يقول ابن العربي هو خاتم الولاية العامّة، في حين إنّ ابن العربي هو خاتم الولاية المحمّدية، كما سنعود إلى ذلك لاحقاً (انظر أيضاً في شمس المغرب: ص172، 270).

 

[23] لعلَّه يقصد بالأنثى الأرض أو البدن وهو موضع تأثير الرُّوح أي عيسى عليه السَّلام الذي هو الختم، والله تعالى أعلم وهو علاَّم الغيوب.

 

[24] عن خالد الحذاء البصري، عن ابي قلابة البصري، عن انس قال: قال رسول اللّه (ص): ارحمكم ابوبكر، واشدكم في الدين‏عمر، واقرؤكم ابي، واصدقكم حياء عثمان، واعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وافرضكم زيد بن‏ثابت، وان لكل امة امينا وامين هذه الامة ابو عبيدة الجراح.

 

[25] وذلك أنّ عيسى عليه السَّلام هو خاتم الولاية العامّة فلا وليَّ بعده، وذلك حين ينزل عليه السَّلام قبل يوم القيامة في محروسة دمشق، وأمّا ابن العربي فهو خاتم الولاية المحمّديّة الخاصّة، فهذا هو وجه الاشتراك بينهما. وأمّا معنى خاتم الولاية المحمَّديَّة فذلك لأنّ الأولياء ورثة الأنبياء فكلُّ وليٍّ لا بدَّ أن يكون على قلب (أي على قدم، أي على أثر) نبيٍّ من الأنبياء؛ فمنهم من هو على قلب موسى عليه السَّلام ومنهم من هو على قلب عيسى عليه السَّلام أو غيرهم من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومنهم من هو على قلب محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وإن كانوا جميعاً لا يستقون إلاَّ من شريعة خاتم الأنبياء محمَّد صلّى الله عليه وسلّم. فابن العربي هو خاتم الأولياء المحمَّديِّين، فلا يكون بعده وارث كامل للنبيِّ صلّى الله عليه وسلَّم، ومعنى الوراثة هنا هو أن يرث الوارث أمراً مخصوصاً بالنبيِّ محمّد أي في شريعته لَم يكن موجوداً عند غيره من الأنبياء. وللمزيد حول معنى وراثة الأنبياء راجع شمس المغرب (ص: 110)، وللمزيد عن معنى ختم الولاية العامّة والخاصّة وكون ابن العربي هو خاتم الولاية الخاصّة راجع شمس المغرب (ص: 271).

 

[26] وهي نوع كريم من الشجر من الفصيلة الأثلية (Tamaricaceae) يصل ارتفاعها إلى المترين وتتكون من أغصان خشبية متفرِّعة وأوراق إبرية لونها أخضر فاتح ولها أزهار قرنفلية وثمار قرنفلية مخروطية الشكل، ومنه اتّخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منبره كما ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما (انظر مثلاً: ‏صحيح البخاري، الجزء الأول، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، الحديث رقم: 875).

 

[27] ابن العربي اسمُه: محمّد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي (انظر في شمس المغرب: ص13).

 

[28] وهي النَّفس الَّتي يناديها الله تعالى برفع الحجب كما قال في سورة الفجر (89): ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾. وللمزيد حول درجات النفس ومراتبها راجع الفصل الثالث من كتاب سلوك القلب (ص: 129-144)، وهو الفصل الثاني في الطبعة الجديدة قيد الإصدار؟؟؟.

 

[29] معنى جوامع الكلم

 

[30] وقد ورد في الأحاديث الَّتي نوّهنا عليها أعلاه أنّ منبر الطرفاء، وهو منبر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، من ثلاثة درجات، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم يقف على الدَّرجة الثالثة منه.

 

[31] ولعلَّه بذلك يشير إلى حقيقة أنّنا لا يمكن أن نعرف الله تعالى إلاَّ من خلال خلقه أي أفعال أسمائه الحسنى وصفاته تبارك وتعالى، فلذلك نحن لا نعرفه تعالى تمام المعرفة بكمال سلب الأوصاف عنه لأنَّنا ما رأينا سوى أفعاله وكريم صفاته وهي مظاهره وتجلِّياته، أمَّا النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّم فإنّه، كما أشرنا أعلاه، الإنسان الكامل والإمام المبين والجوهر الفرد والعقل الأوَّل والقلم الأعلى الذي خلق الله تعالى به العالَم، ولذلك فإنَّ له وجهاً خاصّاً إلى خالقه (وهذا معنى قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل." وهذا الحديث تذكره الصوفيَّة كثيراً، وقد أشار إليه ابن العربي في أوراده، ولكنّه لم يرد في كتب الحديث بهذا النصّ ولكن يقرب منه ما رواه الترمذي في شمائله وابن راهويه في مسنده عن عليٍّ في حديث: كان صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أتى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزءً لله وجزءً لأهله وجزءً لنفسه، ثمَّ جزّأ جزأه بينه وبين الناس. انظر ‏كشف الخفاء، للإمام العجلوني، الحديث رقم 2159) ومن ذلك الوجه يعرف النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّم اللهَ تعالى لا من حيث أفعاله وأسمائه وصفاته الخاصّة بالخلق، بل من حيث ذاته ولكن ليس من حيث كمال ذاته بل من حيث جمال ذاته أو كمال جمال ذاته سبحانه وتعالى وليس من حيث كمال الكمال الذي لا يتجلّى الله تعالى به لمخلوق. وأمّا نحن فلا نعرف الله تعالى إلاَّ من حيث صفاته وما هي إلاَّ صور أو آثار هذا العقل الأوَّلُ الكلِّيُّ الَّذي نسير نحن -العقول الجزئيَّةُ الثانوية- على سنَّته ومنهاجه.

 

[32] وذلك إشارة إلى الحديث المشهور عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنّه قال في خطبة حجَّةِ الوداع إنَّ الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السَّموات والأرض (كنـز العمال: 12357). راجع معنى ذلك ومفهوم ابن العربي للزَّمن في كتاب نظرية الجوهر الفرد (ص: ؟؟؟).

 

[33] معنى ذلك

 

[34] وذلك بالإشارة إلى الحديث الذي يشير إليه ابن العربي مراراً في الفتوحات المكية وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل "متى كنت نبياً"، فقال: "وآدم بين الماء والطين" [ج1ص109, ج1ص134, ج1ص143, ج1ص145, ج1ص146, ج1ص151, ج1ص243, ج3ص142, ج2ص48, ج2ص88, ج2ص108, ج2ص125, ج2ص138, ج2ص170, ج2ص280, ج2ص387, ج3ص22, ج3ص23, ج3ص299, ج3ص400, ج3ص413, ج3ص456, ج3ص494, ج3ص495, ج3ص497, ج3ص513, ج4ص58, ج4ص116, ج4ص331]. وهذا الحديث يبدو أنه لم يرد في كتب الحديث بهذا اللفظ، فيقول ابن تيمية عن ذلك: " وما يرويه هؤلاء الجهال كابن عربي في الفصوص وغيره من جهال العامة: ‏(كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)، (كنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين)‏ فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل." (جامع الرسائل، الجزء الرابع، ؟؟؟). ولكن هناك أحاديث صحيحة كثيرة تحمل نفس المعنى تقريبا مثل ما ذكره جلال الدين السيوطي في الدر المنثور (ج5ص184) ما أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ميسرة الفخر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "بين خلق آدم ونفخ الروح فيه".

 

[35] أي شمل ذلك كلَّ مراتب الوجود الأربعة لأنَّ هذا اللَّوح المحفوظ فيه علم كلِّ شيء حتى من الأشياء الَّتي يمكن وجودها بالقوَّة وإن لم توجد بالفعل، ولكن لا بدَّ من استثناء العدم المحض وهو الَّذي لا يمكن وجوده مثل وجود شريك لله تعالى أو وجود دائرة مربَّعة، لأنَّه من الجهل عدُّ ما لا يُعدُّ. للمزيد حول مراتب الوجود والعدم راجع الفصل السَّادس من كتاب نظرية الجوهر الفرد (ص: ؟؟؟).

 

[36] الحديث: إن الله خلق أول ما خلق جوهرة فنظر إليها بعين الجلال فذابت حياء نصفها ماء ونصفها نار؟؟؟

 

ورد العديد من الأحاديث بمعنى "أول ما خلق الله..." وهي في الحقيقة متطابقة رغم تباينها الظاهري. فورد في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له اكتب فقال وما أكتب قال اكتب القدر فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة." (كنز العمال: رقم 597، 15116، 15117، 15220، 15223، 15224...)، ووردت أحاديث أخرى كثيرة عن أول ما خلق الله تعالى، مثل: النور المحمدي، العرش، اللوح المحفوظ، الروح، العقل. والجمع بين هذه الأحاديث المختلفة أن هذه الأشياء التي خلقها الله تعالى أول شيء هي أسماء وصفات مختلفة للنور المحمدي، الذي خلق الله منه كل شيء، وقد ذكر أيضاً في القرآن بمسميات كثيرة منها: الإمام المبين، العدل، "كل شيء"، القلم، الحق في مثل قوله تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض إلا بالحق)، ولذلك يسميه الشيخ محي الدين باسم: "الحق المخلوق به" و"الحقيقة المحمدية" (الفتوحات المكية: ج1ص119، 731، ج2ص60، 104، 283، 285، 310-313، 391، 396، 415، 488، ج3ص77، 92، 150، 354-355، 444، ج4ص211)، والله تعالى أعلم.

 

[37] وذلك إشارة إلى الحديث عن أبي رزين أنّه قال قلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قال: "كَانَ في عَمَاءٍ ما تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ"، والعُماء أو العَماء هو السَّحاب. وفي رواية (كان في عما) بالقصر، ومعناه ليس معه شيء‏. (انظر في: ‏تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري، كتاب تفسير القرآن عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، باب وَمِنْ سُورَةِ هُود، حديث رقم: 3213، وانظر أيضاً في كنز العمّال، حديث رقم: 29851).

 

[38] وذلك إشارة إلى الحديث الموقوف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى من آية الكرسي من سورة البقرة (2): ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ (255)﴾، قال: "(الكرسي) موضع القدمين، ولا يقدر قدر عرشه إلا الله"، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (انظر في: مجمع الزوائد، للحافظ الهيثمي، المجلد السابع، كتاب التفسير، الحديث رقم 10878). والقدمان هما قَدَم الربِّ وقَدَم الجبَّار وذلك أنّ الكرسي هو موضع تعيين الأحكام فتكون الكلمة في العرش واحدة ما فيها إلاّ الرحمة المطلقة وفي الكرسي تنقسم إلى خبر وحكم، وهذا هو أصل وجود الجنّة والنار والنعيم والعذاب والليل والنهار، كما شرحنا ذلك في كتاب نظرية الجوهر الفرد (ص: ؟؟؟).

 

[39] في جوابه على السؤال السادس والسبعين من أسئلة التَّرمذيِّ الحكيم (في الباب الثالث والسبعين من هذا الكتاب): ما لواء الحمد؟ أجاب ابن العربي: لواء الحمد هو حمد الحمد وهو أتمُّ المحامد وأسناها وأعلاها مرتبة؛ لَمَّا كان اللِّواء يجتمع إليه النَّاس لأنَّهُ علامةٌ على مرتبة المُلْكِ ووجود المَلِكِ، كذلك حمد المحامد تجتمع إليه المحامد كلُّها فإنَّه الحمد الصَّحيح الَّذي لا يدخله احتمالٌ ولا يدخل فيه شكٌّ ولا ريبٌ أنَّه حمدٌ لأنَّه لذاته يدلُّ، فهو لواءٌ في نفسه. [ج2ص88]. وقال أيضاً في جوابه على السؤال التاسع والتسعين "ما مبتدأ الحمد": "... وان أراد بالحمد حمد الحمد فمبتدؤه الوهب والمنة وان أراد بمبتدأ الحمد حمد الحق الحمد أو حمد الحق نفسه أو حمد الحق مخلوقاته فالثناء على الثناء بانه ثناء ثناء عليه فمبتدؤه العلم بانه ثناء وان أراد به حمد الحق نفسه فمبتدؤه الهوية فهو غيب لا يظهر أبدا وان أراد به حمد الحق خلقه فمبتدؤه اضافة الخلق اليه تعالى لا إلى غيره وان أراد بالحمد الفاتحة ..." [ج2ص100]. ثم يفصِّل ابن العربي أنواع المحامد ومعانيها في الفصل السادس في الذكر بالتحميد من الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النَّفَس. [ج2ص402].

 

[40] وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء (21): ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)﴾.

 

[41] وذلك من قوله تعالى في سورة ص (38): ﴿... لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... (75)﴾، وقد شرح ابن العربي معنى تشريف الله تعالى لآدم -إذ خلقه بيديه- في الفصِّ الأوّل من كتاب فصوص الحكم، فقال إنّ الله تعالى وصف نفسه بأنّه هو الظاهر والباطن (سورة الحديد: 3) وأوجد فينا عالَم غيب وشهادة لندرك البطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا، ثمَّ وصف نفسه سبحانه بالرضا والغضب وأوجد العالَم ذا خوف ورجاء، ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس، وهكذا، فعبَّر سبحانه عن هاتين الصِّفتين باليدين الَّتين توجّهتا منه عزَّ وجلَّ على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالَم ومفرداته.

 

[42] يخلص من ذلك أنّ سيِّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلَّم هو العمد الذي يقوم عليه الخلق، لأنّه هو روح العالَم، وهو الإنسان الكامل والجوهر الفرد والقلم الأعلى والعقل الأوّل، كما ذكرنا أعلاه.

 

[43] وذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأعراف (7): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)﴾.

 

[44] ورد ذلك في أحاديث صحيحة عديدة، في البخاري ومسلم وغيرهما، وقد أفرد لها الإمام مسلم في ‏صحيحه (في كتاب التوبة) باباً كاملاً سمّاه: باب في سعة رحمة اللهِ تعالى، وأنها سبقت غضبه. ومن هذه الأحاديث الحديث القدسي أنّ اللهُ عَزّ وَجَلّ يقول: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي". أنظر مثلا في صحيح مسلم الحديث رقم 2751، وفي صحيح البخاري الحديث رقم 7554.

 

[45] وذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة النَّحل (16): ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)﴾ (وكذلك في الآية 21 سورة الأنبياء [31] وفي الآية 31 من سورة لقمان [10])، ومن معاني الأرض هنا: البدن، والجبال: العظام، وكذلك من معانيها: الخلق عموما، والجبال: الأوتاد أي الأولياء الأربعة المخصوصين. ولقد تحدّث الشيخ محي الدين عن مراتب الأولياء بالتَّفصيل في الباب الثَّالث والسَّبعين من هذا الكتاب، وللمزيد عن ذلك وعن معنى الأوتاد وعلاقتهم بالجبال راجع أيضاً كتاب شمس المغرب (ص: 101).

 

[46] لعلَّه يقصد بالزمامين الرُّوح والجسم، وما يخصُّهما من الغذاء. والإمامان هما من الأوتاد الأربعة وأحدهما يكون القطب، وقد قال ابن العربي في الباب السبعين ومائتان (في معرفة منزل القطب والإمامين) إنّ القطب يكون اسمه (أي صفته اللازمة) عبد الله وإن كان أبوه قد سمَّاه محمَّدا أو أحمدا، والإمامان كذلك فالإمام الأيسر عبد الملك والإمام الأيمن عبد ربِّهِ، وهما للقطب الوزيران؛ فكان أبو بكر رضي الله عنه عبد الملك وكان عمر رضي الله عنه عبد ربِّه في زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى أن مات صلَّى الله عليه وسلَّم فسُمِّي أبو بكر عبد الله وسُمِّي عمر عبد الملك وسُمِّي الإمام الذي ورث مقام عمر عبد ربِّه ولا يزال الأمر على ذلك إلى يوم القيامة.

 

[47] هذه المقولة: "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، قال بها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله، وقد كانت موضع إنكار العديد من المنتقدين مثل ابن تيمية رحمه الله، وألفت فيها رسائل عديدة منها (تشييد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان) للإمام جلال الدين السُّيوطي، وردَّ عليه برهان الدين البقاعي في رسالة أخرى ثمَّ ردّ عليه السيوطي من جديد. انظر في: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ج8ص399)، وفي: كشف الظنون (ج1ص408، 513).

 

[48] رواه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة عن بريدة، وفي رواية: ولا شيء غيره، وفي رواية ولم يكن شيء قبله. وفي صحيح البخاري (الجزء الثاني، الحديث رقم: 3019، والجزء الرابع، الحديث رقم 6982): كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.

 

[49] وذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة النمل (27): ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾.

 

[50] يقول ابن العربي في الباب الحادي عشر من الفتوحات المكية الذي وضعه بعنوان: "في معرفة آبائنا العلويَّات وأمَّهاتنا السُّفليَّات" إنًّ كلًّ مؤثِّرٍ أبٌ وكلُّ مؤثَّرٍ فيه أمٌّ، ولقد وضع ابن العربي نظريَّةً شاملةً في هذا النِّكاح الرُّوحي أو المعنوي يفسِّر على أساسها بنية العالَم وتركيبه، كما شرحناها في كتاب نظرية الجوهر الفرد؛ فكما أننا نحن جميعاً أبناءَ سيّدنا آدم عليه السلام بالجسد، فنحن أبناءُ سيِّدِنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بالرُّوح، وحتى آدم عليه السلام فهو ابنه بالروح.

 

[51] هل كان مع الله تعالى شيء في الأزل؟

 

[52] الأين هنا هو المكان، وهو المسافة بين الذَّوات، فحتِّى يُعقل الأين لا بدَّ من التعدُّد، ولكن بما أنَّ حقيقة الحقِّ واحدة كان لا بدَّ أن تكون محلاَّ لصفته أو صفاته.

 

[53] لم يرد في الحديث أنّها كانت خرساء، وإن كذلك فقولها هنا يعني إشارتها بيدها أو نحو ذلك؛ لأنَّ القول لا يكون بالضرورة باللسان وذلك بخلاف الكلام الذي لا يكون إلاَّ باللسان، ومثال ذلك إشارة مريم لقومها كما يقول الله تعالى في سورة مريم (19): ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)﴾.

 

[54] أورد الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه (الجزء الأول، الحديث رقم 537) عن معاوية بن الحكم السلمي؛ قال (في حديث طويل): ... وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أُحُد والجوانية (وهي مكان قرب أحد)، فاطَّلعتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكَّة. فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعظُم ذلك عليَّ. قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها: "أين الله؟" قالت: في السَّماء. قال: "من أنا؟" قالت: أنت رسول الله. قال: "اعتقها. فإنها مؤمنة".

 

[55] برج العذراء ويسمى أيضاً برج السنبلة هو البرج الذي بين برج الأسد وبرج الميزان، ويقول ابن العربي في الباب الستّين (ج1ص224) من هذا الكتاب أنّ النَّشأة الإنسانية ظهرت بتقدير العزيز العليم في هذا البرج ومدته سبعة آلاف سنة ثم بعد ذلك ينتقل العالَم لبرج الميزان.

 

[56] ورد في صحيح مسلم (2832) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا". وورد في صحيح ابن حبان (؟؟؟) وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث طويل مشابه لذلك وفيه هذا السوق مافيه بيع ولا شراء إلا الصور من النساء والرجال، فإذا اشتهى أحدنا صورة دخل فيها.

 

[57] وذلك من قوله تعالى في سورة الحجّ (22): ﴿... مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ... (78)﴾.

 

[58] اللُّجين هو معدن الفضّة.

 

[59] أي إلى عيسى عليه السّلام كما ورد في سورة آل عمران (3): ﴿... وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ... (49)﴾، وكذلك في سورة المائدة آية 110.

 

[60] يشير بذلك إلى سيّدنا يوسف عليه السلام وذلك من قوله تعالى في سورة يوسف (12): ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)﴾.

 

[61] الإبريز هو الذهب الخالص.

 

[62] لعلّه يشير إلى سيّدنا داود عليه السّلام، وذلك من قوله تعالى في سورة ص (38): ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ... (26)﴾.

 

[63] وهو موسى عليه السّلام، وذلك من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿... وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)﴾.

 

[64] الإلُّ: الرُّبُوْبِيَّةُ، وقُرْبى الرَّحِمِ، والأصْلُ الجَيِّدُ، والمَعْدِنُ (المحيط في اللغة الصاحب بن عباد الصفحة : 966 ورّاق ؟؟؟)؛ فهي هنا مقام الرُّبوبيَّة. ............... كتاب التنزلات الموصلية

 

[65] المهيع: أي الواسع والواضح، يقول ابن منظور في لسان العرب: هِعْت أَهاعُ هَيْعاً من الحُبِّ والحُزْنِ. وأَرضٌ هَيْعةٌ: واسعةٌ مَبْسوطة، وهاع الشَّيءُ يَهِيع هِياعاً: اتَّسَعَ وانْتَشَر. وطريق مَهْيَعٌ: واضِحٌ واسِعٌ بَيِّنٌ، وجَمْعُه مَهايِعُ.

 

[66] يشير العديد من الباحثين إلى أنَّ هذه الفتوحات المكية ربما في البداية مجرد رسالة موجّهة من الشيخ ابن العربي إلى صاحبه عبد العزيز المهدوي في تونس والَّذي زاره سنة 590/1194 وسنة 597/1201 أثناء قدومه إلى مكَّة، كما اشار إلى ذلك الباحث عثمان يحيى في دراسته في تصنيف كتب الشيخ محي الدين. ولكن ذلك يجافي الحقيقة لأن الشيخ رضي الله عنه أوضح في الباب الأول من الكتاب أنه أخذه عن الروح الذي التقاه اثناء طوافه حول الكعبة المشرفة، لكنه يبدو أنه أضاف هذه الرسالة في خطبة الكتاب، والتي هو نفسه لا يعدها من الكتاب كما أوضح في بدايتها، لما فيها من المناسبة التي يشرح فيها لصاحبة ما حصله في قدومه إلى مكة المكرمة. وللمزيد راجع الدراسة حول الفتوحات المكية في مقدمة هذه الطبعة.

 

[67] المويهة هي الأرض والنويرة هي السماء، وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [41-فصِّلت: 11].

 

[68] وذلك من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [31] قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [32]﴾ [2-البقرة].

 

[69] الحرابة من الحرب وهي التعرّض للنَّاس بالسِّلاح، ويشير بذلك إلى اشتراك الملائكة بالحرب مع المؤمنين ضدَّ الكافرين كما ورد في آيات عديدة مثل قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [8-الأنفال: 9].

 

[70] لعلَّه بذلك يشير إلى شيخه وصاحبه الشيخ أبو عبد الله بن خميس الكناني وهو أيضاً شيخ صاحبه عبد العزيز المهدوي الَّذي وجَّه إليه هذه القصيدة. وللمزيد حول علاقة الشيخ محي الدين بالشيخ الكناني والشيخ المهدوي راجع كتاب شمس المغرب (ص: 166).

 

[71] وهو ما يعرف بمرسى عبدون وهو مكان معروف كان يؤمُّه الصُّوفيَّة ويرابطون فيه. راجع أيضاً كتاب شمس المغرب (ص: 166).

 

[72] وهو عبد الله بن المرابط، وقد صحب الشيخ محي الدين أثناء وجوده في تونس سنة 590/1195.

 

[73] أي تلاميذه أو مريديه، والضمير عائد على الشيخ الكناني، وهذه البنوّة هي البنوّة الروحيّة، حيث كانوا يتحلّقون حوله في تونس في مرسى عبدون.

 

[74] أي عبد العزيز المهدوي وهو صاحبه التونسي كما ذكرناه أعلاه.

 

[75] ضخم الدسيعة أي مجتمع الكتفين وتقال لواسع العطيّة (انظر في لسان العربي لابن منظور: دسع)، والمعنى الثاني هو الأقرب هنا بقرينة ما بعدها.

 

[76] الزمناء: من زمن يزمن زمناً، وهو المرض الذي يدوم زماناً طويلاً؛ ولعلّه يستعيرها هنا بسبب ضعف مشيته.

 

[77] وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿... قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [2-البقرة: 30].

 

[78] وذلك من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [2-البقرةك 31].

 

[79] البذاء: يقول العلاّمة ابن منظور في لسان العرب: »بذأ: بَذَأْتُ الرَّجلَ بَذْءاً: إِذا رأَيْتُ منه حالاً كرِهْتُها. وبَذَأَتْهُ عَيْني تَبْذَؤُهُ بَذاءً وبذاءة: ازْدَرَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، ولم تَقْبَله، ولم تُعْجِبْكَ مَرْآتُه.«

 

[80] وهو الهوى. وللمزيد حول صفات الهوى راجع الفصل الثالث من كتاب سلوك القلب (ص: ؟؟؟)، وهو الفصل الثاني في الطبعة الثانية قيد الإصدار.

 

[81] وهما شهوة البطن وشهوة الفرْج، والأولى أشدُّ وأعتى وهي أساس المعاصي لأنَّ البطن إذا امتلأ تصرَّفت الجوارح في الفضول فوقعت بالمعاصي.

 

[82] توضيح

 

[83] البدلاء فئة من الأولياء مثل الأبدال والأوتاد، وقد تحدَّث عنهم الشيخ محي الدين في الباب السادس عشر وكذلك الباب الثالث والسبعين من هذا الكتاب. والبدلاء هم اثنا عشر نفساً (فقد يكون منهم نساء) في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم غير الأبدال السبعة وسُمُّوا بدلاء لأنَّ الواحد منهم لو لم يوجد الباقون ناب منابهم وقام بما يقوم به جميعُهم؛ فكلُّ واحد منهم في عين الجميع وما على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحدِ.

 

[84] العنقاء طير كانت العرب تزعم وجوده في غرائب أساطيرها فغدت حكايته مضرب مثلٍ لكلِّ من أتى بما لا يعرفه النَّاس. والعنقاء هنا عند ابن العربي ترمز إلى الهباء أو إلى حقيقة الحقائق وهي لا موجودة ولا معدومة، وقد تكلَّمنا عنها في الفصل الأوَّل من كتاب نظرية الجوهر الفرد (ص: ؟؟؟).

 

[85] وفي ذلك إشارة إلى حديث النبي صلَّى لله عليه وسلَّم: "طوبى للغرباء طوبى للغرباء فقيل من الغرباء يا رسول الله قال أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"، انظر في كنز العمال (حديث رقم: 16638).

 

[86] مَجَنَ يَمْجُنُ مُجوناً ومَجَانَةً ومُجْناً؛ يقول ابن منظور في لسان العرب: مَجَنَ الشَّيءُ يَمْجُنُ مُجُوناً إِذا صَلُبَ وغَلُظَ، ومنه اشتقاقُ الماجِن لصلابة وجهه وقلَّة استحيائه... والماجِنُ عند العرب: الذي يرتكب المَقابح المُرْدية والفضائح المُخْزِية، ولا يَمُضُّه عَذْلُ عاذِلِه ولا تَقْريعُ من يُقَرِّعُه. والمَجْنُ: خَلْطُ الجِدِّ بالهزل.

 

[87] لعلَّه يشير هنا إلى الفيلسوف عبد الله بن الكتّاني ولو أنّه من المعروف أنّه التقى به في فاس سنة 591/1195 بعد رحلته الأولى إلى تونس مباشرة، ولكن من غير المستبعد أن يكونا اجتمعا في تونس من قبل. (انظر في شمس المغرب: ص183).

 

[88] السجراء هم الأخلاّء والأصفياء.

 

[89] الخلائق الأولى جمع خُلق والخلائق الثانية جمع خَلق. والغوث هو القطب ولا يكون في الزَّمان إلا واحداً وهو الَّذي ينفرد به الحقُّ ويخلو به دون خلقه، وهو من المقرّبين وهو سيِّد الجماعة في زمانه. ويقول ابن العربي في الباب الثالث والسبعين عن الأقطاب إنَّ منهم من يكون ظاهر الحكم ويحوز الخلافة الظَّاهرة كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ والحسن ومعاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز والمتوكِّل، ومنهم من له الخلافة الباطنة خاصَّة ولا حُكم له في الظَّاهر كأحمد بن هارون الرَّشيد السَّبتي وكأبي يزيد البسطامي؛ وأكثر الأقطاب لا حكم لهم في الظَّاهر. راجع أيضاً شمس المغرب (ص: ؟؟؟).

 

[90] لعلَّه يقصد بالعبيد الصُّمِّ الَّذين لا يستمعون إلى وساوس الشَّيطان والنَّفس فلا يرون فضلاً لأنفسهم في الطاعات وعمل الخير فلا يطلبون أجراً على ذلك، وذلك بعكس العبيد الأجراء الَّذين يعملون رغبةً فيما عند الله تعالى من الأجر والثَّواب.

 

[91] الشَّرْيُ هو الحنظل، والأَرْيُ هو عمل النحل وهو العسل؛ فيقال في الشَّيء الَّذي له طعمان: أري وشري. والحِباءُ هو ما يَحْبُو به الرَّجلُ صاحَبه ويكرمه به، وهو من الاحْتباءِ، ويقال فيه أيضاً الحُباءُ بضم الحاء.

 

[92] أي محيي قلوب الأولياء، كونه هو القطب الغوث. ولقد سمعت فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب من علماء دمشق الأفاضل يقول عن شيخه فضيلة الشيخ أحمد أمين كفتارو رحمه الله تعالى وهو إمام الطريقة النقشبنديَّة في الشَّام، يقول: "أنا صيرفيُّ الأولياء، أحكُّ النَّاس على محكِّي، فمنهم بهرجٌ لا خير فيه، ومنهم من يُزكَّى، ومثلي من يزكِّي." والبهرج هو الدرهم الزائف الملبَّس بالفضَّة.

 

[93] الأفياء هي الظلال، ويشير هنا إلى قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [45] ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [46]﴾ [-الفرقان]، وقد تكلّمنا عن معاني هذه الآيات ببعض التفصيل في كتاب أيَّام الله: (ص: ؟؟؟).

 

[94] الصَّهباء هو الماء، ويشير هنا إلى قول الجنيد (وهو أبو القاسم الخرَّاز، توفي 298/910، ويلقب بسيِّد الطائفة) عندما سئل عن المعرفة فقال: "لون الماء لون إنائه". وهذه العبارة يستشهد بها ابن العربي كثيراً في كتبه، وقد نقلها عنه القشيري في رسالته في الباب التاسع والأربعين: في معرفة الله (ص 515).

 

[95] الذكاء هنا الشمس، وهو يشير إلى الآية الكريمة:

 

[96] يشير بذلك إلى الخلق الجديد، وهو مبدأ أساسي عند ابن العربي عند ابن العربي وقد بنينا عليه نظرية الجوهر الفرد وهو يعتمد على قوله تعالى: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [50-ق: 15]، وسوف نتكلَّم عن هذا المبدأ في هذا الكتاب كثيراً كلَّما دعت الحاجة إليه وكلَّما أشار إليه ابن العربي.

 

[97] أي حقائق الحقّ والخلق، وهي لا تجتمع إلاّ في الإنسان الكامل.

 

[98] يرجع الشكر إلى برج العذراء، وهو برج السنبلة الذي كان فيه وجود الجنس البشري كما ذكرنا أعلاه.

 

[99] إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [31-لقمان: 14]، ولكنّه هنا يحملها على الأبوّة الروحيّة كما سيشرح في الباب الحادي عشر: في معرفة آبائنا العلويات وأمهاتنا السفليات. وللمزيد عن معنى الأبوّة الرّوحيّة انظر أيضاً في شمس المغرب: (ص: ؟؟؟)، وفي أيَّام الله: (ص: ؟؟؟).

 

[100] حمد الحمد: مرّ تعريفه أعلاه، وقلنا أنّه هو أتمُّ المحامد وأسناها وأعلاها مرتبة.

 

[101] العَيْبَة وعاء يوضع فيه المتاع، والجمع عِيَابٌ وعِيَبٌ ويقول ابن منظور إنّ العرب تَكني بالعِـيَابِ عن الصُّدُور والقُلُوب الَّتي تَحْتوي على الضَّمائر الـمُخْفاةِ، وذلك أَنَّ الرَّجلَ إِنما يَضَعُ في عَيْبَته حُرَّ مَتاعِه، وصَوْنَ ثيابه، ويَكتُم في صَدْرِه أَخَصَّ أَسراره الَّتي لا يُحِبُّ شُيوعَها، فسُمِّيت الصدور والقلوبُ عِـياباً، تشبيهاً بعِـيابِ الثياب. وهذا هو المعنى الذي يقصده ابن العربي هنا.

 

[102] لقد ذكرنا أعلاه أنّ الإلَّ: الرُّبُوْبِيَّةُ، وقُرْبى الرَّحِمِ، والأصْلُ الجَيِّدُ، والمَعْدِنُ؛ فهي هنا بمعنى الأصل الجيِّد.

 

[103] هو كتاب الإسرا إلى المقام الأسرى، ويسمى أيضاً كتاب المعراج، وقد كتبه ابن العربي بعد رحلته الأولى إلى تونس سنة 590/1195. وقد طبع هذا الكتاب مرّات عديدة كان أفضلها تحقيق الدكتورة سعاد الحكيم له: (الإسرا إلى المقام الأسرى (كتاب المعراج)، تحقيق سعاد الحكيم، دار دندرة-بيروت، 1988.).

 

[104] لعلَّه يقصد بذلك الذَّات والسبع الصِّفات الأمَّهات، وهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام. للمزيد عن ذلك راجع الفصل الثالث من كتاب نظرية الجوهر الفرد.

 

[105] أي الأجسام

 

[106] أي كان فانياً بربِّه عن نفسه.

 

[107] هو نفسه الشيخ أبو عبد الله بن خميس الكناني الذي ذكرناه أعلاه.

 

[108] هكذا هي في المخطوطة، ولعّلها: علانية، أو على نيّة كذا.

 

[109] يشير بذلك إلى رسالة الدرة الفاخرة ورسالة روح القدس.

 

[110] وذلك في شهر شوال 597 وبقي عنده حتى شهر رجب 598، وذلك أثناء سفر ابن العربي إلى المشرق وقصده الحج.

 

[111] والفرق بين المنزل والمنازلات ما نبينه لك وذلك أن المنزل عبارة عن المقام الذي ينزل الحق فيه إليك أو تنزل أنت فيه عليه ولتعلم الفرق بين إليك وعليه والمنازلة أن يريد هو النزول إليك ويجعل في قلبك طلب النزول عليه فتتحرك الهمة حركة روحانية لطيفة للنزول عليه فيقع الاجتماع به بين نزولين نزول منك عليه قبل أن تبلغ المنزل ونزول منه إليك أي توجه اسم إلهيّ قبل أن يبلغ المنزل فوقوع هذا الاجتماع في غير المنزلين يسمى منازلة (ج2ص577-578).

 

[112] وعبد الله بدر الحبشي كان عبداً عند أبي الفتوح الحرّاني ثمَّ أطلقه فالتزم مع الشيخ محي الدين جميع حياته حتى توفي في ملطية من بلاد الروم (تركيا)، وللمزيد عن عبد الله بدر الحبشي وعلاقته بابن العربي انظر في شمس المغرب (ص: 206).

 

[113] جمعها سبحات: أي أَنوار وجهه وجلالُه وعظمتُه، وقد ذكرنا معناها وأصلها أعلاه.

 

[114] ..

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





السلوك إذا كان به أو فيه أو منه أو إليه لا يعوَّل عليه، فإذ جمع الكل عول عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!