معنى الرابطة

معنى الرابطة

من كتاب السعادة في طريق العبادة - سير ومناقب رجال الطريقة النقشبندية (قيد الطبع)، جمع وإعداد: محمد حاج يوسف

يقول ربُّنا سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [119]﴾، ويقول نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم في معرض إجابته عن الساعة: «المَرْءُ معَ مَنْ أَحَبّ»،[1] ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أيضاً: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ.»[2] فالرابطةُ هي العلاقةُ الوثيقةُ بين المترابِطَيْن، كالصداقة التي تربط بين الأصدقاء، والمحبَّة التي تربط بين المتحابِّين، والتعليم والتربية بين الأستاذ والتلميذ. فهي الواسطة التي يتمُّ من خلالها التأثير والتلقِّي لأنّها هي التي تجذب الراغبَ إلى المرغوب، والطالبَ إلى المطلوب، والمحبَّ إلى المحبوب، وبدونها لا يمكن للأب أو الأستاذ، مثلاً، أن يُهذِّب أبناءه ويُربِّيهم ويُؤدِّبهم ويَزرع فيهم محاسن الأخلاق والفضائل، لأنَّ تعاليمه وتوجيهاته لن يكون لها منزلة في قلوبهم وتأثير على نفوسهم، إذا لم يكونوا مرتبطين به.

 

 

فكلَّما كانت الرابطة أمتن وأوثق كان التأثير أقوى وأصدق، وكلَّما تعلَّق القلب بأهل الفضائل الحميدة والأخلاق الكريمة، انجذب إليهم؛ فتراه لا يفارق مجالسهم، يستمع إلى كلامهم ويتأدّب بآدابهم، وترى صورهم لا تفارق خياله، وذكرهم لا يفارق لسانه، فيسير على مناهجهم ويقتفي آثارهم، ويتخلّى عن العلائق الدنيوية والروابط الأخرى التي تُبعده عنهم، إلى أن تتحلّى نفسه بأخلاقهم، وتتلوّن بصفاتهم، وتنصبغ روحه بصبغتهم، بل وتتجلّى صورهم على وجهه وحركاتهم على جسمه؛ فلا يزال مع هؤلاء الصادقين حتى يصبح هو نفسه من الصادقين المخلصين، وهذا هو الهدف العظيم الذي يستحق من الإنسان أن يبذل كلَّ شيءٍ في سبيله.

 

اِرْبِطْ فُؤَادَكَ بِالحَبِيبِ الُمتَّصِلْ *** فَالحُبُّ رَابِطَةُ الْكِرَامِ مِنَ الْأَزَلْ
وَرِثُوْا بِهَا الْأَخْلاَقَ مِنْ خَيْرِ الْوَرَى *** مُحَمَّدٍ بَدْرِ الْجَمَالِ المُكْتَمِلْ
وَوَرَّثُوهَا لِلْمُرِيدِ لِيَقْتَفِي *** آثَارَ مَنْ ضَرَبُوا لَنَا خَيْرَ المُثُلْ
الصَّادِقِينَ المُخْلِصِينَ لِرَبِّهِمْ *** الذَّاكِرِينَ اللهَ مِنْ غَيْرِ مَلَلْ
إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ فَكُنْ مَعَهُمْ لِكَيْ *** تَرْقَى بِصُحْبَتِهِمْ وَتَتْرُكَ مَنْ نَزَلْ
فَالْحُبُّ مِفْتَاحُ الْوُصُولِ إِلى الْعُلَى *** وَبِهِ يُدَاوَى الْقَلْبُ مِنْ كُلِّ العِلَلْ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْحُبَّ في الله طَرِيـ *** ـقٌ سَنَّهُ فِي دِينِنَا خَتْمُ الرُّسُلْ
هٰذَا الطَّرِيقُ فَلاَ تُضِعْ فِي اللَّهْـ *** ـوِ وَقْتَكَ بِالسَّفَاسِفِ مُنْشَغِلْ
فَإِذَا سَلَكْتَ عَلَى الطَّرِيقَةِ فَامْتَثِلْ *** وَإِذَا طَلَبْتَ الْعِلْمَ بَادِرْ بِالْعَمَلْ
مَاذَا يُفِيدُكَ إِنْ عَرَفْتَ النَّحْلَ كَيْـ *** ـفَ يَصُوغُهُ إِنْ لَمْ تَذُقْ طَعْمَ الْعَسَلْ
هٰذَا وَإِنْ ذُقْتَ عَرَفْتَ، وَإِنْ عَرَفْـ *** ـتَ سَتَغْتَرِفْ، فَلا تَكُنْ مِمَّنْ جَهِلْ
وَلاَ تَكُنْ مِثْلَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا *** طَالَ الزَّمَانُ بِهِمْ وَغَرَّهُمُ الْأَمَلْ
بَلْ كُنْ كَمِثْلِ النَّحْلِ يَقْضِـيْ عُمْرَهُ *** بَيْنَ الزُّهُورِ وَكُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلْ
وَاصْبِرْ إِذَا طَالَ الطَّرِيقُ وَأَظْلَمَتْ *** فَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْوُجُودِ لَهُ أَجَلْ
لَا تَيْأَسَنْ وَاصْبِرْ فَمَنْ لَجَّ وَلَجْ *** وَإِنَّ مَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلْ

 

فالله سبحانه وتعالى، وهو الحكيم العليم، الذي يعلم حقيقة الصدق وشرف مرتبته، ويعلم طبيعة النفس وصعوبة تربيتها وتقويمها، يعلم أنّه لا يمكن للمرء أن يصل إلى غاية الصدق والإخلاص من غير صحبة الصادقين المخلصين، لأنّ ارتباطه بهم ومداومة صحبته لهم لا تزال تؤثِّر فيه شيئاً فشيئاً حتى يصبح الصدق صفة لازمة له لا يمكن أن يحيد عنها، فلذلك لم يقل سبحانه وتعالى "كونوا مِنَ الصادقين"، مع أنَّ هذا هو الهدف وهذه هي الغاية، بل قال «كونوا مَعَ الصادقين»، لأنَّ ذلك هو السبيل الصحيح الذي يوصل إلى هذه الغاية العظيمة والمرتبة الشريفة الرفيعة.

 

ولا تخلو حياة المرء في مجتمعه من روابط كثيرة بينه وبين باقي الأفراد، بل لابدَّ للمرء من رابطة ما تربطه مع كلِّ شيءٍ في الحياة، إمَّا سلباً أو إيجاباً؛ فتراه يحبُّ أشياء ويكره أشياء أخرى، ويميل إلى مواضع وينفر من مواضع أخرى، ويرتاح إلى أناس وينقبض من أناس آخرين؛ لِما يجمع أو يفرِّق بينه وبينهم من ظروف أو مناسبات وأسباب كثيرة.

 

تختلف هذه الروابط بحسب مراحل العمر؛ فالطفل تدفعه رغبته في اللعب إلى التعلُّق بالدمى فيقضي أوقاته في اللهو معها، حتى تملأ خياله ويراها في منامه، والشاب يتعلَّق بأصدقائه مثلاً، وقد ينشغل بهم عن الطعام وعن الدراسة، ويُفضِّلهم على أهله؛ فكلُّ واحدٍ تدفعه في كلِّ مرحلة من حياته روابط مختلفة، وقد تستحوذ رابطة معيَّنة على مجاميع قلبه، وتشغل فؤاده، فيقضي من أجلها جلَّ وقته ويصرف عليها كلَّ ماله، كمن يهوى جمع الطوابع أو العملات أو ما شابه ذلك.

 

وهذه الروابط الكثيرة تتفرَّع وتتشعَّب بحسب ميول الشخص وبحسب البيئة التي يوجد فيها، ولكنَّها في النهاية تنبثق من أصول معدودة هي التي تشكِّل شخصيَّته وطبيعته النفسانية والروحانية. فعلى سبيل المثال ترى طالب العلم يجتنب اللغو ويحبُّ الخلوة والتفكُّر، ولا يهتمُّ باللهو بل يقضي وقته في قراءة الكتب والاستماع إلى العلماء؛ يجمعه على هذه الأخلاق الحميدة حبُّه للعلم والمعرفة، ولكن قد تُفرِّقه بعض العادات السيِّئة فتبعده عن أهدافه، وقد تثنيه عنها وتؤدِّي به إلى الفشل، بعد أن تلهيه في سفاسف الأمور، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا»[3].

 

فلا يمكن للمرء الذي تتنازعه روابط مختلفة ومتفرِّقة أن يبلغ المعالي، بل يجب عليه توحيد أهدافه وتوجيهها نحو هدف واحد يستحقُّ أن يُمضي عمره سعياً في الوصول إليه. وكلَّما كان الهدف عظيماً بعدت المسافة وتكاثرت المخاطر، وصار لزاماً عليه أن يتَّخذَ دليلاً يأخذ بيديه على هذا الطريق الطويل. عندئذٍ تكون الرابطة مع هذا الدليل، دون أن ينسى الهدف الأساسي الذي يسعى إليه.

 

وكما هو الحال في أيِّ مهنة، يستطيع الإنسان أن يعمل في أيِّ مجال يشاء، ولكنَّه لا يمكن أن يُتقن المهنة بكمال أصولها وفروعها إلا إذا تدرَّب لسنوات عديدة على يدي ما يُسمَّى في العرف الشعبي بـ"شيخ المهنة"، ويُسمَّى في العلم الحديث بـ"الخبير"، الذي يتولّى تعليمه وتدريبه إلى أن يتقن هذه المهنة ويصبح من أربابها، وقد يستغرقه الأمر سنوات طويلة، ولا يمكنه في النهاية تعلُّم أصول المهنة إن لم يكن صادقاً ومخلصاً ومتفرِّغاً إلى هذا الهدف العظيم الذي كرَّس نفسه من أجله.

 

وليس هناك في الحياة هدف أعظم وأشرف من أن يكون المرء عبداً خالصاً مخلصاً لله سبحانه وتعالى، فهذا هو غاية الكمال الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان، وهذا هو الهدف الذي خُلقنا من أجله، كما يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [56]﴾. وكلُّنا في الحقيقة عبيد لله، شئنا أم أبينا، ولكن مَن منّا يُتقن هذه "المهنة" العظيمة التي شرَّفنا الله بها؟ فإنَّ للعبوديَّة آداباً لطيفة وأسراراً دقيقة لا يُدركها أكثر الناس، كما أنّ النفس البشريَّة بطبيعتها تميل إلى الشهوات والملذّات الدنيوية المحرَّمة أو المكروهة في الشرع الإسلامي، والتي تُبعدها شيئاً فشيئاً عن المسار الصحيح للعبوديَّة، مما يستدعي تقويمها وتربيتها وترويضها بطرق لطيفة ودقيقة تحتاج إلى قدرات نفسانية وروحانية لا يمتلكها إلا القليل من الشيوخ.

 

فكما لا يمكن إتقان مهنة النجارة إلا على يدي نجّار أتقن هذه المهنة من قبل، ولا يمكن أن يصبح المرء طبيباً إلا إذا درس الطبَّ على أيدي الأطباء المختصين، ولا يمكن أن يقود الطائرة إلا من تدرَّب عند طيارٍ خبير، كذلك لا يمكن أن نُتقن فنَّ العبوديَّة إلا عند عبدٍ من عباد الله أتقن آداب العبودية وتعلَّم أسرارها وخفاياها وقضى حياته مخلصاً في عبادة الله سبحانه وتعالى وخدمة دينه، وهو الشيخ المرشد المربِّي الذي سلك هذا الطريق على يدي شيوخه الأكابر إلى أن شهدوا له بالكمال وأذنوا له بإرشاد الناس وتزكية النفوس وتربيتها.

 

ولكن كيف يستطيع الشيخ أن يربِّي المريد إذا لم يكن هذا المريد مرتبطاً به ارتباطاً صادقاً مخلصاً ليس له هدفٌ غير الله سبحانه وتعالى، بحيث تدفعه هذه الرابطة إلى مراقبة شيخه في السرِّ والعلانية، أثناء حضوره معه أو في حالة غيابه عنه، فيفعل ما يرضيه، ويبتعد عن كلِّ ما يغضبه، ويتأدَّب بآدابه ويتخلَّق بأخلاقه، وجميع ذلك لابدَّ أن يتوافق مع السنَّة النبويَّة الشريفة إذ إنَّ من شرط الشيخ المرشد المربِّي أن يكون سلوكه على القرآن الكريم وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

فالرابطة في اصطلاح علماء التزكية توجُّهٌ وصِلةٌ روحانية تربط المريد بشيخه المرشد المربِّي، وهي تتحقَّق من خلال تخيُّل المريد صورة شيخه، وتَمثُّل صفاته وأخلاقه، ومراقبته في قلبه، من كونه هو مرشده ودليله إلى طريق الله، ومن كون الشيخ المرشد الكامل الوارث المحمَّدي هو محبوب الله سبحانه وتعالى، فمحبَّته له فرعٌ من محبَّته لله، وبالتالي فإنَّ رابطة المريد بشيخه واستحضار صورته في مخيِّلته تؤدي إلى التأدُّب الروحاني الذي يحمل المريد على الحضور وتفريغ القلب إلى ذكر الله والإعراض عن الخواطر والصور الدنيوية، لأنَّ تصوُّره لشيخه يحمله على التفكُّر في عظمة الله والشوق إلى محبته ولقاءه.

 

وقد قال بالرابطة العديد من الأئمة كالإمام محمد الغزالي في الإحياء،[4] والعلامة الشهاب بن حجر المكي في شرح العباد،[5] والحافظ جلال الدين السيوطي في رسالة تنوير الحُلُك،[6] في حين انتقدها بعض العلماء معتقدين أنها ربما تؤدي إلى الشرك. ولكنَّ الشيخ إبن تيمية قد أقرَّها بشكل غير مباشر في فتاويه حيث يقول: «فإنَّك إذا أحببت الشخصَ لله كان اللهُ هو المحبوبُ لذاته، فكلَّما تصوَّرتَهُ في قلبك تصوَّرتَ محبوبَ الحق فأحببته فازداد حبُّك لله. كما إذا ذكرت النبيَّ صلى الله عليه وسلم والأنبياءَ قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين، وتصوَّرتهم في قلبك، فإنَّ ذلك يجذب قلبك إلى محبَّة الله المنعم عليهم وبهم، إذا كُنت تحبُّهم لله؛ فالمحبوبُ لله يَجذبُ إلى محبة الله، والمحبُّ لله إذا أحبَّ شخصاً لله، فإنَّ الله هو محبوبُه، فهو يحبُّ أن يجذبه إلى الله تعالى، وكلٌّ من المحبِّ لله والمحبوبِ لله يجذبُ إلى الله.»[7] فهذه الشهادة من الشيخ ابن تيمية هي نفسها معنى الرابطة التي يقول بها الصوفيَّة والتي ينكرها عليهم بعض العلماء الذين يستندون إلى فتاوي الشيخ ابن تيمية نفسه.

 

ولكنَّ المنكرين للرابطة يعتقدون أنّها توقع في الشرك لأنَّهم يظنُّون أنَّ المريد يتوجه إلى الشيخ لذاته، وليس كوسيلة تُقرِّبه من الله سبحانه وتعالى الذي يقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [35]﴾. من أجل ذلك يؤكِّد فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي، حفظه الله، أنَّ تخيُّل صورة الشيخ والرابطة معه ليست غاية في حدِّ ذاتها، إنما هي وسيلة تساعد على طرد الخواطر وتسهيل وصول المريد للحضور في الذكر، والرابطة الحقيقيَّة هي مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، الذي جاءنا بهذا الدين الحنيف وهو وسيلتنا لمعرفة الله سبحانه وتعالى، ولكن لمَّا كان المريد لا يمكنه تخيُّل صورة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فمن الأفضل والأيسر له توثيق رابطته بشيخه الذي يسير على سنَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. فالمريد مبتدئ في الطريق، فهو كالطفل في أوّل عمره يجب أولاً أن يتغذَّى على الحليب فترة طويلة حتى يتقوَّى وتستطيع معدته هضم الطعام، ثمَّ بعد ذلك يمكن أن نقدِّم له الغذاء الدسم بالتدريج.

 

كذلك يقول الإمام عبد الوهاب الشّعراني إنَّ من آداب الذّكر أن يستمدَّ الذاكر عندَ شُروعِهِ في الذّكرِ بهمّةِ شيخِه، بأن يُشَخِّصَهُ بين عينيه ويستمدَّ من همَّته، ليكون رفيقه في السّير، وأن يرى اِستِمْداده من شيخِه هو اِستِمْداده حقيقةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه واسطة بينه وبينه.[8]

 

فالرابطة أدب من آداب الذكر وقاعدة مهمة عند أهل التزكية، وهي ركن من أركان السلوك والتربية في الطريقة النقشبندية، وإذا داوم عليها المريد وأتقنها لا يلبث أن يرى نتائجها وفوائدها على حياته وسلوكه بحيث تُصبح صحبته الظاهرة للشيخ مستمرَّة أثناء غيابه، فيصبح حضوره مع الشيخ وغيابه عنه سواء، ويخرج الأمر من التصوُّر والخيال إلى الحضور والاتصال.

 

ويقول فضيلة الشيخ رمضان t عن الرابطة في شرحه لكتاب "في ذكر الرحمن": «إن الرابطة في حقيقتها هي كمال المحبة وحسن الاتباع، والالتزام بالعهد الذي قام بين الشيخ والمريد، وتحليل الحلال وتحريم الحرام، والإكثار من الذكر والطاعة بقدر الاستطاعة، فعندما يلتزم المريد ببنود العهد تقوى العلاقة بينه وبين الشيخ وإن لم يستحضر صورة الشيخ. وما فائدة أن يستحضر المريد صورة الشيخ في كلِّ لحظة وهو ناقض لعهده، مخالف لشيخه ولدينه؟»، ويقول أيضاً: «الرابطة بين المريد وشيخه تجمع بين الحبِّ والاقتداء والتعلق، وهي من نظام الله الطبيعي في كونه.»، وكذلك يقول t: «إن الرابطة التي تعني تصوُّر الشيخ يجب أن تكون منفصلة عن الذكر؛ لأن هذا أسلم للعقيدة، وأبعد عن كلِّ رَيب وشبهة، ولا تكون بعد الشروع في الذكر، ولكن يمكن للمريد أن يتخيل شيخه عندما يشعر بغفلته عن الله، أو عندما ينظر نظرات غير مشروعة، ويتكلم بكلمات تتنافى مع تعاليم الدين الحنيف، فيتخيل صورة شيخه، ليتذكر مكارم الأخلاق التي يتمسك بها الشيخ، فيقتدي به ليصل إلى تلك المكارم، فلا يستطيع أن يقوم بأمر لا يرضي الله سبحانه وتعالى؛ لأنه عاهد الله أمام شيخه ألا يعصي الله أبداً.»

 

================

 

[1] هذا الحديث رواه أحمد في مسنده عن ثَابِتٍ البناني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، بَعْدَ الإِسْلاَمِ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. رواه أحمد (13419 و13886)، وعَبْد بن حُمَيْد (1296)، ومُسْلم (7520).

 

[2] هذا الحديث رواه أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُرَاسَانِيّ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

 

[3] هذا الحديث رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج8 ص191)، عن الحسين بن علي بن أبي طالب y، وفيه خالد بن إلياس ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وبقية رجاله ثقات‏، وقال عنه الألباني في صحيح الجامع (1886): "صحيح، إلاّ أن في سنده خالد بن إلياس، قال فيه الحافظ في التقريب: متروك الحديث".

 

[4] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار القلم – بيروت، ط3، ج1ص 154.

 

[5] الشيخ محمد الكسنزان، الأنوار الرحمانية، ص47.

 

[6] جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي، دار الكتب العلمية – بيروت، 1982م، ج 2، رسالة تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك.

 

[7] انظر في: مجموع الفتاوى، ابن تيمية الحراني، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد - المدينة المنوَّرة، 1416هـ/1995م، ج10ص 608. وانظر كذلك في: الزهد والورع والعبادة، ابن تيمية الحراني، تحقيق حماد سلامة ومحمد عويضة، مكتبة المنار – الأردن، 1407هـ، ص45.

 

[8] انظر في: الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، طبعة جوامع الكلم، ص23.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





الغيرة في الأحوال لا يعوَّل عليها، وأما في المقامات فيعوَّل عليها.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!