مناسبة تأليف الفتوحات المكية

مناسبة تأليف الفتوحات المكية

يقول الشيخ محي الدين في الباب الأول "في معرفة الروح الذي أخذت من تفصيل نشأته ما سطرته في هذا الكتاب وما كان بيني وبينه من الأسرار" إنه بينما كان يطوف حول الكعبة إذ لقي وهو عند الحجر الأسود "الفتى الفائت، المتكلم الصامت، الذي ليس بحيٍّ ولا مائت، المركَّب البسيط، المُحاط المُحيط"، فيقول إنه عندما أبصره يطوف بالبيت عرف حقيقته وأطلعه الله على منزلته، وأنه منزّه عن الزمان والمكان.

 

ثم يضيف:

فلما عرفت منزلته وإنزاله، وعاينت مكانته من الوجود وأحواله، قبّلت يمينه، ومسحت من عرق الوحي جبينه، وقلت له: انظر من طلب مجالستك، ورغب في مؤانستك، فأشار إليّ إيماءً ولغزاً، أنه فُطر على أن لا يكلّم أحداً إلا رمزاً، وأن رمزي إذا علمته وتحققته وفهمته علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء.

فقال له الشيخ محي الدين:

عرّفني باصطلاحك، وأوقفني على كيفيّة حركات مفتاحك، فإني أريد مسامرتك، وأحبُّ مصاهرتك.

وبعد أن كشف له هذا الروح عن رمزه قال له الشيخ محي الدين:

أطلعني على بعض أسرارك، حتى أكون من جملة أحبارك.

فقال له:

انظر في تفاصيل نشأتي، وفي ترتيب هيأتي، تجد ما سألتني عنه فيّ مرقوماً، فإني لا أكون مكلِّماً ولا كليماً، فليس علمي بسواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي، فأنا العلم والمعلوم والعليم، وأنا الحكمة والمُحكَم والحكيم.

ثم قال له:

طُف على أثري، وانظر إليّ بنور قمري، حتى تأخذ من نشأتي ما تسطره في كتابك، وتمليه على كتّابك، وعرفني ما أشهدك الحق في طوافك من اللطائف، مما لا يشهده كل طائف، حتى أعرف همّتك ومعناك، فأذكرك على ما علمت منك هناك.

ثم ذكر الشيخ رضي الله عنه تكملة حديثه مع هذا الروح وما استفاد منه وأفاده من العلم في هذا الباب الأول من الفتوحات المكية، وبعد ذلك شرع في الأبواب الأخرى التي بلغت 560 باباً من العلوم والمعارف الرفيعة التي أودعها في هذا الكتاب.

أشار الباحث عثمان يحيى في دراسته في تصنيف كتب الشيخ محي الدين، وتبعه في ذلك العديد من الباحثين، إلى أنَّ الفتوحات المكية (عي 135) ربما كانت في البداية مجرد رسالة بسيطة بعث بها الشيخ محي الدين ابن العربي إلى صاحبه عبد العزيز المهدوي في تونس الَّذي زاره سنة 590 ه / 1194 م عندما خرج من الأندلس للمرة الأولى، وسنة 597 ه / 1201 م في طريق رحلته إلى الحج وقدومه إلى مكَّة المكرَّمة! ولكن ذلك يجافي الحقيقة لأن الشيخ رضي الله عنه أوضح في الباب الأول من الكتاب أنه أخذ هذا الكتاب، بجميع أبوابه وفصوله وفقراته وترتيبه، عن الفتى الفائت، وهو الروح الذي التقاه أثناء طوافه حول الكعبة المشرفة، كما بيَّنَّا أعلاه. ويبدو أن الشيخ أضاف رسالته إلى صديقه المهدوي في خطبة الكتاب، لما فيها من المناسبة التي يشرح فيها لصاحبة ما حصَّله في قدومه إلى مكة المكرمة، وهو نفسه لا يعدُّها جزءاً من الكتاب، كما أوضح بشكل صريح في بدايتها: "وقد انتهت مُقدِّمةُ الكتاب، وهي عليه كالعَلاوَة، فمَن شاءَ كَتَبَها فيه ومَن شاءَ تَرَكَها".

هناك سبب آخر لعلّه هو ما دعى عثمان يحيى للقول إن الفتوحات المكية ربما كانت في البداية رسالة بسيطة، وهو أنَّ الشيخ نفسه سماها رسالة إذ يقول في مقدمته:

أقام الله في خاطري أن أعرِّفَ الولي أبقاه الله بفنون من المعارف حصلتها في غيبتي ... فقيَّدتُ له هذه الرسالة اليتيمة التي أوجدها الحق لأعراض الجهل تميمة ... وسميتها:

رسالة الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية

إذ كان الأغلب فيما أودعت هذه الرسالة ما فتح الله به عليَّ عند طوافي ببيته المكرَّم، أو قعودي مراقباً له بحرمه الشريف المعظَّم، وجعلتها أبواباً شريفه وأودعتها المعاني اللطيفه؛ فإن الإنسان لا تسهل عليه شدائد البداية إلا إذا عرف شرف الغاية، ولاسيما إن ذاق من ذلك عذوبة الجنى، ووقع منه بموقع المنى، فإذا حصر البابَ البصرُ تردد عليه عين بصيرة الحكيم فنظر، فاستخرج اللآلئ والدرر، ... فلنقدم قبل الشروع في الكلام على أبواب هذا الكتاب باباً في فهرست أبوابه، ثم أتلوه بمقدمة في تمهيد ما يتضمنه هذا الكتاب من العلوم الإلهية الأسرارية، وعلى أثرها يكون الكلام على الأبواب على حسب ترتيبها في باب الفهرست، إن شاء الله تعالى.

والحقيقة أنَّ كلمة رسالة أو كتاب بالنسبة للشيخ محي الدين لا تدل على حجم المصنف؛ فهناك رسائل كبيرة مثل رسالة روح القدس، وهناك كتب صغيرة لا تتعدى بضعة صفحات مثل كتاب الأزل، ولكن بما أنَّه أرسلها إلى صاحبه، أو لعلَّه أرسل جزءًا منها كالمقدمة، فلذلك سماها رسالة. كما أنَّ الشيخ في هذا النص نفسه يحدد بشكل واضح أنه قسم هذه الرسالة إلى أبواب ليسهل على القارئ حصر محتوياتها، ثم تلا ذلك بجزء فيه فهرست الأبواب التي بلغ عددها خمسمائة وستين باباً، وهي نفسها التي فصَّلها داخل الكتاب دون أي تغيير، فكيف تكون إذاً رسالة بسيطة!

كذلك ذكرنا أنَّ الشيخ رضي الله عنه يؤكد في الباب الثاني من الفتوحات أن تأليفه هذا الكتاب وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا يجري هو فيه مجرى المؤلفين؛ وذلك أنه لا يختار ما يقول وما يرتب ويصنّف؛ وإنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كل علم، لو سئلت في ذلك المقام عن شيءٍ ما سمعت، لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمرٌ ما بادرت لامتثاله وألّفتْه على حسب ما يُحدّ لها في الأمر. ولذلك فقد يضع بعض الأمور بغير ترتيب منطقي واضح ولا مناسبة ظاهرة، ولكن يكون هناك مناسبة خفيّة لا يشعر بها إلا أهل الكشف، وكذلك قد يُلقى إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت، لحكمة إلهية غابت عن الخلق. ثم يضيف رضي الله عنه فيقول:

فشتّان بين مؤلف يقول: "حدثني فلان رحمه الله عن فلان رحمه الله"، وبين من يقول: "حدثني قلبي عن ربي"، وإن كان هذا رفيع القدر فشتان بينه وبين من يقول: "حدثني ربي عن ربي"، أي حدثني ربي عن نفسه.

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





كل خرق عادة يكون عن استقامة أو تنتج استقامة فهي كرامة وإلا فل يعوَّل عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!