دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - مقدّمة

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - مقدّمة

 

 

 يرجى قراءة هذه المقدمة أولا ثم قراءة الأدلة هنا:

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الأول

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الثاني إلى الدليل الثامن

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل التاسع

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل العاشر إلى الدليل الثاني عشر

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الثالث عشر إلى الدليل السادس عشر

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل السابع عشر إلى الدليل العشرين

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الحادي والعشرين إلى الدليل الخامس العشرين

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الحكمة من غموض إيمان فرعون

 

المقدمة

على الرُّغم من أنّ أكثر الناس لا يشكّكون بكفر فرعون وموته على الضلال، إلاّ أنّ الموضوع ليس بهذه السهولة والوضوح بل يحتاج لوقفات تأمّليّة عميقة في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتعلق بهذا الموضوع. وكما أسلفنا في المقدّمة فعلى الرُّغم من أنّنا قد لا نستطيع أن نجزم أنّ الله تعالى قد قبِل إيمان فرعون الذي نطق به قُبيل غرقه، ولكنّنا لا نستطيع أيضاً أن نجزم بعكس ذلك. أمّا إذا أردنا أن ندرس الموضوع من الجوانب اللغويّة من خلال ما ورد في ظاهر الآيات القرآنيّة فإنّ الإنسان المنصف لا شكّ يرجّح صحّة إيمان فرعون وقبوله عند الله تعالى، وذلك على عكس النظرة الشائعة والمتسرّعة التي يتبنّاها عامّة المسلمين وأكثر علمائهم؛ هذه النظرة التي تنطلق من المواقف والصِّفات الطَّبيعيّة البشريّة التي قال فيها الله تعالى في سورة الإسراء: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا [100])، وليس لهذه النظرة الخاطئة أي سند من حقيقة الأمر ومما هي عليه الصِّفات الإلهيّة الحسنى من الغِنى والحِلم والمغفرة التي ذكَّرَنا الله تعالى بها في قوله في نفس السورة (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [44]).

 

فسوف نناقش في هذا الفصل الأدلّة المنطقيّة التي تعتمد على التفسير الظاهري للآيات القرآنيّة انطلاقاً من المعاني اللغويّة المباشرة للكلمات والعبارات الواردة في الآيات القرآنيّة ذات العلاقة وكذلك في بعض الأحاديث المعروفة. ولكن إضافةً إلى هذا التفسير الظاهري المباشر هناك تأويل أكثر عمقاً يستند إلى المعاني الباطنيّة والإشاريّة ولكنّنا سوف نترك هذا التأويل إلى الفصل القادم حتّى لا تختلط الأمور علينا ولا يقف عندها من لا يروق له أمر التفسير الباطني ويظنُّه خروجاً عن الدين، ولا يقال إنّنا اعتمدنا على التكلُّف والتأويل البعيد للوصول إلى دلائل صحّة إيمان فرعون.

 

 

الإيمان والتوبة

 

 

التوبة في اللّغة هي العودة والرّجوع؛ فإذا أُسندت إلى العبد تكون رجوعاً عن الذنب، وإذا أُسندت لله تعالى تكون بمعنى رجوعه بلطفه ونعمته على العبد؛ فيقال: تابَ فلانٌ إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه، ويقول الله تعالى في سورة التوبة: (... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [118]). وفي الاصطلاح: التّوبة هي النّدم والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العودة إليها، وعرّفها بعضهم بأنّها الرُّجوع عن الطّريق المعوجِّ إلى الطّريق المستقيم. وقد ورد عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنّه قال: "النّدم توبة"،[1] والنّدم هو حزن القلب لما فعل وتمنِّي أنّه لم يفعل. وقال أبو علي الدقَّاق: التوبة على ثلاثة أقسام لأنّ لها بدايةً ووسطاً وغايةً، فبَدؤها يسمّى توبة ووسطها يسمّى إنابة وغايتها تُسمّى أوبة؛ فالتوبة للخائف والإنابة للطائع والأوبة لراعي الأمر الإلهي.[2]

 

وأمّا عن معنى الإيمان فيقول الله تعالى في سورة يوسف حاكياً عن إخوته لَمّا رموا أخاهم في غيابة الجبّ ثمّ جاؤوا أباهم عشاءً يبكون مدّعين أنّ الذئب قد أكله: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [17])؛ فاتَّفق أَهلُ العلم من اللُّغَويّين وغيرهم أَنّ الإيمانَ معناه التصديق. فقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: آمَنَ به إيماناً: صَدَّقَهُ. والإِيمانُ: الثِّقَةُ، وإظْهارُ الخُضوعِ، وقَبولُ الشَّريعَةِ.[3] وورد في ‏لسان العرب للعلاّمة ابن منظور أنّ الإيمان ضدُّ الكُفر، وهو بمعنى التصديق، وضدُّه التكذيب، يقال: آمَنَ به قومٌ وكذَّب به قومٌ، ... ويقال ما آمَنْتُ أَي ما وَثِقْت، فالإيمانُ الثِّقةُ. ثمّ نقل ابن منظور عن الجوهري قوله: أَصلُ آمَنَ أَأْمَنَ، بهمزتين، ثمّ لُيِّنَت الثانية.

 

ويقول الله تعالى في سورة الحجرات: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [14])، فقال الزجّاج إنّ هذا موضعٌ يحتاج الناس إلى تَفْهيمه وأَين يَنْفَصِل المؤمِنُ من المُسْلِم وأَيْنَ يَسْتَويانِ، والإسْلامُ إظهارُ الخضوع والقبول لما أَتى به النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه يُحْقَنُ الدَّمُ، فإن كان مع ذلك الإظْهارِ اعتِقادٌ وتصديقٌ بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يُقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمنُ بالله ورسوله غير مُرْتابٍ ولا شاكٍّ، وهو الذي يرى أَنّ أَداء الفرائض واجبٌ عليه، وأَنّ الجِهادَ بنفسِه وماله واجبٌ عليه لا يدخله في ذلك رَيْبٌ فهو المؤمنُ وهو المسلمُ حقّاً، كما قال الله عزَّ وجلَّ في سورة الحجرات: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [15])؛ أَي أُولئك الذين قالوا إنّا مؤمنون فهم الصادقون. فأَمَّا من أَظهرَ قَبولَ الشريعة واسْتَسْلَم لدفع المكروه فهو في الظاهر مُسْلمٌ وباطِنُه غيرُ مصدِّقٍ، فذلك الذي يقول أَسْلَمْتُ لأَنَّ الإيمان لا بدّ من أَن يكون صاحبُه صِدِّيقاً، لأَنَّ قولَكَ آمَنْتُ بالله، أَو قال قائل آمَنْتُ بكذا وكذا فمعناه صَدَّقْت، فأَخْرج الله هؤلاء من الإيمان، فقال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)؛ أَي لم تُصدِّقوا إنما أَسْلَمْتُمْ تَعَوُّذاً من القتل، فالمؤمنُ مُبْطِنٌ من التصديق مِثلَ ما يُظْهِرُ، والمسلمُ التامُّ الإسلامِ مُظْهرٌ للطاعة مؤمنٌ بها، والمسلمُ الذي أَظهر الإسلامَ تعوُّذاً غيرُ مؤمنٍ في الحقيقة، إلاّ أَنَّ حُكْمَه في الظاهر حُكمُ المسلمين. ثمّ قال الزجَّاج: صفةُ المؤمن بالله أَن يكون راجياً ثوابَه خاشياً عقابه.

 

ونفرّق عادة بين ثلاث مراتب متفاوتة للعقيدة وهي الإسلام والإيمان والإحسان،[4] وذلك بغضِّ النظر عن الدين، حيث إنّ الإسلام هنا ليس هو الدين الإسلامي تحديداً، بل هو مرتبة من العقيدة تعني الانقياد والخضوع والتسليم. وقد ورد في الحديث الشريف المشهور الذي أخرجه أئمّة الحديث ومنهم الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين أنّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان بارزاً يوماً للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمانُ؟ قال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ". قال: ما الإسلامُ؟ قال: "الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَلاَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قال: ما الإحسانُ؟ قال: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".[5]

 

فالإسلام عملٌ والإيمان تصديقٌ والإحسان رؤيةٌ أو كالرؤية، والإسلام انقيادٌ والإيمان اعتقادٌ والإحسان إشهادٌ؛ فالإسلام والإيمان مقدِّمتا الإحسان. وبما أنّ الإيمان تصديقٌ فلا يكون إلا عن مشاهدةِ الخبر في التخيِّل. والإسلام انقيادٌ والانقياد لا يكون إلا لمن علم أنَّ يَدَ الحقِّ آخذةٌ بناصيته فانقاد طوعاً، فإن لم يشعر بذلك انقاد كرهاً. والإحسان أن تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.

 

ورغم أنّ التوبة تطلق عادةً على رجوع العبد المؤمن العاصي عن معصيته، ولكنّ معناها لا يقتصر على ذلك، فقد تكون رجوع العبد الكافر إلى ربّه فيؤمن به. فالمؤمن يرجع عن معاصيه والكافر يرجع عن كفره. قال القرطبي: "اعلم أنَّ التوبة إمَّا من الكفر وإمَّا من الذَّنب، فتوبة الكافر مقبولةٌ قطعاً، وتوبة العاصي مقبولةٌ بالوعد الصادق".[6] فمعنى قوله إنَّ توبة الكافر مقبولة قطعاً هو أنَّها رجوعه عن الكفر أي إيمانُه، والإيمان -إن صحَّ- لا يُرَدُّ. ولا يمكن معرفة صحَّة الإيمان من عدمها إلاَّ بالاطِّلاع على مكنونات الصدور وبالتالي حتى وإن لم يكن الإيمان صحيحاً صادرا من القلب فلا يمكن لنا أن نردَّه إلاَّ إذا ردَّه الله تعالى الذي يعلم السرَّ وأخفى، أو إذا ردَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى. ويقال للذي يؤمن بلسانه دون قلبه: منافقاً، ولقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلم المنافقين ولم يشهرهم ولم يخرجهم عن الدين.

 

 

شروط التوبة وإيمان اليأس

 

 

وذكر أكثر الفقهاء والمفسّرين أنّ للتّوبة أربعة شروط هي: الإقلاع عن المعصية فوراً، والنّدم على فعلها في الماضي، والعزم عزماً جازماً أن لا يعود إلى مثلها أبداً، وردُّ المظالم إلى أهلها أو تحصيل البراءة منهم. وكذلك قالوا إنّ النّدم على المعصية يُشترط فيه أن يكون لله، ولقُبحها شرعاً وليس لإضرارها ببدنه أو ماله، ولكنَّ النّدم طمعاً بالجنّة أو خوفاً من النّار يُعدُّ توبةً لأنّ ذلك ترغيبٌ على القرب من الله تعالى وترهيبٌ من عذابه.

 

ويقول أكثر الفقهاء إنّ من شروط التوبة -بما فيها الإيمان- أن تقع قبل الغرغرة، وذلك لقوله تعالى في سورة النساء: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً [17] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [18]). ومع أنَّ القرطبي قال في تفسير هذه الآية إنَّ الله سبحانه نفى أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان؛ لأنَّ التوبة في ذلك الوقت لا تنفع؛ لأنها حالُ زوال التكليف،[7] إلا أنَّ تحديد معنى (حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) يؤخذ من الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنّه قال: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ".[8] فيقول المباركفوري: "أي: ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم، يعني ما لَم يتيَقَّنِ الموتَ، فإنَّ التوبة بعد التيقُّن بالموتِ لَم يُعتدَّ بها".[9]

 

ولكن بما أنّ الإيمان هو التَّصديق فمحلُّه القلب، فلا يطّلع عليه غير الربِّ تعالى، وإذا أفصح عنه اللسان فالأولى تصديقُ صاحبه وأمرُه إلى الله تعالى في صحّة إيمانه من عدمها. فيقول الله تعالى في سورة النّساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [94])، فلا ينبغي أن تقول لمن يقول لك أسلمت: لست مؤمناً، لأنك لم تطَّلع على قلبه. وقد ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سريّة، فصبّحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟"، قال قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السِّلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا!". فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيت أني أسلمت يومئذ.[10]

 

وكما ذكرنا أن الذي يصرّح بالإيمان وهو في قلبه غير مؤمن يقال عنه منافق، وهو الذي يقول بالإيمان ويعمل بمقتضاه خوفاً على نفسه وهو في قلبه مكذِّبٌ أو مرتابٌ. والمنافق له علاماتٌ يُعرف بها منها ما ذكره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حيث قال: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اُؤْتِمِنَ خَانَ".[11] والأحاديث في ذلك كثيرة، ولكن لا يقال لمن نشكُّ في إيمانه "لست مؤمناً"، وذلك لأنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يعلم المنافقين ولكنّه لم يُخرجهم عن الإسلام ولم يفضحهم بين المسلمين ولم يُعلم بأسمائهم غير حذيفة بن اليمان، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يستغفر لهم ويصلّي عليهم حتّى نزلت الآية من سورة التوبة: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [84]).

 

وعلى كلِّ الاحتمالات فإنّ فرعون لم يكن في حالة الغرغرة عندما تلفَّظ بالإيمان، وذلك لأنّ من يَمُت غريقاً يغمى عليه قبل خروج روحه )أي قبل الغرغرة( بزمن ليس بالقليل، وكذلك لم يكن فرعون في حالة يأسٍ من النجاة لأنّه رأى بأمِّ عينه كيف كان بنو إسرائيل يخرجون من البحر ولا يغرقون؛ فأقصى ما يمكن أن يقال عنه أنّه آمن طمعاً بالنجاة أو خوفاً من الموت وليس يأساً من الحياة، وفي ذلك فرق كبير، ولذلك قال عنه الله تعالى بعد ذلك في سورة يونس: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [98]) أي إنّ الإيمان قبل وقوع العذاب الموعود لا يُنقِذُ من العذاب النازل باستثناء قوم يونس لَمّا آمنوا كشف الله عنهم العذاب ومتّعهم إلى حين، وكلُّ ذلك في الحياة الدنيا، أي إنّ إيمان فرعون لم ينفعه في الحياة الدنيا ولم ينجِّه من الغرق، ولِلآخرة حسابٌ آخر كما سنشرح بعد قليل، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

والمقصود من ذلك كلّه أنّه لا يجوز أبداً أن نكذّب من ادّعى الإيمان، حتى وإن كان في حالة يأس أنّه لو لم يؤمن سيموت أو يُقتل، بل يجب أن نصدِّقه فيما يدّعي ونترك أمره إلى الله تعالى الذي قال في سورة الأحزاب: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [24]).

 

فالحقيقة أنَّ الحالة الوحيدة التي يمكن لنا بها أن نقطع بعدم قبول الله تعالى لإيمان شخصٍ ما: هي من يؤمن حالة الغرغرة، وذلك لأنَّه في ذلك الوقت يكون قد كُشف عنه الغطاء، كما قال تعالى في سورة ق: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [19] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [20] وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [21] لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [22]) أي إنَّ من يعالج سكرات الموت ينكشف عنه الغطاء فيصبح بصره حديداً أي حادًّا قويًّا فيرى عالَم الملكوت ويرى الحقائق على ما هي عليه؛ فلا يمكن له حينئذٍ إلاَّ أن يؤمن لأنَّه يكون على شهود تامّ فلا يخفى عليه شيءٌ مما كان يقوله له الرسول قبل ذلك فلا يسعه عندئذٍ إلاَّ أن يؤمن ولكن قد فات الأوان لأنَّه لم يؤمن طوعاً حين كان يملك نفْسه ونفَسه.

 

فنخلص هنا من حيث العموم بخصوص إيمان فرعون أنّه لا يجوز تكذيبه ما لم يتوفّر لدينا أدلّة قاطعة على ذلك من خلال القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة كما سنبيّن في الفقرات التالية.

 

 

دلائل إيمان فرعون

 

 

كما أسلفنا في المقدّمة نحن لا نشكّ بصحّة الآيات القرآنيّة التي تتكلّم عن عمل فرعون وظلمه للناس وتكبّره وتجبّره وادّعائه الألوهة والربوبيّة، كما قال الله تعالى في سورة القصص: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [4])، فليس كلامنا هنا عن عمل فرعون وصفاته في الدنيا قبل الغرق، فلا شكّ أنّه كان من المفسدين بصريح هذه الآية وغيرها؛ وإنّما حديثنا عن صحّة إيمانه كما نقله عنه الله تعالى في قوله الصريح أيضاً في سورة يونس: (... حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [90])، فلا شكَّ أنّه آمن بالله وأسلم قبل أن يموت وليس في هذا أيّ خلاف، ولكن هل هذا الإيمان صحيح وهل يمكن أن يكون الله تعالى قد قبِله وما هي الأدلّة على ذلك؟ أم هل هو إيمانٌ جاء في حالة اليأس وبالتالي ربّما يكون مرفوضاً وما هي الأدلّة على ذلك أيضاً؟

 

ففي الحقيقة هناك أدلّة كثيرة للإنسان المنصِف الذي يحكم بعقله من غير انحيازٍ إلى طبيعة نفسه المفطورة على الشحِّ والقتور وحبِّ الانتقام والقصاص؛ وهذه الدلائل على كثرتها تتفاوت درجاتها فمنها ما يقترب من درجة القطع ومنها ما يؤيّد ومنها ما يرجّح. وبالمقابل هناك أدلّة مناقضة مختلفة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ربما تشير إلى عدم صحّة إيمان فرعون وتدلّ على عدم قبول الله تعالى له، وهي أيضاً تتفاوت دلالتها بشكل كبير.

 

ومن البداية يجب أن نلاحظ أنّ إيمان فرعون إن صحَّ فإنّما هو حالة غريبة جدّاً واستثنائيّة ولكنّها ليست مستحيلة، ولهذا السبب نجد اختلاط الأدلّة وربّما تناقضها ومن الصعب جدّاً الترجيح من غير علمٍ يقين. وربّما تكون الحِكمة من غموض مسألة إيمان فرعون حتى لا يسيء بعض الفِرق أو الطوائف من المسلمين استغلالها في إثبات نظريّاتهم الخاطئة حول القضاء والقَدَر والتسيير والتخيير أو الاختيار والجبْر، والتي تُعتبر من أكبر مداخل الشيطان على العلماء والعقلاء الذين تحكُم عقولُهم على عقيدتهم ويعدُّون العقل فوق كلِّ شيء ويعتقدون أنّه قادرٌ على تقنين الشريعة الإسلامية والعقيدة التي جاءت في القرآن والسنّة الشريفة، في حين أنّ العقل في الحقيقة محدودٌ ويجب أن يقف عند حدود الأخبار الصادقة التي أتتنا في القرآن الكريم وما صحَّ من الحديث؛ فالإيمان يحكم على البرهان، وليس العكس. وكذلك يمكن أن يستغلّ الشيطان الكسل والتواكل الذي يتَّصف به الكثيرون فيُطمعهم برحمة الله الواسعة ويُؤمِّنهم من مكر الله مستشهداً برحمة الله الواسعة في قبول إيمان شخص مثل فرعون الذي فعل ما فعل في حياته الدنيا وآمن فقط في آخر أنفاسه. فربّما من أجل ذلك لم يصرِّح القرآن الكريم بشكلٍ مباشر بقبول إيمان فرعون، وكذلك لم يفعل النبيُّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ الحكمة تستدعي إخفاء هذه المسألة عن أكثر الناس وخاصَّة في المراحل الأولى من الإسلام حيث كان الناس بحاجة إلى الصرامة في تطبيق الإسلام وأحكامه والجدّ في ذلك من أجل بناء الدولة الإسلاميّة القويّة.

 

وإنَّ ممّا يدعم قولنا هذا بشكلٍ قويٍّ هو قلَّة الأحاديث التي وردتنا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بخصوص فرعون بشكلٍ واضحٍ ومثيرٍ للاهتمام والتساؤل، وذلك بخلاف الحالة مع القرآن الكريم حيث نجد أنَّ قصّة فرعون وغرقه قد تكرَّرت بوجوهٍ كثيرةٍ مختلفةٍ ومتكاملةٍ في العديد من السور، في حين لا يوجد أيُّ حديثٍ صحيح يشير إلى إيمان فرعون أو كفره أبدا. فالأحاديث التي تتكلَّم عن فرعون قليلة جدّاً وأكثرها تتجنّب الحديث عنه شخصيّاً وعن غرقه ونطقه بالإيمان والتسليم لله تعالى، باستثناء حديثين ورد أحدهما في معجم الطبراني الكبير وقد حسَّنه بعضهم وورد الآخر في مسند الإمام أحمد وابن حبّان، وكلاهما وإنّ صحّا من حيث السند ففيهما نظرٌ من حيث دلالتهما على سوء عاقبة فرعون في الآخرة كما سنناقش ذلك بعد قليل.

 

وكذلك لو حصرنا الآيات القرآنية التي فيها بعض الدلالة على كفر فرعون لما وجدنا سوى بضع آيات وقد أسيء فهمها أيضاً، حيث إنّنا نجد أنَّ السبب الرئيس وراء انحياز أكثر المفسّرين إلى القول بعدم قبول إيمان فرعون هو تفسيرهم بعض الكلمات الدقيقة في القرآن الكريم والحديث الشريف تفسيراً يعتمد على الرأي من غير الالْتزام بحدود دلالة الكلمات، وأوضح دليل على ما نقوله هو اعتبارهم أنّ فرعون مشمولاً بقول الله تعالى (آلِ فِرْعَوْنَ) وهذا لا يصحّ كما سنرى بعد قليل، وكذلك تفسيرهم قوله تعالى في سورة يونس (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [91]) على أنَّه استنكار، والاستنكار في الكلام لا يُعلَم إلا من سماع اللفظ ولا يُعلم من الكتابة لأنَّ نفس هذه العبارة قد يختلف معناها باختلاف طريقة نطقها فيمكن أن تكون استنكاراً ويمكن أن تكون لوماً ويمكن أن يكون تعجُّباً.

 

فسوف نناقش هنا بشكلٍ حيادي جميع هذه الأدلّة الموافقة والمناقضة لصحّة إيمان فرعون كما وردت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ونبدأ بالأدلّة المناقضة لنرى وجه الدلالة فيها ومدى قوّته ووجوه ضعفه، ثم ننتقل إلى الأدلّة الأخرى وندرس أيضاً نقاط الضعف والقوّة فيها.

 ============

 

[1] أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الزهد باب ذكر التوبة برقم )4252( من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم )3387(، وصححه الألباني في صحيح الجامع )6802(.

 

[2] الفتوحات المكّيّة: ج2ص143س12.

 

[3] القاموس المحيط، الفيروز آبادي،  )باب النون فصل الهمزة(.

 

[4] يضيف ابن العربي مرتبةً رابعة وهي إحسان الإحسان....

 

[5] أخرجه مسلم في الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم: 8 و9 و10.

 

[6] انظر في: المفهم بشرح مختصر صحيح مسلم: ج7ص717.

 

[7] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5ص93.

 

[8] أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب: في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله )حديث رقم: 3537(، وأخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الزهد باب: ذكر التوبة )حديث رقم: 4253(، وحسنه الألباني في صحيح الجامع )حديث رقم: 1903(.

 

[9] تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي: ج9ص521.

 

[10] صحيح مسلم: الجزء الأول، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، الحديث رقم 158.

 

[11] ‏صحيح البخاري، الجزء الأول، باب علامة المنافق، الحديث رقم 33، وأخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم: 59.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: