دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل التاسع

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل التاسع

 

 

 

الدليل التاسع

 

 

وذلك في قول رسول الله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الذي ذكره الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا أحمد بن داود المكي ثنا شاذ بن الفياض ثنا أبو هلال عن قتادة عن أبي حسان عن ناجية بن كعب عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خَلَقَ اللهُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِناً وَخَلَقَ فِرْعَوْنَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كَافِراً.‏[19] فهذا الحديث الذي حسَّنه االسيوطي يعدُّ قويّاً جدّاً في الاحتجاج على كفر فرعون إن صحَّ سنده ومتنه.

 

وكما ذكرنا أعلاه فإنّ الأحاديث الصحيحة تخلو تماماً من أي ذكرٍ لنهاية فرعون ومصيره في الآخرة، وليس في جميع كتب الحديث سوى حديثان هذا الذي نتكلّم عليه الآن والذي نتكلّم عليه في الدليل التالي وكلاهما فيهما نظر من حيث صحّة السند ومن حيث الدلالة إن ثبتت صحّة السند. ونذكِّرُ هنا أنّ الحديث الحسن يكون بين الصحيح والضعيف، وقال الترمذي: هو ما لا يكون في إسناده مُتَّهم، ولا يكون شاذّاً، ويُروى من غير وجه نحوه في المعنى. وقال ابن الصلاح: هو قسمان: أحدهما: ما لم تخل رجال إسناده عن مستور غير مغفل في روايته، وقد روي مثله أو نحوه من وجه آخر. والثاني: ما اشتهر راويه بالصدق والأمانة، وقصر عن درجة رجال الصحيح حفظاً وإتقاناً، بحيث لا يعدُّ ما انفرد به منكراً، ولا بدَّ في القسمين من سلامتهما عن الشذوذ والتعليل، وقيل: ما ذكره بعض المتأخرين مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف، لأنه وسط بينهما.

 

وعلى كلِّ حال فحتّى لو كان هذا الحديث صحيحاً وحجّةً فإنّه لا ينبِّئ بموت فرعون على الكفر، ويؤكِّد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل في مسنده: حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: صلّى بنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة العصر ذات يوم بنهار ثم قام يخطبنا إلى أن غابت الشمس، فلم يدَع شيئاً مما يكون إلى يوم القيامة إلا حدَّثناه، حفظ ذلك من حفظ ونسي ذلك من نسي؛ وكان فيما قال: يا أيها الناس إن الدنيا خضرة حلوة وإنَّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ... ثم قال إن الناس خُلقوا على طبقات فيولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً ويولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت كافراً ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت مؤمناً... الخ.‏[20]

 

أي قد يكون فرعون ممّن قال فيهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت مؤمناً. والله تعالى أعلم، وهو علاّم الغيوب.

 

غير أنّه لا بدّ من أن نذكِّر هنا أنّ هذا الحديث الأخير ورد بصيغة أخرى رواها الدارقطني في الأفراد عن ابن مسعود: خُلق الناس على طبقات شتى: منهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً منهم يحيى بن زكريا، ومنهم من يولد كافراً ويحياً كافراً ويموت كافراً منهم فرعون ذو الأوتاد.[21] ولم يرد مثل هذا الحديث في الصحاح أبداً وربّما يكون مشتقّاً من الحديث الذي سبقه وتكون "منهم يحيى بن زكريا" و"منهم فرعون ذو الأوتاد" إضافة من أحد الرواة كضرب مثل منه على حسب ظنّه والله أعلم. ولكن على كلِّ حال تشير العديد من الآراء إلى أنّ فرعون موسى هو غير فرعون ذي الأوتاد لأنّ هذا الأخير ذُكر مرتين فقط في القرآن الكريم بهذا الاسم في سورة الفجر وفي سورة ص حيث ذكره الله تعالى بين قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وجميعهم كانوا قبل موسى عليه السلام بعهود، فقال تعالى في سورة ص: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ [12] وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ [13])، ويبدو أنّ هذا الفرعون هو آخر ملوك الأُسرة الأولى ويدعى بيينخيس أي )بي-إن-و-خيو( حيث إنّ السين إضافة يونانية، وهو يعني "ذو الأوتاد" باللغة المصرية القديمة كما ذكر الدكتور علي فهمي خشيم في كتابه "آلهة مصر العربية"،[22] وحتى إنّ أغلب كتب التفسير تذكر إنّ فرعون ذي الأوتاد هو فرعون صاحب الأبنية المحكمة والملك الثابت، أو إنّه فرعون صاحب المباني العظيمة التي تشبه الجبال في الثبات،[23] أي الأهرامات، ويقال إنّ فرعون ذا الأوتاد كان يجعل لكلّ من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذّبه؛[24] وجميع هذه الأوصاف لا تتفق مع فرعون موسى.

 

فنخلص من ذلك إلى أنّ هذه الأحاديث التي ذكرناها أعلاه تخلو من أيِّ إشارة إلى كفر فرعون، والله تعالى أعلم وهو علاَّم الغيوب.

 

=====================

 

[19] ‏معجم الطبراني الكبير، باب الظاء. وقد حسَّنه السيوطي في الجامع الصغير )المجلد الثالث، الحديث رقم 3933(.

 

[20] ‏مسند الإمام أحمد، للإمام أحمد ابن حنبل، المجلد الثالث، مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

 

[21] كنز العمّال: الحديث رقم 32437، 32438.

 

[22] مرجع الدكتور علي فهمي خشيم في كتابة "آلهة مصر العربية"

 

[23] د . و هبة الزحيلي : التفسير على هامش القرآن العظيم، دار الفكر.

 

[24] د. محمد حسن الحمصي: قرآن كريم تفسير و بيان: دار الرشيد.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: