إيجازُ البَيَانِ - الفصل الأول - دمشق: البيئة والحقبة

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الأول

 

دمشق: البيئة والحقبة

 

 

 

 

 

أَمَّا دِمَشْقُ فَقَدْ أَبْدَتْ مَحَاسِنَهَ

***

وَقَدْ وَفَى لَكَ مُطْرِيهَا بِمَا وَعَدَ

إِذَا أَرَدْتَ مَلأْتَ العَيْنَ مِنْ بَلَدٍ

***

مُسْتَحْسَنٍ وَزَمَانٍ يُشْبِهُ البَلَدَ

يُمْسِي السَّحَابُ عَلَى أَجْبَالِهَا فِرَق

***

وَيُصْبِحُ النَّبْتُ في صَحْرَائِهَا بَدَدَ

فَلَسْتَ تُبْصِـرُ إِلاَّ وَاكِفاً خَضِل

***

أَوْ يَانِعاً خَضِـراً أَوْ طَائِراً غَرِدَ

كَأَنَّمَا القَيْظُ وَلَّى بَعْدَ جِيئَتِهِ

***

أَوِ الرَّبِيعُ دَنَا مِنْ بَعْدِ مَا بَعُدَا[41]

 

1- لمحة تاريخية عن دمشق وبلاد الشام:

 

دمشق أوَّل مدينة مأهولة في التاريخ، وهي واحدة من أقدم المدن على وجه الأرض، إلى جانب القدس والجيزة، ويذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان أنَّ أوَّل حائط وُضع في الأرض بعد طوفان نوحٍ u هو حائط دمشق،[42] وقد كان لسورها سبعةُ أبوابٍ على عدد الكواكب السيَّارة.[43] ودمشق كلمة آشورية تعني الأرض الزاهرة أو العامرة، ويقول البعض إنَّ أصلها عربي من الفعل "دَمْشَقَ" أي "أسرع"، لإسراعهم في بنائها، وقيل أيضًا إنَّها سُميت نسبة إلى "دماشق" أحد أحفاد سيدنا نوح u، ومن أسمائها أيضًا: جلَّق، والشام، وشامة الدنيا، والفيحاء.

 

 

كانت دمشق عبر التاريخ المركز الحضاري لبلاد الشام، والشام كلمة عامة تشير إلى المنطقة الواسعة التي تضم الآن فلسطين والأردن ولبنان وسورية وهي التي شكلت قلب الحضارة الإسلامية، مع أن دمشق تدعى أيضاً بالشام وهي التي تُقصد عادة إذا أتت غير مضافة، أما إذا قلنا بلاد الشام فهي هذه المناطق الواسعة التي ذكرناها. وكلمة الشام لفظ عربي يرجع إلى تسمية العرب ما هو شمال مكة بالشآم، وما على يمينها باليمان، وقيل كذلك إنه نسبة إلى سام بن نوح u.

 

تشير أقدم الوثائق التاريخية إلى أنّ الحضارة في دمشق بدأت في الألف الثالث قبل الميلاد، حيث سكنها الآراميون ثم الآشوريون ثم الكلدانيون ثم الفرس ثم الرومان. ومع ظهور المسيح ابن مريم، u، أصبحت دمشق أهم مركز مسيحي في الحضارة اليونانية الهلنستية التي ازدهرت فيها لعدة قرون. وفي عهد أمير المؤمنين الفاورق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح المسلمون دمشق سنة 14هـ/635م، ثم اتخذها الأمويون عاصمة لهم.

 

بعد ذلك تراجعت مكانتها قليلاً حين تحول العباسيون إلى بغداد ودخلت جيوشهم دمشق لتقضي على بني أمية. ومع نهاية الدولة العباسية توالى على دمشق عدد من الدول الإسلامية كالدولة الطولونية، والفاطمية، والقرامطة، والسلاجقة، إلى أن تعرضت للحملات الصليبية التي ضربت المنطقة في القرنين الخامس والسادس للهجرة. وبعد حروب عديدة استطاع معين الدين أنر، ومن بعده نور الدين محمود زنكي، فكَّ الحصار عن دمشق وتوحيدها مع حلب، ثم توحيدهما مع مصر بقيادة القائد صلاح الدين الأيوبي الذي تصدى للصليبيين ونجح في فتح القدس سنة 583هـ/1187م. ولكن دمشق لم تلبث بعد ذلك أن تعرَّضت إلى ضربة قاسية من الغزو المغولي الذي ما لبث أن أفضى إلى العصر المملوكي ثم إلى الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول الذي أبدى تجاهها اهتماماً جيِّداً ورمَّم وشيَّد العديد من الجوامع والمدارس والأسواق والحمَّامات العامَّة.

 

2- مكانة دمشق في الإسلام:

 

وإلى جانب كلِّ هذه التقلبات والدول، كانت دمشق، وبلاد الشام عموماً، معقل العلماء والأولياء من أهل الله عزَّ وجلَّ، من المسلمين الذين وردوها وهاجروا إليها من المغرب والمشرق خلال مراحل التاريخ الإسلامي، أو من الذين وُلدوا فيها وترعرعوا في رحابها وقرؤوا في مدارسها وتحت رعاية شيوخها وعلمائها.

 

يقول التابعيُّ عطاء الخُراساني[44] إنّه لما همَّ أن يترك خراسان شاور من بها من أهل العلم فأشاروا عليه أن عليك بالشام! ثم أتى البصرة والكوفة ومكة المكرمة والمدينة المنوَّرة وكان دائماً يشاور العلماء فكلهم يقول: عليك بالشام![45] وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «الخير عشرة أعشار: تسعة بالشام، وواحد في سائر البلدان، والشرُّ عشرة أعشار: واحد بالشام، وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم.»[46] وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه،[47] عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «الشام صفوة الله من بلاده، يجتبي إليها صفوتَه من عباده. فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة، ومن دخلها من غيرها فبرحمة.»[48] وذلك لأنها موطن العلماء ومقصد الصالحين والأولياء.

 

وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة بحفظ الله للشام وتفضيلها على غيرها من البقاع؛ فأهل الشام سوط الله عزَّ وجلَّ في الأرض،[49] والأبدال في أهل الشام وبهم يُنصرون وبهم يُرزقون،[50] وهي أرض المحشر والمنشر،[51] وإليها ينتقل عمود الكتاب،[52] وإذا وقعت الفتن فالأمن بالشام،[53] ويأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحِق بالشام.[54]

 

ولذلك نجد أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حثَّ أصحابه على سُكنى الشام وأخبرهم بتكفُّل الله سبحانه وتعالى لمن سكنها من أهل الإسلام، فعن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله خِر لي بلداً أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر عن قربك شيئاً. قال: «عليك بالشام!» فلما رأى كراهيتي للشام قال: «أتدري ما يقول الله في الشام؟ إن الله سبحانه وتعالى يقول: "يا شام أنت صفوتي من بلادي، أُدخل فيك خيرتي من عبادي." إنَّ الله قد تكفَّل لي بالشام وأهله.»[55]

 

وحتى قبل الإسلام كانت الشام مهبط الأنبياء وقِبلة الأولياء، وقد ورد أنّ إبراهيم الخليل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هاجر إلى الشام، فيقول قتادة في قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿... إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ... [26]﴾، أن هجرته كانت إلى الشام. وفي جبل قاسيون مرقد نبي الله ذي الكفل u، وفيه كذلك مرقد الأربعين الصالحين، وهو مسجد صغير قرب قمة الجبل يعتكف فيه الناس، وعند سفحه الغربي ربوة صغيرة تطل على وادٍ يقال له النيرب، وهي التي أوت إليها مريم العذراء مع ابنها عيسى عليهما السلام. فعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تلا هذه الآية من سورة المؤمنون: ﴿... وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [50]﴾، قال: «هل تدرون أين هي؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هي بالشام، بأرض يقال لها الغوطة، يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام.»[56]

 

ودمشق هي أيضاً مهبط عيسى u في آخر الزمان، كما ورد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «ينزل عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق.»[57] وهذه هي المنارة الشرقية في الجامع الأموي،[58] والمنارة الغربية في هذا الجامع هي التي تعبَّد فيها أبو حامد محمَّد الغزالي (توفي 505هـ/1111م) وابن تُومرت (توفي 524هـ/1130م) ملك المغرب الذي أسس دولة الموحدين في الأندلس.[59]

 

فمن أجل ذلك لا تزال الشام وجهة المسلمين ومنبت الصالحين، يسعى إليها العلماء ويستقر فيها الأولياء. قال الوليد بن مسلم: «دخلتِ الشامَ عشرةُ آلاف عينٍ رأت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.» وذكر ابن سعد في الطبقات[60] ما يزيد على مئة رجل من صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخلوا الشام، منهم: أمين الأمّة أبو عبيدة عامر بن الجراح، وهو الذي فتحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وبلال بن رباح مؤذِّن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، والفضل بن عباس ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، وأبو أمامة الباهليّ صُديّ بن عجلان، وغيرهم الكثير من الصحابة الكرام الذين يصعب حصرهم وإحصاؤهم. ومن التابعين: يزيد بن الأسد الجُرَشي، وكعب الأحبار، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن الأوزاعي. ومن مشاهير العلماء: قارئ دمشق عبد الله بن عامر اليحصبي، والإمام الطبراني، والحافظ ابن عساكر، وإمام مصطلح الحديث أبو عمرو ابن الصلاح، ومحي الدين النووي، ومحي الدين ابن العربي الحاتمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن كثير، وابن قيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وغيرهم الكثير.

 

ولا تزال قبور الكثير من هؤلاء الأعلام قائمة حتى الآن في الجوامع التي تنتشر في نواحي دمشق، ففي قبلي الباب الصغير قبر بلال بن رباح، مؤذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،[61] وكعب الأحبار، وقبر فضة جارية فاطمة رضي الله عنها، وأبي الدرداءِ وأم الدرداءِ، وفُضالة بن عبيد، وسهل بن الحنظلية، وواثلة بن الأسقَع، وأوس بن أوس الثقفي، وأمّ الحسن بنت جعفر الصادق، وعلي بن عبد الله بن العباس، وسلمان بن علي بن عبد الله بن العباس وزوجته أم الحسن بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخديجة بنت زين العابدين، وأبو موسى الأشعري، ومحمود بن زنكي ملك الشام، وكذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب، بالإضافة إلى الكثير من مشاهير علماء المسلمين كالشيخ ابن قدامة المقدسي، والشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، والشيخ عبد الغني النابلسي، والشيخ خالد البغدادي الذي يعود الفضل إليه في نشر الطريقة النقشبندية في دمشق والعراق والأناضول، وسنتكلم عنه بعد قليل. وسمي جبل قاسيون بجبل الصالحين لكثرة ما نزل فيه من الأولياء والعلماء، وكذلك فإنَّ سفح هذا الجبل لا يزال يسمى بالصالحية وهي المنطقة الوسطى منه. والكثير من مناطق الشام لا تزال تسمى على أسماء من سكنها من الأولياء مثل منطقة محي الدين التي فيها جامع الشيخ محي الدين ومقامه، ومنطقة مولانا خالد التي تحوي مقام الشيخ خالد النقشبندي.

 

 

 

3- الطريقة النقشبندية في دمشق:

 

تلتقي جميع الطرق الصوفية الكثيرة حول محور واحد هو التقرّب إلى الله عزَّ وجلَّ عن طريق ذكره ومداومة مراقبته في جميع الأعمال حتى يصل السالك إلى الإيمان الصادق واليقين الكامل. وللطريقة النقشبندية منهج خاص لإيصال المريد إلى هذه الغاية العظيمة، وهي تعتمد على الذكر الخفي بالاسم المفرد لفظ الجلالة: الله الله ... ويقول أحمد النقشبندي الخالدي في كتابه "جامع الأصول" إن الطريقة النقشبندية أسهل على المريد للوصول إلى درجات التوحيد، لأنّ  "الجذب في هذه الطريقة مقدّم على السلوك، ... أما بقية الطرق فمبنية على تقديم السلوك على الجذب في الأغلب، ولذا قالوا: بداية الطريقة النقشبندية نهاية سائر الطرق"،[62] ويضيف إنه ليس فيها كثرة الجوع وكثرة السهر، بل تعتمد الاعتدال. وقد نقل طاشكُبري زاده في كتابه "الشقائق النعمانية" أن الشيخ بهاء الدين محمد نقشبند سئل عن جوهر هذه الطريقة فأجاب: "الخلوة في الكثرة، وتوجُّه الباطن إلى الحقِّ والظاهر إلى الخلق".[63]

 

تُنسب الطريقة النقشبندية إلى الشيخ بهاء الدين محمد شاه نقشبند، وكانت هذه الطريقة تسمى "الصِّدِّيقيَّة" نسبةً إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وإليه يعود سند سلسلة شيوخ هذه الطريقة العليّة، وهو تلقاها عن سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.[64]

 

والشيخ بهاء الدين، قدَّس الله سرَّه، هو محمد شاه نقشبند البخاري، ولد سنة 717هـ/1317م في قرية قصر هندوان من قرى بخارى في أوزباكستان، وهي التي ينسب إليها الإمام البخاري رضي الله عنه. وفي سن مبكرة أخذه جده إلى سماس لخدمة العارف الكبير الشيخ محمد السماسي فتلقى الطريقة منه، وبعد وفاة الشيخ السماسي في سنة 755هـ/1354م ذهب إلى خليفته السيد أمير كلال وكان شيخه السَّمَّاسي قد أوصاه به. وبعد أن بذل أقصى جهده وأحسن في تربيته جمع السيد أمير كلال مريديه وقال لمحمد بهاء الدين أمامهم أنه قد بلغ منتهى مقدرته في تربيته حتى أصبح رجلاً عظيماً، ولكنَّ همته تتطلب العالي، ولذلك أجازه للبحث عن شيخ آخر يعرج به إلى مقام أعلى. بعد ذلك درس الشيخ بهاء الدين على عدد من الشيوخ وعلماء الشرع، وقد حج مرتين وسافر في بلدان شرق آسية. توفي الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند سنة 791هـ/1388م، وقد ربَّى عشرات الألوف من المريدين وأجاز بعضهم إجازة مطلقة. ترك الشيخ بهاء الدين عدداً من المؤلفات أبرزها: الأوراد البهائية، سلك الأنوار، هداية السالكين، وتحفة الطالبين.

 

وكلمة نقشبند مركَّبة من "نقش" و"بند"، فالنقش هو الرسم والحفر وأصلها عربي وتستعمل بالفارسية، ويطلق اسم "نقشبند" في اللغة التركية القديمة على الرسّام والنقّاش الذي يعمل الوشي والنمنمة على الأقمشة، وبالتالي هي تعني هنا نقش اسم الله عزَّ وجلَّ ومحبته في قلب المريد عن طريق الذكر والمراقبة.

 

ومن بعد الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند انتقلت هذه الطريقة عن طريق عدد من الشيوخ الكبار حتى وصلت إلى شيخ مشايخ الديار الهندية الشيخ عبد الله الدهلوي الذي ارتحل إليه الشيخ خالد البغدادي سنة 1224هـ/1809م وأخذ عنه الطريقة.

 

والشيخ خالد النقشبندي هو أبو البهاء ضياء الدين خالد بن أحمد بن حسين، ولد سنة 1193هـ/1779م في مدينة السليمانية في العراق، وبدأ مسيرته مع العلوم الدينية وحفظ القرآن في زمن قصير، ثم درس علوم اللغة من نحو وصرف، ونهل من علوم الفقه والتصوّف، ورحل طلباً للعلم الذي تلقاه على أيدي كبار العلماء. قام الشيخ خالد بعدة رحلات داخل العراق ثم قصد الحجاز للحج مرتحلاً عن طريق الموصل وديار بكر والرُّها وحلب ودمشق، واجتمع في هذه الحواضر بعلمائها الأعلام، ففي دمشق سمع من مدرِّس دار الحديث الشيخ محمد الكُزْبَري، وصحب تلميذه الشيخ مصطفى الكردي. وفي مكة أشار عليه أحد العلماء أن يقصد شيخ مشايخ الديار الهندية حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي، فارتحل إليه سنة 1224هـ/1809م حيث أخذ عنه الطريقة النقشبندية بعمومها وخصوصها ومفهومها ومنصوصها، "فلم يمض عليه نحو خمسة أشهر حتى صار من أهل الحضور والمشاهدة، وبشره شيخه ببشارات كشفية قد تحققت بالعيان".[65] وبعد سنتين في الهند عاد الشيخ خالد إلى مدينة السليمانية وبدأ بإرشاد الناس في علمي الظاهر والباطن، ولكنَّ بعض الحسَّاد كادوا له عند الحاكم، فرحل إلى بغداد سنة 1228هـ/1813م، فلاحقه الحساد والأعداء بالكيد والدسّ عليه، فعاد إلى السليمانية وبقي فيها مدة ثم هاجر إلى دمشق سنة 1238هـ/1820م، مع عدد كبير من المريدين والخلفاء والعلماء من أمثال العلامة عبيد الله أفندي الحيدري مفتي بغداد سابقاً، والشيخ إسماعيل الأناراني، والشيخ عيسى الكردي.[66]

 

وعندما دخل الشيخ خالد دمشق سنة 1238هـ/1820م استقبله أهلها أحسن استقبال وهرع الناس لزيارته واحتفى به الحكام والأمراء والعلماء من أمثال محدّث الديار الشامية الشيخ عبد الرحمن بن محمَّد الكُزْبَري الحسني (1184هـ/1771م-1262هـ/1846م)، وشيخ الشام الشيخ حامد العطّار (1186هـ/1772م-1262هـ/1845م)، والشيخ العلامة حسن البيطار (1206هـ/1791م-1272هـ/1855م)، والشيخ حسن الشطّي (1205هـ/1790م- 1274هـ/1857م) شيخ الحنابلة في بلاد الشام،[67] وغيرهم من كبار العلماء.

 

ومع أنه لم يقض في دمشق سوى ست سنوات من عمره الذي لم يكد يكمل عقده الخامس (وقد توفي رحمه الله في سنة 1242هـ/1826م وقبره في السفح الشرقي لجبل قاسيون في المنطقة التي تسمى الآن باسمه: مولانا خالد)، إلا أن منزلته كانت عظيمة وشهرته بلغت الآفاق حتى أصبحت دمشق به مقصد العلماء الأعلام الذين كانوا يزحفون إليها من جميع البلدان للالتحاق بمدرسته التي أحيت مساجد دمشق بذكر الله عزَّ وجلَّ، وانتشر منها إلى بقاع عديدة، حيث تخرَّج على يديه عدد كبير من العلماء والخلفاء الذين أجازهم في الذكر وقراءة الختم، ثم انتشروا في شتى البلاد الإسلامية لتزكية الناس والدعوة إلى الإسلام.

 

وعن طريق تلاميذه، الذين يقول عنهم عبد المجيد الخاني في "الحدائق الوردية" إنّ عددهم يزيد عن المئة ألف،[68] استطاع الشيخ خالد البغدادي أن يثير اهتمام الناس حتى اعتنى به الخليفة العثماني وأولاه اهتماماً كبيرًا وأصدر مرسوماً بمعاقبة خصومه وتأديبهم. ولكنَّ هذا الانتشار الواسع أدّى في بعض الأحيان إلى بعض الخلافات بين المنتسبين لهذه الطريقة وظهر العديد من الشيوخ في البلاد المترامية للدولة العثمانية التي كانت تشهد مرحلة ما قبل التفكك بسبب العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية، مما أدّى إلى تقهقر الطريقة النقشبندية في الشام وانحصرت في بعض المناطق الكردية شمال سورية.

 

ومع انهيار الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى والحروب التي تلتها وخاصة بين روسية وتركية، هاجر المزيد من الأكراد إلى دمشق التي بدأت هجرتهم إليها في مراحل سابقة منذ عهد صلاح الدين الأيوبي. ومن بين هؤلاء الذين قدموا إلى دمشق كان الشيخ عيسى الكردي النقشبندي الذي كان له أثر كبير في إحياء الطريقة النقشبندية في دمشق.

 

والشيخ عيسى الكردي هو أبو شمس الدين عيسى بن طلحة بن عمر بن عاشور بن حسن الكردي، المولود سنة 1247هـ/1831م في قرية ترحم التابعة لديار بكر من شمال سورية، وينتسب أبوه إلى قبيلة بوطان من أشهر عشائر الأكراد. رحل الشيخ عيسى في طلب العلم إلى ديار بكر، وسافر إلى الحجاز، وزار مصر، ونزل دمشق ومكث بها في قبة الشيخ خالد النقشبندي، ثم رجع إلى بلاده فأخذ العلم عن بعض المشايخ، وعمل مدرِّساً. وفي سنة 1284هـ/1867م أجازه الشيخ عبد الله البيداري في الإرشاد. ثم انتقل إلى بلاد بشيري من نواحي الأكراد ليعمل مرشداً صوفياً، وبعد سنة 1294هـ/1877م رحل بأهله مهاجراً إلى الشام، وصاحب علماءها، حيث اشتغل بالعلم إلى جانب الوعظ والإرشاد مدة طويلة، وانتفع به خلق كثير، وبلغ مريدوه أكثر من خمسة آلاف، وكان يتصف بالخُلُق الكريم، والتواضع، ولا يهاب أحداً في الحق. توفي الشيخ عيسى الكردي النقشبندي في دمشق سنة 1331هـ/1912م وقد كتب عنه الشيخ محمد أبو الخير الميداني[69] رسالة قصيرة لا تزال مخطوطة.[70]

 

تفرَّغ الشيخ عيسى الكردي للتزكية وقاد نهضة إصلاحية من خلال خدمته للطريقة النقشبندية، وتكاثر مريدوه حتى بلغوا الآلاف، وكانوا يتوافدون عليه من نواحي دمشق وأريافها، وقد برع منهم الكثير مثل الشيخ عطا الكسم (1260هـ/1844م-1357هـ/1938م) الذي أصبح مفتياً عاماً للجمهورية السورية، والشيخ محمد أبو الخير الميداني (1875هـ/1291م-1961هـ/1380م) الذي أصبح رئيساً لرابطة العلماء، وقد زوّجه الشيخ عيسى ابنته فاطمة الملقبة بعين الحياة، والشيخ إبراهيم الغلاييني (1300هـ/1882م-1378هـ/1958م) الذي قاد نهضة إصلاحية كبيرة في ريف دمشق والبقاع اللبناني، والشيخ محمد أمين كفتارو (1294هـ/1877م-1357هـ/1938م) الذي أسس حركة الدعوة في جامع أبو النور كما سنتحدّث عنه بعد قليل، والشيخ أمين الكردي الأيوبي الزملكاني (1270هـ/1853م-1346هـ/1927م) الذي تولى مشيخة الطريقة النقشبندية من بعد الشيخ عيسى، والشيخ أحمد بهاء الدين الحسني شقيق العلامة الشيخ بدر الدين الحسني شيخ الشام ومحدِّثها الذي سيرد ذكره بعد قليل، والشيخ صادق الشمعة، والشيخ مصطفى الحلو، والشيخ صالح كفتارو، والشيخ بكري الحمصي الحافظ، والشيخ سليم نطفجي، والشيخ محمد حسن الكردي، وهو ابن الشيخ عيسى، والشيخ عبد الله الكزبري، والشيخ محمد النحَّاس، والشيخ أحمد عبد الحفيظ، والشيخ طالب المسطول، والشيخ عبد الرحمن بن يونس الجزماتي، والشيخ إبراهيم سلامة.[71]

 

أوصى الشيخ عيسى قبل وفاته الشيخ محمد أمين الأيوبي المعروف بالزملكاني، بمتابعة مسيرته مع أنه كان أمّيّاً، ولكنَّه كان من أخلص تلاميذ الشيخ عيسى وأكثرهم قرباً منه، وهو من مواليد سنة 1270هـ/1853م من بلدة زملكا في دمشق، وقد عمل مع والده في الزراعة، وكان يحضر مجالس علماء دمشق، ثم اتصل بالشيخ عيسى الكردي فخدمه خدمة صادقة، وكان تلامذة الشيخ عيسى يتسابقون إليه عند صلاة الفجر في حي الأكراد في منطقة ركن الدين في جبل قاسيون، فكان الشيخ محمد أمين يصل أوَّل الناس حتى في أوقات الشتاء والثلج. يقول الشيخ أبو الخير الميداني، الذي كان زميله عند الشيخ عيسى، أنه مرة كان الثلج كثيفاً حتى قطع الطرق فقرر أنه سيسبقه ويكون عند شيخه قبل الشيخ محمد أمين، ولكنَّه لما وصل فوجئ به أنه قد سبقه. فقد كانت له همة عالية في العبادة والمجاهدة والذكر، وكان يفضل للمريد ستر أحواله حتى لا يغترَّ بنفسه، فكان ينقل عن شيخه قوله: "اجعل نفسك كالتراب حتى يطأك الخلق فتصير غباراً يعلو على الرؤوس." توفي رحمه الله سنة 1346هـ/1927م ودفن في مقبرة مولانا خالد النقشبندي.[72]

 

فلما انتقل الشيخ محمد أمين الزملكاني إلى جوار ربه تابع المسيرة بعده الشيخ محمد أمين كفتارو الذي تفرّغ كلّياً في جامع أبو النور بحسب وصية شيخه الشيخ عيسى الكردي الذي أجازه في العلم والتربية والتزكية قبل سنة واحدة من وفاته.

 

ولد الشيخ محمد أمين كفتارو سنة 1292هـ/1875م في قرية كرمة من قضاء ماردين جنوب شرق تركية المتاخمة للحدود السورية، وكان والده الملا[73] موسى نظير[74] من العلماء الكبار هناك ثم هاجر إلى دمشق حينما كان ابنه الشيخ محمد أمين لا يزال في السنة الأولى من عمره. وعندما وصل الشيخ موسى إلى دمشق نزل بأهله في سفح جبل قاسيون واستقرَّ في حي ركن الدين قرب جامع أبو النور، الذي كان في ذلك الوقت مصلى صغيراً دُفن فيه الأمير زين الدين أبو سعيد قراجا الناصري الملقب بأبي النور عام 604هـ/1208م، وهو أحد القادة المجاهدين الذين شاركوا صلاح الدين الأيوبي في تحرير بيت المقدس.

 

ويذكر الشيخ موسى أن سبب أنسه بجامع أبو النور هو أنه لما حطّ رحاله في هذا الجامع الصغير كان متعباً فخطر له أن يستريح في باحة المسجد فجلس وأراد أن يمد رجليه شرقاً ولكنَّه تذكر مقام الشيخ خالد النقشبندي، ثم أراد أن يمدهما غرباً فتذكر مرقد الشيخ محي الدين ابن العربي، وخاف أن يمدهما جنوباً حيث توجد مقامات الصحابة، وأشفق أن يمدهما شمالا حيث يوجد مقام الأربعين الأبدال في قلب جبل قاسيون. فلما تحير جثا على ركبتيه وأخذته سِنة من النوم، فرأى مولانا خالد النقشبندي يلاطفه ويقول له "مدَّ رجليك نحونا فالبساط أحمدي".

 

نذر الشيخ محمد أمين بن موسى كفتارو حياته منذ نعومة أظفاره لطلب العلم، وأخذ ينهل من معين العلماء والصالحين، وعكف على تحصيل العلوم الشرعية من فقه وأصول وتفسير، وحديث، ثم قام بعد ذلك بعقد حلقات التعليم في جامع أبو النور حتى أرشده أخوه الشيخ صالح إلى الشيخ عيسى الكردي فلازمه حتى وفاته سنة 1331هـ/1912م.

 

 

سماحة الشيخ أحمد كفتارو ووالده الشيخ محمد أمين

 

كان الشيخ محمد أمين يؤكد على أهمية التربية الروحية التي تلتزم بالكتاب والسنة، وكان يَعدُّ التصوف وسيلة للوصول إلى مقاصد الشرع لأنه يساعد على تزكية النفس وتطهير القلب وتقوية الإرادة. ولقد كانت المرحلة في بداية القرن التاسع عشر تتميز بظهور بعض النزعات نحو التعصب المذهبي الذي نبذه الشيخ أمين بقوة ودعا إلى دراسة الفقه الإٍسلامي الذي يوفق بين المذاهب، ولذلك قرر تدريس كتاب الميزان للإمام عبد الوهاب الشعراني، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد. وقد اشتهر عن الشيخ أمين قوله: "المذاهب الإسلامية مظهر ثراء لا مظهر فوضى، ودليل ضبط لا دليل اضطراب، والفقيه هو الذي لا يحول بينه وبين الكتاب والسنة رأي بشر كائناً من كان."[75]

 

تابع الشيخ محمد أمين دروسه في جامع أبو النور وجوامع دمشق الأخرى مثل مسجد سعيد باشا، والمناخلية، والأحمدية، والأقصاب، وعندما بلغ الثالثة والستين من العمر أصيب بوعكة في جسده توفي على إثرها يوم الأحد في السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1357هـ/1938م، وكان قد أوصى أن يخلفه من بعده نجله الشيخ أحمد كفتارو.

 

وخلال العقود الثلاثة التي قضاها في التدريس ترك رحمه الله أثراً كبيراً في مسيرة الإصلاح في بلاد الشام التي تابعها العديد من تلامذته الكبار من أمثال الشيخ عبد الرؤوف الأسطواني القاضي الشرعي الأول الأسبق في دمشق، والشيخ محمد بشير الباني الذي كان مستشاراً لمحكمة النقض وخطيباً للجامع الأموي، والعلامة الشيخ عبد الهادي الباني، والدكتور مدحت شيخ الأرض السفير الأسبق للمملكة العربية السعودية في عدد من البلدان الأوربية ورئيس المركز الإسلامي في جنيف بسويسرا، والدكتور عارف الطرقجي رئيس الطب الشرعي الأسبق في الجامعة السورية، بالإضافة إلى نجله الشيخ أحمد كفتارو الذي قاد المسيرة من بعده، والذي انتُخب سنة 1964م من قبل علماء دمشق ليصبح المفتي العام للجمهورية العربية السورية، حتى وفاته قدَّس الله سرَّه العزيز.

 

والشيخ أحمد بن محمد أمين كفتارو النقشبندي هو الشيخ المربي للشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي الذي نحن في حضرته، ولقد عاصره على مدى خمسة وستين عاماً منذ توليه الطريقة سنة 1357هـ/1938م وحتى وفاته قدّس الله روحه في الثامن عشر من شهر رجب سنة 1425 هجرية وهو الموافق للأول من شهر أيلول سنة 2004 ميلادية، ولذلك سوف نترك الحديث عن حياته وإنجازاته إلى ثنايا هذا الكتاب بالتوازي مع الحديث عن حياة فضيلة الشيخ رمضان أطال الله في عمره وبارك له في صحته.

 

 

 

4- الاحتلال الفرنسي لسورية:

 

لكن دمشق التي بقيت عاصمة للخلافة الإسلامية لفترة طويلة وانطلقت منها الفتوحات الإسلامية المختلفة، ومنها انطلق أيضاً صلاح الدين الأيوبي فوحّد بلاد الشام مع مصر وحرَّر القدس من أيدي الصليبيين، هذه المدينة التاريخية الشامخة عانت بعض الانحطاط لفترات ليست بالقصيرة في نهاية الخلافة العثمانية، وخاصة في بداية القرن التاسع عشر، وانتهى ذلك بمرحلة أكثر ظلمة مع دخول الاحتلال الفرنسي الذي استمرَّ حتى سنة 1365هـ/1946م.

 

ومع ذلك فقد بقيت شعلة العلم متوقدة في الشام حتى في أحلك الظروف، حيث نعمت دمشق تحديداً وبلاد الشام عموماً بسلسلة لا تنقطع من أهل العلم الذين استطاعوا الحفاظ على الدين الإسلامي وتصحيح الأخطاء التي غرسها المستعمرون وتوارثها الناس مع مرور الزمن. فبمجرد دخول الفرنسيين إلى سورية بادر شيوخ الشام بجميع فئاتهم واختلاف انتماءاتهم إلى ثورة عارمة وشاركوا في تنظيمها وقيادتها.

 

انطلقت الثورة السورية من غوطة دمشق، قبل أن تبدأ في جبل الدروز، ثم ما لبثت أن انتشرت في جميع أنحاء سورية، وقد كان للشيخ بدر الدين الحسني، الذي سنذكره بعد قليل، وتلاميذه الذين تربوا عنده، دور كبير في حثِّ الناس على الثورة ضد الاحتلال الفرنسي. ففي سنة 1342هـ/1924م طاف الشيخ بدر الدين، مع بعض من تلاميذه مثل الشيخ علي الدقر[76] والشيخ محمد هاشم الخطيب، بين المدن السورية من دمشق إلى دوما ثم إلى النبك وحمص وحماة وحلب، وكانوا كلَّما وصلوا بلدة أو قرية، خرج أهلها عن بكرة أبيهم، لاستقبالهم بالأهازيج والمواكب، ثم ساروا وراءهم إلى المسجد، فتكلموا فيه ووعظوا وحمّسوا، وأثاروا العزّة الإسلامية في النفوس، وذكّروا بالمجد الغابر، وحثّوا الناس على الجهاد لإعلاء دين الإسلام، فكانت هذه الرحلة هي العامل الأول والمباشر لقيام الثورة.[77]

 

ثم قامت الثورة السورية في سنة 1343هـ/1925م في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، وفي منطقة حوران بقيادة زعيم حوران الشيخ إسماعيل باشا بن إبراهيم الحريري الرفاعي شيخ مشايخ حوران، ثم امتدت الثورة إلى دمشق واللاذقية ولبنان، وفي حلب أحبط الثوار بقيادة إبراهيم هنانو مشروع الانفصال عن دمشق الذي حاولت فرنسة تمريره من خلال البرلمان.

 

ولقد كان صبحي علي دياب، والد الشيخ رمضان الذي نحن في حضرته، من المشاركين في الثورة، وكان ملاحَقاً من قبل الدرك الذي يعمل بأمر الاحتلال.

 

 

 

5- علماء الشام في تلك الفترة:

 

على الرغم من جميع الظروف والصعوبات التي مرَّت بها بلاد الشام في فترة انهيار الدولة العثمانية والاحتلال الفرنسي لسورية، إلا أن الوجه المشرق لتاريخ الشام العلمي لم ينكسف، بل ربما زادت هذه الظروف القاسية من أهمية العلماء الذين كانوا العزاء الأخير للناس كما كانوا قدوة لهم وقادة للثورة والإصلاح ومقاومة الغزو الثقافي الذي حاولت القوى المهيمنة فرضه على البلاد.

 

برز في تلك الفترة في العشرينيات من القرن الماضي عدد كبير من العلماء الذين شكلوا جبهة ضد الجهل والاستعمار عن طريق الوعظ والإرشاد وبناء المدارس الأهلية لمواجهة المدارس التي كانت تديرها فرنسة. وبالإضافة إلى شيوخ التربية والتزكية الذين ذكرنا بعضهم أعلاه فيما يخص الطريقة النقشبندية، فقد كان من أبرز علماء الشام في القرن الماضي الشيخ بدر الدين الحسني الذي كان مدرسة كاملة في الحديث والعلوم الإسلامية كافة، وحتى في العلوم العامة والرياضيات، ويعود إليه الفضل في مقاومة الاستعمار ونشر العلم عن طريق النهضة العلمية التي رعاها من بعده عدد من تلامذته مثل الشيخ عبد القادر القصاب، والشيخ طاهر الأتاسي مفتي حمص، والشيخ محمد المبارك، والشيخ توفيق الأيوبي، والشيخ محمد كامل الهبراوي الحلبي، والشيخ محمد رضا الزعيم الدمشقي، والمؤرخ الكبير الشيخ محمد راغب الطباخ، ومؤرخ مكة الشيخ عبد الستار الهندي المكي، والشيخ محمد بن سالم المنوفي المصري المالكي الأزهري، والشيخ نجم الدين بن عبد الله البغدادي، والسيد محمد درويش الألوسي البغدادي، والشيخ أبو الخير علي بن محمد عواد السلاوي المغربي، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ سليم الكزبري، والشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت، والشيخ عبد الرزاق الأسطواني، والشيخ علي الدقر، والشيخ محمد هاشم الخطيب، والشيخ مكي الكتاني، والشيخ محمد صالح الفرفور، والشيخ محمد الشريف اليعقوبي، والشيخ عارف الجويجاتي، والشيخ عارف الصواف الدوجي، والشيخ راشد القوتلي، والشيخ محمود العطار، والشيخ وسيم أفندي الجندي، والشيخ أمين سويد، والشيخ يحيى المكتبي، والشيخ محمد رفيق السباعي، والشيخ محمود الرنكوسي، والشيخ حسن حبنكه الميداني، والشيخ طه المكتبي، والشيخ أحمد التلمساني، والشيخ أحمد العربيني، والشيخ سعيد الهرباوي، وعدد كبير من العلماء الذين لم نتمكن من ذكرهم.

 

كان الشيخ بدر الدين الحسني من أكابر علماء الشام وقد بعث فيها نهضة هائلة في التعليم الشرعي بقيادة تلميذه الشيخ علي الدقر الذي أسس الجمعية الغرَّاء التي انبثق عنها عدد من المدارس والمعاهد الشرعية وقد درس فيها الشيخ رمضان وشيخه الشيخ أحمد كفتارو كما سنرى في الفصل القادم.

 

 

 

 

محدِّث الديار الشامية الشيخ محمد بدر الدين الحسني رضي الله عنه

 

والشيخ بدر الدين هو محمد بدر الدين بن يوسف الحسني، أصله من المغرب من ذرية الشيخ الجزولي،[78] ولد في دمشق سنة 1267هـ/1850م من أبوين فاضلين ووالده هو العلاَّمة الكبير والإمام الشهير الشيخ يوسف بن العلامة الشيخ بدر الدين الحسني، وكان مالكي المذهب قادري الطريقة، من سادة المغرب، رحل إلى مصر لطلب العلم فأخذ عن أعلامها وعن علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم جاء إلى الشام ليأخذ عن أقطابها فاستقر فيها ودرّس وخرّج طلاب العلم الذين برزوا ولمعوا في هذا المجال. نشأ الشيخ بدر الدين في حجر والده وقد أتمَّ حفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة وهو ابن سبع سنين، ثمَّ أخذ في دراسة علوم الحديث وحفظ المتون فكان يحفظ غيبًا صحيحي البخاري ومسلم بأسانيدهما، وموطأ مالك ومسند أحمد وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وكان يحفظ أسماء رجال الحديث وما قيل فيهم من جرح وتعديل ويحفظ سنيّ وفاتهم، وكان له الباع الطويل والقدم الراسخة في كافة العلوم حتى الرياضيات العالية، والحكمة، والفلسفة، والطب، والهيئة، والجغرافيا، والهندسة، والنحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق، والفقه، وغيرها، بالإضافة لكونه من أكابر علماء الحديث؛ فكان إذا ذكر حديثًا جلس ساعة يتكلم في شرحه وما يُستنبط منه، كان يجلس بعد صلاة الجمعة إلى صلاة العصر في شرح حديث واحد في الجامع الأموي، وكان يقرأ عن ظهر قلبه من صحيح البخاري، وقد أُعجب الناس بفصاحته حتى أخذ بمجامع قلوب السامعين من حكام وحكماء وعلماء وخطباء وأدباء وعامة الناس. ولما أحس أنه قد ألَمَّ بنفوس العلماء بعض القلق حيث أقبل الناس على درسه، اعتزل في غرفته في مدرسة دار الحديث الأشرفية ولم يخرج منها مدة عشر سنين وكان يصلي الجمعة في حجرته الملاصقة للمسجد من جهة الشرق. ولما جاوز الثلاثين من عمره عاد إلى التدريس في جامع الأقصاب والمسجد الأموي إلى أن توفي رحمه الله يوم الجمعة الواقع في 27 ربيع الأول سنة 1354هـ/1935م في دمشق وقد دفن في تربة باب الصغير.[79]

 

===================

[41] من قصيدة للبحتري يمدح بها المتوكل، قالها عند قدومه إلى دمشق، انظر في: ديوان البحتري، تحقيق عمر فاروق الطباع، 1421هـ/2001م، دار الأرقم، بيروت، ج2ص709. والقيظ هو الحر الشديد وأمّا "واكفاً خضلاً" فهي إشارة إلى السحاب الممطر.
[42] معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، 1397هـ/1993م، ج2ص463.
[43] ويقول ابن البدري في كتابه (نزهة الإمام في محاسن الشام): "كانت صور الكواكب على هذه الأبواب؛ زحل على باب كيسان، الشمس على الباب الشرقي، الزهرة على باب توما، القمر على باب الجنيق، عطارد على باب الفراديس، وصورة المشترى على باب الجابية، أمَّا المريخ فعلى الباب الصغير". انظر: نزهة الأنام في محاسن الشام (سلسلة التواريخ والرحلات 5)، أبو البقاء عبد الله البدري، دار الرائد العربي - لبنان، 1400هـ/1980م، ص17. وتجدر الإشارة إلى أن أسماء هذه الأبواب وعددها قد تغير عبر التاريخ عدة مرات.
[44] هو عطاء بن أبي مسلم المحدث الواعظ نزيل دمشق والقدس، من مشاهير رواة الحديث، ولد سنة خمسين للهجرة وتوفي سنة خمس وثلاثين ومئة، انظر: سير أعلام النبلاء، الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وحسين الأسد، مؤسسة الرسالة-بيروت،1986م، (10 أجزاء)، ج6ص53.
[45] انظر في مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، للإمام محمد بن مكرم المعروف بابن منظور، تحقيق روحية النحاس ورياض عبد الحميد مراد ومحمد مطيع الحافظ، دار الفكر-دمشق، 1984م، ج1ص11.
[46] كنز العمال، للعلامة علاء الدين المتقى بن حسام الدين الهندي، طبعة مؤسسة الرسالة بيروت، 1409هـ/1989م، حديث رقم 35056، والحديث رواه الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمرو وفيه أبو خليفة الدمشقي عن الوضين بن عطاء، قال أحمد ما كان به بأس، ولينه غيره. وكذلك أخرجه الطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود.
[47] هو أبو أمامة الباهلي، الصحابي الجليل صدي بن عجلان بن وهب بن رياح بن الحارث، صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ممن حج مع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان عمره ثلاثون سنة، توفي في حمص سنة 81 للهجرة أو قيل 86.
[48] الجامع الصغير، رقم 4924، وقال السيوطي إنه حديث حسن.
[49] الجامع الصغير، رقم 2766، وقال السيوطي إنه حديث صحيح.
[50] الجامع الصغير، رقم 3034، وقال السيوطي إنه حديث حسن، وانظر أيضاً الأحاديث رقم 3036 و3037. وانظر أيضاً في كنز العمال: الحديث رقم 34595، وفيه «قال المناوي في الفيض قال المصنف: أخرجه عنه أحمد والحاكم والطبراني من طرق أكثر من عشرة.»
[51] الجامع الصغير، رقم 4925، وقال السيوطي إنه حديث حسن.
[52] مجمع الزوائد: المجلد العاشر، الحديث رقم 16640، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.
[53] مجمع الزوائد: المجلد العاشر، الحديث رقم 16642، رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد، وفي أحدها ابن لهعية وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح.‏
[54] أخرجه الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[55] مجمع الزوائد: المجلد العاشر، الحديث رقم 16647، رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة.‏ وانظر كذلك الحديث رقم 16648.
[56] هذا الحديث ضعفه الألباني (راجع: تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي، محمد ناصرالدين الألباني. ومعه: مناقب الشام وأهله من تأليف ابن تيمية، بيروت، دمشق، المكتب الإسلامى، 1405هـ/1984م). وعن مكان هذه الربوة قال ابن عباس: هي أنهار دمشق. وعن سعيد بن المسيب قال: هي دمشق ذات قرار ومعين، الغوطة. وعن يزيد بن شجرة قال: دمشق هي الربوة المباركة. وكذلك قال الحسن البصري وغيره. وقال أبو هريرة: هي الرملة من فلسطين. وقيل إنها بيت المقدس. انظر في: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور، ج1ص19.
[57] أخرجه الطبراني في الدر المنثور، وابن عساكر في تاريخ دمشق.
[58] ويقال: إن المنارة التي ينزل عندها عيسى عليه السلام هي التي عند كنيسة مريم بدمشق.
[59] ابن تومرت هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت (485هـ/1092م-524هـ/1130م) وهو من قبيلة زناتة البربرية، وكان يدعو إلى مذهب التوحيد فعُرف أصحابه بالموحدين وتلقب بالمهدي. بدأ في سنة 515هـ/1121م كآمر بالمعروف وناه عن المنكر وكان قد رحل إلى المشرق سنة 501هـ/1107م في طلب العلم وانتهى إلى بغداد. ثم رجع إلى بجاية وتولى التدريس والوعظ فاجتمع عليه الناس ومالت إليه القلوب ثم انتقل إلى مدينة تلمسان وأسس حركة إصلاحية أدت إلى قيام دولة الموحدين في المغرب والأندلس واستطاعت أن تحافظ على الأندلس لأكثر من قرن من الزمان.
[60] الطبقات الكبرى، محمد بن سعد البغدادي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م، الجزء التاسع، ص388-442.
[61] يقول سيدي الشيخ رمضان إن قبر سيدنا بلال رضي الله عنه هو في أول طريق المطار ضمن مبنى معهد الفتح الإسلامي، وليس في الباب الصغير، وذلك مروي عن الإمام النووي رحمه الله، ومدون على القبر هناك.
[62] جامع الأصول، ص23-24. والجذبة أو الجذب مصطلح صوفي يُقصد به "ملاحظة العناية الإلهية للعبد باجتذابه إلى حضرة القرب" وذلك بأن يهيّئ الله له كلّ ما يحتاجه في طريقه لاجتياز المنازل والمقامات دون كلفة ولا مشقّة، بعكس المريد السالك الذي يقطع الطريق بالمجاهدة والرياضة. ويقول شيوخ التصوف: إن صاحب الجذبة يرى في بدايته ما يكون له في نهايته، وإن جذبةً من جذبات الحق تُربي على أعمال الثقلين. راجع: شمس المغرب: سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه، محمد حاج يوسف، دار فصِّلت – حلب، 2006، ص84.
[63] الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، طاشكبري زادة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1395هـ/1975م، ص155.
[64] راجع الملحق الأول للمزيد حول رجال السلسلة النقشبندية الشريفة.
[65] وهذا أمر يحصل في كلّ زمان ولكنّ صاحب المقام يخفي حاله عن الناس، انظر: كتاب الحديقة الندية في آداب الطريقة النقشنبدية والبهجة الخالدية، تأليف محمد بن سليمان الحنفي البغدادي، وهو منشور بهامش كتاب: أصفى الموارد من سلسال أحوال الإمام خالد، تأليف عثمان بن سند الوائلي النجدي، القاهرة، المطبعة العلمية، 1313هـ/1896م، ص3.
[66] للمزيد راجع: الشيخ خالد النقشبندي، العالم المجدد؛ حياته وأهم مؤلفاته، جمع وتحقيق نزار أباظة، دار الفكر، دمشق، 1994م. وراجع كذلك ترجمته في كتاب أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر، تأليف محمد جميل الشطي، دار البشائر، دمشق، 1994م، ص98. كذلك راجع مجلة المجمع العلمي الكرديّ، العدد الأوّل: بغداد-1973، ص697-727.
[67] ولترجمة هؤلاء الأعلام راجع كتاب: حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، عبد الرزاق البيطار، المجتمع العلمي العربي، دمشق، 1963م.
[68] عبد المجيد بن محمّد بن محمّد الخانيّ، الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبنديّة، ص258.
[69] وهو العلامة الكبير الشيخ محمد أبو الخير بن محمد بن حسين بن بكري الميداني المكنَّى بأبي الخير، ولد 1291هـ/1875م في الميدان، ولما أنهى دراسته ذهب إلى المدرسة الحربية في استنبول، ولكنَّه عاد ولازم الشيخ الصوفي الزاهد سليم المسوتي حتى قال له لم يبق عندي شيء إلا صار في صدرك، وكذلك لازم الشيخ عيسى الكردي النقشبندي كما ذكرنا أعلاه، الذي زوجه ابنته. كان رحمه الله مثاليا في علمه وأعماله وأخلاقه وتواضعه وأدبه، وكان خلقه القرآن الكريم وشمائله السنة المطهرة، ما رآه أحد إلا هابه ولم يصاحبه أحد إلا أحبه. وكان يتقن اللغة التركية والفارسية والكردية والفرنسية ويلم إلماماً حسناً بالإنكليزية. توفي رحمه الله في دمشق سنة 1380هـ/1961م.
[70] للمزيد عن الشيخ عيسى الكردي النقشبندي، راجع: كتاب منتخبات التواريخ لدمشق، تأليف محمد أديب آل تقي الدين الحصني؛ قدم له كمال سليمان الصليبي، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1979م، ج2ص753.
[71] وللمزيد عن هؤلاء الأعلام راجع: تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، محمد مطيع الحافظ، نزار أباظة؛ قدم له شكري فيصل، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، 1986م، ج1ص284، وراجع كذلك: الأعلام الشرقية: 2/142، معجم المؤلفين: 478.
[72] انظر في: تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، ج1ص425.
[73] لقب "ملا" باللغة الكردية والفارسية يعني الشيخ.
[74] إن أصل كنية الشيخ موسى هو "نظير"، وكلمة "كفتار" باللغة الكردية تعني "الضبع"، فمرة هجم ضبع على "الملا موسى نظير" فقتله وأكل فخذه اليمين، فمنذ ذلك الوقت سمي كفتارو. ومن المعروف أن أكل لحم الضبع حلال شرعاً.
[75] راجع: الشيخ أحمد كفتارو ومنهجه في التجديد والإصلاح، إعداد الدكتور محمد حبش، دار الشيخ أمين كفتارو، دمشق، 1996م، ص44.
[76] هو الشيخ محمد علي بن عبد الغني الدقر الدمشقي، ولد في دمشق سنة 1294هـ/1877م، ولازم الشيخ بدر الدين الحسني وغيره، ثم اشتغل بالتدريس في جامع سنان باشا. توفي بدمشق سنة 1362هـ/1943م. كان والده يعمل بالتجارة بهمة ونشاط، وقد حصل منها على ثروة طائلة سخرها لخدمة الفقراء. تتلمذ الشيخ علي على يد الشيخ بدر الدين الحسني، وقرأ عليه الكتب الخمسة في الحديث، وكان له عنده منزلة سامية من الحب والتقدير، وكان يختاره إماماً لصلاة العشاء في الدرس الخاص الذي كان يقام في منزل الشيخ بدر الدين على الرغم من وجود كبار العلماء. وقرأ أيضاً على الشيخ أمين سويد بعض العلوم الشرعية، لاسيما علم التصوف والأخلاق. ولقد سخر الشيخ علي نفسه لخدمة العلم ونشر المعرفة وخاصة عن طريق تعليم أطفال المسلمين دينهم وأخلاق سلفهم الصالح فأنشأ في سبيل ذلك "الجمعية الغراء" التي انبثق عنها عدد من المدارس والمعاهد الشرعية التي خرجت عدداً كبيراً من طلاب العلم الذين بلغوا الآلاف ونبغ منهم الكثيرون فكانوا من خيرة علماء دمشق. توفي الشيخ علي في دمشق سنة 1362هـ/1943م، وصُلي عليه في الجامع الأموي بجنازة حافلة حضرها كبار العلماء والوجهاء وعامة الناس.
[77] راجع: ذكريات علي الطنطاوي، دار المنارة للنشر، جدّة - السعودية، 1405هـ/1985م، ج1 ص218. وقد اعترف المندوب السامي الفرنسي في تقرير نشرته جريدة الأحرار الصادرة في بيروت سنة 1354هـ/1936م، العدد 678، أن تحريض الشيخ بدر الدين الحسني كان هو الشرارة لبداية الثورة.
[78] وهو الشيخ محمد بن سليمان بن داود بن بشر بن عمران بن أبي بكر الجمال أبو عبد الله الجزولي المغربي ثم المكي المالكي. ولد في سنة 807هـ/1404م بجزولة من أعمال المغرب ومات أبوه وهو ابن ثمان سنين أو نحوها فتجول مع أخيه عيسى بمراكش فأكمل بها حفظ القرآن وأقام بها ستة عشر عاماً يشتغل في الفقه والعربية والحساب على أبي العباس الحلفاني وأخيه عبد العزيز قاضيها وآخرين؛ ثم انتقل إلى فاس وتلمسان وتونس ثم القاهرة واجتمع بعلمائها، وسمع الحديث في كثير من البلاد، ودخل مكة في موسم سنة 841 ثم سافر منها إلى المدينة فجاور بها ثم عاد لمكة وتأهل بها ورزق الأولاد وتصدى للتدريس بهما مع الإفتاء، وكان بارعاً في الفقه والأصول. مات رحمه الله بمكة سنة 863هـ/1459م. انظر: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، الإمام شمس الدين السخاوي، تحقيق أسعد طرابزوني الحسيني، المكتبة العلمية-المدينة المنوَّرة، 1399هـ، ثلاث أجزاء، ج3ص578 (رقم 3783).
[79] للمزيد عن سيرة الشيخ محمد بدر الدين الحسني وتلاميذه، راجع: رسالة محمود الرنكوسي المسماة الدرُّ اللؤلؤية في النعوت البدرية، التي كتبها سنة 1370هـ/1951م، والمنشورة في ذيل روض البشر في أعيان دمشق في القرن الثالث عشر، محمد جميل الشطي، دار اليقظة العربية، دمشق، 1946م، الذي يحوي أيضاً ترجمات لبعض هؤلاء العلماء الذين ذكرنا أسماءهم أعلاه. وراجع أيضاً: المحدث الأكبر وإمام العصر العلامة الزاهد الشيخ محمد بدر الدين الحسني كما عرفته، تأليف الشيخ محمد صالح الفرفور، دار الإمام أبي حنيفة-دمشق، 1986م، كذلك: محدث الشام العلامه السيد بدرالدين الحسيني بأقلام تلامذته وعارفيه؛ جمع وترتيب محمد بن عبدالله آل الرشيد، دار الحنان، دمشق، 1998م. وردت ترجمته أيضاً في كتب كثيرة نذكر منها: الأعلام للزركلي: ج7ص158، رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي: ص381، ذكريات علي الطنطاوي: ج1ص213، علماء ومفكرون عرفتهم للشيخ محمد المجذوب: ج1ص239، وراجع أيضاً: علماء الشام في القرن العشرين وجهودهم في إيقاظ الأمة والتصدي للتيارات الوافدة، بقلم محمد حامد الناصر، دار المعالي، الأردن، 2003م.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





المسلم حريص على الثواب، ويستكثر من الحسنات، ويجتهد في الطاعات، وكثيراً ما يفكر في كيفية زيادة رصيده من الحسنات، مع كثرة الأعمال والمشكلات، وتعاظم الملهيات والمغريات، ومن هنا أقول لكم وبكل قوة ووضوح: إن الذكر من أعظم أبواب الأجر، ويؤكد ذلك حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ"، والكثير من الأحاديث المماثلة.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!