إيجازُ البَيَانِ - الفصل الخامس - دروسه الأسبوعية والدعوة النسائية

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الخامس

دروسه الأسبوعية

والدعوة النسائية

 

 

 

 

 

 

 

مَلأَ الأَرْضَ بِالعِلْمِ نُوراً وَحُبّ

***

 

وَأَضَاءَ السَّمَاءَ شَرْقاً وَغَرْب

قَدْ عَلا نَجْمُهُ الثُّرَيَّا مُضِيئ

***

يَنْشُـرُ العِلمَ في الأَصْقَاعِ شُهْب

كَوْكَبٌ يَحْرِقُ النُّفُوسَ سَنَاهُ

***

فَيَزِيدُ القُلُوبَ مِنَ الله قُرْب

لَهُ في عُلُومِ الدِّينِ بَاعٌ طَويلٌ

***

وَذِرَاعٌ في فُنُونِ الحَيَاةِ ضَرْب

هُوَ في النَّاسِ لا يَعْلُو عَلَيْهِمْ

***

وَيَرَاهُ العَارِفُونَ بِالله قُطْبا[141]

 

1- دروسه الأسبوعية في دمشق وضواحيها:

خصَّص فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه عدداً من الدروس للحديث الشريف وتفسير القرآن الكريم بالإضافة إلى دروس أخرى في الفقه والسيرة والتجويد واللغة العربية، يقوم بإلقائها في عدد من جوامع دمشق وضواحيها مثل "حوش عرب" و"رنكوس" و"عين التينة" و"تلفيتا" و"عين ترما" و"كفربطنة" و"جسرين" و"سقبا" و"جوبر" و"عربين" و"حرستا" وغيرها. وكان رضي الله عنه يبدأ دروسه بجلسة ذكر لمدة نصف ساعة قبل أن يبدأ بالكلام.

 

ويحرص الشيخ رمضان في تدريسه على بعض الكتب المعروفة في التخصصات المختلفة؛ فكان يدرِّس الفقه الحنفي من كتاب نور الإيضاح ومراقي الفلاح، والفقه الشافعي من سلسلة الفقه الشيِّق التي ألَّفها مع زوجته الدكتورة غادة ضاهر، والسيرة النبوية من السيرة الحلبية لابن هشام، والتجويد من رسالة العرفان التي ألَّفها لهذا الشأن، واللغة العربية من متن الأجرومية وشرح الكفراوي وابن عقيل على شرح الألفية. وأما في التصوُّف فكان يعتمد كتاب الحدائق الوردية في الطريقة النقشبندية.

وكان يستخدم في كلِّ تنقّلاته بين هذه المواقع المترامية داخل دمشق وخارجها وسائل نقل بسيطة كالدراجة العادية (البايسيكل) أو الدراجة الآلية (الموتوسيكل) أو ما يتوفَّر له من وسائل نقل من بعض أصحابه.

الشيخ رمضان يقود الدراجة بين ضواحي دمشق

حدَّثنا خالد الليل المعروف بأبي راكان أنه كان مرة يركب سيارته قاصداً بلدة خارج دمشق، إذ سمع صوت الشيخ رمضان يقول له: ارجع إلى البيت فإني أريدك! ومع أنَّ الصوت كان واضحاً إلا أنه شكَّ في ذلك! ثمَّ تكرَّر النداء عِدَّة مرَّات، فقال أبو راكان في نفسه: لابدَّ أنني أتوهَّم. فلمَّا لم يهتمَّ أبو راكان لهذه النداءات رأى بأمِّ عينيه صورة الشيخ رمضان أمامه يقول له: أريد منك أن تأتي إليَّ في البيت! عندئذ قفل أبو راكان راجعاً إلى مسجد أبو النور حيث يوجد بيت الشيخ رمضان، فدقَّ الباب وسأل عن الشيخ فقيل له إنه غير موجود، فقال لنفسه: إذاً لا شكَّ أنني كنت أتخيَّل. ولما أراد أن يرجع قالت له فاطمة ابنة الشيخ رمضان، إنَّ أمي تسألك إنْ كان بإمكانك أن توصلنا إلى منطقة الميدان حيث إنَّ الشيخ يلقي الآن درساً هناك ولم يستطع أن يصطحبنا معه؟ فأجاب بالإيجاب وحملهم جميعاً إلى المكان فحضروا الدرس. فلمَّا انتهى الدرس جاء أبو راكان ليسلِّم على الشيخ الذي الْتفَّ حوله الناس كعادتهم بعد الدرس، فقال له الشيخ رمضان: "اللي جبتهم رجِّعهم"! فعندئذ فقط علم أبو راكان أنه لم يكن يتوهَّم أبداً!

وروت لنا هذه القصة أيضاً ابنته أم زاهر (فاطمة)، وفق مشاهدتها، حيث قالت إنَّ الشيخ لما أراد الذهاب إلى الدرس لم يكن يملك وسيلة نقل تحمله مع عائلته، فدعا أحد أصدقائه ليوصله على الدرَّاجة، وقال لزوجته أم أحمد: إن شاء الله سأرسل لكم من يحملكم إلى الدرس! ولم يتخيَّلوا وقتها أبداً أن يأتي أبو راكان في هذا الوقت وهم يعلمون أنَّهُ يذهب عادة إلى بلده في المساء.

كان فضيلته لا يترك دروسه مطلقاً، حتى إنَّه كان يلقي الدروس أثناء مرضه ولو اضطرَّ أن يلقي الدرس وهو على الفراش، وقد فعل ذلك عدة مرَّات. بل لا ينقطع عن الدرس مهما كانت الظروف، كحظر التجوُّل مثلاً، فكان يذهب إلى الجامع ويلقي الدرس رغم عدم وجود أحد من الإنس.

 

2- اهتمامه بالدعوة النسائية:

"الأمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَ

***

أَعْدَدْتَ شَعْباً طَيِّبَ الأَعْرَاقِ"

فَهِيَ الَّتي تَلِدُ الرِّجَالَ، وَمَنْ تَكُنْ

***

أُمَّ الرِّجَالِ، فَذَاكَ خَيْرُ خَلاقِ

فَإِذَا أَرَدْتَ بِنَاءَ جِيلٍ نَاجِحٍ

***

اِزْرَعْ بِهِنَّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ

وَلا مَكَارِمَ بَعْدَ دِينِ المُصْطَفَى

***

فَهُوَ المُرَادُ لَنَا ِمنَ الخَلاَّقِ

إِنَّ الَّذِي خَصَّ النِّسَاءَ بِعِلْمِهِ

***

بَلَغَتْ بَصِيرَتُهُ ذُرَى الآفَاقِ

هذَا هُوَ الشَّيْخُ رَمَضَانُ الَّذِي

***

بِهُدَاهُ عَادَ الدِّينُ لِلإِشْرَاقِ[142]

كانت المرأة في الجاهلية ممتَهنةً ومحتَقرةً ومسلوبة الحقوق، ويتشاءم بعض العرب حين ولادتها، وبعضهم كان يئدها خوفاً من الفقر والذلِّ والعار. ولم يكن هذا مقتصراً على العرب بل كان هناك أسوأ من ذلك بكثير في بلاد الهند والفرس والروم وأوربة. فمثلاً في سنة 586 ميلادية، قبل بعثة سيِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان كبار رجال الدين في (مجمَّع باكون) في فرنسة يتساءلون فيما إذا كانت المرأة من جملة البشر ولها روح أم لا![143]

وعندما جاء الإسلام رفع مكانة المرأة وساوى بينها وبين الرجل في الإنسانية والكرامة والأحكام الشرعية العامة. فيقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنما النساء شقائق الرجال"،[144] وفي القرآن الكريم سورة كاملة باسم "النساء"، وأخرى باسم "مريم"، وفي سورة "المُجادلة" قصة استماع الله عزَّ وجلَّ إلى المرأة التي جادلت النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زوجها. وضرب الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين ببعض النساء مثلاً في الإيمان والصبر والعفة والطهارة، فيقول الله عزَّ وجلَّ في سورة التحريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [11] وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [12]﴾.

ويفخر تاريخ الإسلام بنماذج كثيرة مشرّفة لأمّهات ونساء، من أمثال أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، وسمية بنت خباط أول شهيدة في الإسلام، والخنساء، ورابعة العدوية، وزمرد بنت نجم الدين أيوب أخت صلاح الدين، والعباسة بنت المهدي، وغيرهنَّ كثير.[145]

ولكن إسهام المرأة في المجتمع الإسلامي بدأ يتقهقر وينحدر بسبب انشغالهن بالجوانب الدنيوية والترفيهية التي أصبحت الطابع الغالب في حياة أغلب الناس، بعد أن غرقوا في بحار الأوهام بسبب القصص والدعايات الخيالية المكتوبة والمسموعة والمرئية، مما أدى بأكثر النساء إلى الاندراج في دوامة "الموضة" التي كثيراً ما تبعدهن عن العفة والطهارة والإيمان، وتلهيهن عن دورهن الإسلامي في تربية الأجيال والنهضة بالبلاد إلى مستويات حضارية مرموقة.

وظهرت في مقابل ذلك دعوات مختلفة من قبل المحافظين للرجوع إلى القيم الإسلامية الأخلاقية والإيمانية، ولكن الكثير من هذه الدعوات كانت متشددة وغير قابلة للتطبيق ولا تتوافق مع روح الإسلام ومنهجه، لأنها تضع قيوداً قاسية على المرأة تحت اسم الدين والأخلاق، وحظَّرت كثيراً من الحريَّات التي أعطاها الإسلام لها، وكأنها تريد إعادتها إلى عصر الجاهلية من جديد، مما وقف عائقاً كبيراً أمام تقدُّم المجتمعات الإسلامية.

ضرب الله عزَّ وجلَّ لنا أفضل مثل طبيعي في النور الذي يحوي طيفاً واسعاً من الألوان بين الأبيض والأسود. فلو تركنا الأهواء تسيّرنا فإنَّها ستقودنا بلا شكٍّ إلى الظلمة والفساد، ولكن لا يمكن أن نطلب من جميع الناس أن يكونوا، في وقت قصير، كالقميص الأبيض النظيف الذي لا تشوبه أيَّة شائبة. من أجل ذلك نجد أن الإسلام لم يتكلم عن الحلال والحرام وحسب، بل ترك دائرة واسعة اسمها المباحات؛ لا يفهمها كثير من المسلمين ولا يحسنون تطبيقها ولا الإفادة منها. فهل يجوز للمرأة أن تعمل أم لا يجوز، وهل يجوز لها أن تتحدث مع الرجال أم لا، وغير ذلك وما يتفرَّع عنه من الأمور التي تحدد ملامح المجتمع الإسلامي.

ويعدُّ الطريق الذي سلكه الشيخ في هذا الخصوص مثالاً فريداً يستحق دراسة عميقة وبحثاً مفصَّلاً لكي يقتدي به المسلمون في بلدانهم المختلفة، وذلك لكونه استطاع بشكل حكيم أن يحقق التوازن الدقيق بين مختلف الأحكام الشرعية التي تخصُّ النساء وتنظِّم دورهنَّ في بناء المجتمع مع المحافظة على جميع حقوقهنَّ وحرياتهنَّ الشخصية. إنَّ الحريَّات في الإسلام وتطبيقاتها العمليَّة وفهم حدودها أمرٌ عسيرٌ لا يمكن إدراكه وفهمه من غير مساعدة ومتابعة العلماء المخلصين من أهل الحكمة وأصحاب البصيرة الذين يسلكون على هدي وسنَّة سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي قال عنه الله عزَّ وجلَّ في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21]﴾.

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه، تعلِّمُنا مما علَّمك الله. قال: اجتمِعنَ يوم كذا وكذا، فاجتمَعن، فأتاهنّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعلَّمهنَّ مما علَّمهُ الله."[146] واقتداءً بهذا الحديث وجد الشيخ رمضان رضي الله عنه ضرورة تخصيص دروس أسبوعية للنساء من أجل تفقيههنَّ في الدين وتعليمهنَّ وتربيتهنَّ على منهاج الرسول سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بالإضافة إلى العديد من المحاضرات والدروس الأسبوعية التي تقوم بها زوجته الحاجة غادة ضاهر والمدرِّسات اللواتي تربَّين عنده وعند سماحة الشيخ أحمد كفتارو في جامع أبو النور، كالمربِّية ندوى الغبرة في دمشق والمربِّية عائشة الحافظ في حلب والكثير من المدرِّسات في المدن السورية الأخرى، بالإضافة إلى داعيات انتشرنَ في البلدان الأخرى وأصبح لهنَّ حلقات واسعة في أمريكة وفرنسة وإيطالية وغيرها.

3- أسلوبه المتميِّز في الدعوة والإرشاد:

فَذٰلِكَ كُلُّهُ شَأْنُ المُرَبِّي

***

وَقَلْبُ الشَّيْخِ يَنْظُرُ لِلْقُلُوبِ

عُيُونُ النَّاسِ تَنْظُرُ لِلْعُيُوبِ

***

يَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ

فَإِنَّ الْقَلْبَ إِنْ كَانَ سَلِيم

***

إِلى الإِصْلاحِ، في وَقْتٍ قَرِيبِ

إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ يَسْعَى

***

وَيَنْتَظِرُ الشِّفَاءَ مِنَ الْمُجِيبِ

يُدَاوِيهِ بِحَالِهِ ثُمَّ يَدْعُو

***

يَرَاهُ الْمَرْءُ في حَالِ الطَّبِيبِ

فَلا دَوَاءَ أَفْضَلَ مِنْ كَمَالٍ

***

وَقَبْلَهُ كَانَ يُوصَفُ بِالرَّهِيبِ

يَصِيرُ عَلَيْهِ طَبْعُ النَّفْسِ سَهْل

***

طَبِيبٌ لِلنُّفُوسِ وَلِلْقُلُوبِ[147]

بالإضافة إلى الملكات الفطرية والخبرات العملية والأساليب المبتكرة التي أتقنها ووظَّفها على أفضل وجه في التدريس والتربية والإرشاد، فقد تميَّز فضيلته بفراسة حاذقة يستطيع من خلالها تمييز معادن النفوس؛ فهناك كثير من العلماء والأدباء الذين لم يستطيعوا الإفادة من علومهم وآدابهم فكانت حجة عليهم، وهناك في المقابل كثير من الناس العاديين الذين لم تتسنَّ لهم الدراسات المتخصِّصة ولم يحصِّلوا الشهادات العليا ولكنَّ فكرهم النيِّر وطيب معدنهم وتواضعهم وإخلاصهم لدينهم يؤهِّلم لنشر الإسلام ولكي يكونوا من الدعاة الناجحين إذا ما توفرت لهم الوسائل والظروف المناسبة وبخاصَّة إذا تمَّت تربيتهم على يد شيخ مرشد قدير، وذلك لأنهم يملكون أساس الدعوة الناجحة وهو الإخلاص والاستعداد الدائم للعطاء.

كان الشيخ رمضان، حفظه الله، قادماً إلى جامع أبو النور، فشاهد بالقرب من الجامع فتاةً في منتصف عقدها الثاني واقفة على الرصيف تنتظر سيارة الأجرة وكان بقربها حاوية للقمامة، وكانت تلبس ثياباً غير إسلامية ولا تضع على رأسها حجاباً، ومع ذلك فإنَّ الشيخ رمضان استشعر الخير في قلب تلك الفتاة، ولم يكن يهتم بالمظهر، لأنَّ المظاهر يمكن تغييرها بسهولة، وأما القلب فهو المعوَّل عليه. اقترب منها فضيلته وقال لها: لو ابتعدت قليلاً عن هذا المكان لأنه لا يناسب هذه الثياب الأنيقة التي تلبسينها! ودار بينهما حديث قصير حيث إنَّه كان يعرف بعض أفراد عائلتها، وفي نهاية الحديث قال لها: متى شئت يمكنك أن تزوريني في جامع أبو النور، وأشار لها إلى بيته هناك.

تساءلت هذه الفتاة في نفسها: كيف قبِل هذ الشيخ أن يتكلم معي وأنا على هذا المظهر! وكانت تظنُّ أنَّ الإسلام يفرض شروطاً صعبة من الالتزام باللباس الشرعي والعبادات التي كانت تعتقد أنها شديدة الصعوبة ولا تستطيع أن تقوم بها، خاصة وأنها قد تربّت على هذا النوع من اللباس وعلى نمط مختلف من التفكير. وما هي إلا أيام قليلة حتى قدمت هذه الفتاة إلى الجامع لزيارة الشيخ رمضان كي تطرح عليه هذه الأسئلة والكثير مما كان يدور في خيالها ولا تجد الشخص المناسب الذي يمكنها أن تناقشه ويناقشها بكل صراحة. فقال لها الشيخ رمضان: أنا لا أهتمُّ بالمظهر، فما يهمُّني هو أنْ يكون قلبك مرتبطاً بحضرة الله سبحانه وتعالى، فهذا أساس الدين الحقيقي. فقالت وكيف يكون هذا؟ فقال لها الشيخ: إذا وقفتِ بين يدي الله ودعوتِه فإنه يسمعك. وبعد حديث قصير أعطاها جبَّته وعمامته فتوضَّأت وصلَّت ركعتين، مع العلم أن العمامة لم تكن لتغطي جميع شعرها! ولكنَّ من تعوّد أن يذلِّل أصعب الصعاب بهدوء وصبر جميل، لم يكن يهتمُّ في هذه المرحلة بمشروعية أداء هذه الصلاة بقدر ما كان يحاول أن يستدرجها إلى محبّة الله عزَّ وجلَّ حتى تذوق طرفاً من حلاوة مناجاته والوقوف بين يديه.

وجدت هذه الفتاة بعد هذه التجربة الجديدة أنَّ أمر الصلاة سهل ويسير، فداومت على هذا الحال لعدة أسابيع كانت تصلي خلالها من وقت لآخر، وتأتي إلى الشيخ رمضان فتسأله ويناقشها في كلِّ الأمور من غير أن يهتمَّ بمظهرها ولباسها، ولقد تحمَّل جميع الاعتراضات على هذا العمل الغريب الذي قام به، فكيف يسمح لفتاة أن تصلي دون حجاب ويقابلها في بيته أمام زوجته وبناته وبقيَّة النساء والطالبات اللواتي كنَّ يحضرن دروسه ودروس سماحة الشيخ أحمد رحمه الله!

وما هي إلا عدة أسابيع حتى توطدت علاقة هذه الفتاة بربها وأصبحت تشعر بيُسر الدين الذي بدأ يملأ قلبها وكيانها وينعش روحها، وأصبحت تشعر أنها واحدة من هذه العائلة الكبيرة ولا أحد ينظر لها نظرة استخفاف لمخالفتها في لباسها لباقي النساء، عندئذٍ قال لها الشيخ رمضان: إذا كنتِ مخيَّرة بين أمرين الأول حسن والثاني أحسن فماذا تختارين؟ فقالت بدون تردد: أختار الأحسن. فقال لها الشيخ: "إنَّ الأحسن هو أنْ تضعي الحجاب، لأنَّ الصلاة للمرأة يجب أن تكون بالحجاب الكامل". وهكذا بدأت ترتدي الحجاب في أوقات الصلاة، ثم تدرّج بها الأمر حتى أصبحت لا تخلعه إلا في بيتها، ثم أصبحت تلتزم باللباس الإسلامي الشرعي الكامل، وذلك بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان ومناجاة الله عزَّ وجلَّ فأصبحت تبحث عما يرضيه، وذاقت حبَّ رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكيف تجرؤ على مخالفة شرعه، وذاقت كذلك حبَّ هذه العائلة الكبيرة التي يرعاها سماحة الشيخ أحمد في جامع أبو النور، وشعرت بالانتماء إليها، وحبِّ شيخها الذي هداها لهذا الطريق القويم، فصارت تحضر جميع دروسه وتكتب الأحاديث النبوية التي كان يرويها والآيات والأحكام الشرعية التي كان يتكلم عنها، حتى أصبحت ذات ثقافة عالية في الدين والشريعة.

هذه الفتاة هي السيِّدة ندوى الغبرة، التي أصبحت الآن من أبرز الداعيات في دمشق حيث تقوم بالعديد من الدروس الأسبوعية التي يحضرها الآلاف من النساء في عدد من جوامع دمشق.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لحنان الشريقي التي قدمت في رحلة مدرسية مع زميلاتها من اللاذقية، وكانت قد سمعت بالشيخ رمضان، فاختلست نصف ساعة لزيارته والتعرُّف عليه ثم غادرت، لكنَّها ظلَّت على اتِّصال به. وما هي إلا بضعة شهور حتى أصبح لديها حلقة كبيرة في اللاذقية.

4- تفرُّغه لقضاء حوائج الناس:

خصَّص فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه جزءاً كبيراً من وقته لقضاء حوائج الناس الذين يتوافدون عليه كلَّ يوم من كلِّ مكان. ولم يكتفِ فضيلته، بفتح بيته لجميع الناس الذين يقصدونه لأمور دينهم ودنياهم، بل زاد فوق ذلك أنه يجيب السائلين على الهاتف حيث يستقبل كلَّ يوم اتصالات من جميع أنحاء العالم، وكثيراً ما يتصلون به أثناء فترة نومه، وقد اعتاد أن لا يفصل الهاتف أبداً بل يضعه قرب رأسه حتى يردَّ على من يطلبه في كلِّ حين، ولقد رأيته مراراً لا يكاد يخلد إلى النوم، بعد أن بذل جهداً كبيراً، فيرنُّ الهاتف فيجيب السائل وهو في غاية الإرهاق، ويرفض إبعاد الهاتف عنه ويقول: عليَّ قضاء حوائج الناس.

فمرة اتصل به أحد أصحابه وقال له أنه يريد الدراجة. فأخبره الشيخ -وهو نائم- عن مكان الدراجة، فأخذها الرجل وذهب بها وقضى حاجته، ولما عاد بالصباح قال له: "أين تريدني أن أضع الدراجة؟" فقال له: "أيَّ دراجة؟" قال له تلك التي قلت لي أن آخذها بالليل! ولكنّه أجابه أنه ليس لديه علم بالأمر.

ومرة صدم رجل امرأة فتوفِّيت، فاتصل بالشيخ رمضان وكان نائماً، فشرح له الأمر وسأله عن ديتها؟ فقال له الشيخ: "عليك ربع دية." ولكن هذا الرجل ذهب لشيخ آخر فقال له: "عليك نصف دية." فسأل بعد ذلك أكثر من شيخ وكلهم يقول له عليك نصف دية. فجاء هذا الرجل في الصباح إلى الشيخ رمضان، حفظه الله، وقال له: "كيف تفتي لي بربع دية وكل المشايخ قال لي عليك نصف دية!" فقال له: "عن أيِّ شيء تتحدث؟" فشرح له الأمر وقال له لقد اتصلتُ بك وسألتك وأجبتني! فقال له الشيخ أنا لا أذكر أيَّ شيء مما تقول. فأعاد الرجل السؤال على الشيخ، فقال له: "ما اسم المرأة التي صدمتها؟" فأجاب الرجل: "ماري"، فعلم الشيخ أنها نصرانية، فأجابه بالتأكيد: "عليك ربع دية."[148]

ومن أسرار نجاحه وتأثيره في الناس وانتفاعهم به هو أنه لا يدعو إلى أمرٍ ولا يقول شيئاً حتى يعملَهُ ويطبِّقَه على نفسه، سواءٌ أكان صغيراً أم كبيراً. فمرة أتاه أحد الشباب وكان يشكو من ألمٍ شديد في ظهره. فلمَّا فحصه الشيخ قال له: "ارجع إليَّ بعد أسبوعين لأعطيك الدواء." وبعد مضيِّ أسبوعين جاء هذا الشاب فقال له الشيخ: "يجب أنْ تشرب كلَّ يوم ما بين اثني عشر إلى أربعة عشر كوباً من الماء، ويجب أن تمتنع عن شرب القهوة والشاي..." ووصف له بعض الأطعمة التي يجب عليه أن يمتنع عنها، وطلب منه أن يراجعه بعد أسبوعين آخرين. جاء هذا الشاب بعد أسبوعين وقد شفاه الله، ولكنَّه قال للشيخ: "طالما أنك تريد أن تصف لي هذا الدواء السهل اليسير، لماذا لم تصفه لي منذ البداية، وتركتني أتألَّم لمدة أسبوعين قبل أن تصفه لي؟" فأجابه الشيخ قائلاً: "كيف أنهاك عن شرب القهوة والشاي وأنا أفعل ذلك! فطلبتُ منك أن تأتيني بعد أسبوعين حتى أتوقف أنا عن شرب القهوة والشاي خلال هذه الفترة لكي لا أنهاك عن شيءٍ أنا أفعله، وأنا أعلم أنني لو نهيتك قبل أن أنتهي أنا، فإنَّك لن تنتهي!" وهنا قال الشاب: "والله لقد تعجَّبتُ من نفسي كيف استطعتُ أن أترك القهوة وكنت أحملها معي بالقنينة يومياً إلى العمل ولا أستطيع الاستغناء عنها، ولكنَّك حينما نهيتني عنها انتهيت بسهولة ولم أعرف سبب ذلك!"

وجاء الدكتور عبد الله الآغا أيضاً إلى الشيخ رمضان، وكان يشكو من ألمٍ شديد في معدته ولم يجد لذلك دواءً، فقال له الشيخ مازحاً: "سأعطيك هذا الدواء فإما أن تموت وإما أن تعيش!" فوضع له قطرة صغيرة من السم في كأس فشربه، وذهب معه فاستقلا الباص إلى سوق الحميدية، وفي الطريق عرق الدكتور كثيراً وأصيب بموجات من الحرارة والبرودة، فقال للشيخ: دعنا ننزل هنا فإني أريد أن أذهب إلى الحمام، فذهب وقضى حاجته، وعاد وقد ذهب عنه الألم وكأنَّ شيئاً لم يكن. فقال للشيخ: "ما هذا الدواء الذي أعطيتني إياه؟" فقال له الشيخ: "السم!"، ولكن إذا كان ممدّداً بالماء لا يؤذي بل يكون دواءً.

5- وفاة سماحة الشيخ أحمد كفتارو:

نذر سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قدَّس الله سرَّه العزيز، حياته للدعوة إلى الله ونشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك من خلال دعم المعاهد والكليات الشرعية وتخريج آلاف العلماء والخطباء والدعاة؛ مقدِّماً في ذلك نموذجاً فريداً من خلال المجمَّع الذي أمضى حياته في تأسيسة وتطويره. واستطاع رحمه الله خلال مسيرته الرائدة أن يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في تعامله مع التيارات الدينية والإجتماعية والسياسية المختلفة، بعيداً عن التعصُّب والانغلاق، حيث جمع بين مختلف المدارس الفقهية بما يوافق الشرع ويحقق المصلحة العامة. ومن أهم إنجازات سماحة الشيخ أنَّه استطاع إعادة تأسيس قواعد التصوف على القرآن والسنَّة، مع التركيز على منهج الوسطية والاعتدال ودونما إفراط ولا تفريط.

قام سماحته بذلك على مدى سبعين عاماً من العمل المضني والدؤوب من خلال دروسه العلمية والتربوية التي استمرَّت في جامع أبو النور، من الثلاثينيَّات من القرن الماضي إلى أن توفي رحمه الله سنة 1425هـ/2004م. وخلال هذه العقود الطويلة كان الشيخ رمضان الذراعَ الأيمن لسماحة الشيخ، قدَّس الله سرَّه، في تحقيق هذه الأهداف السامية، فقام بخدمته وخدمة الدعوة الإسلامية على أكمل وجه، كان يعمل بصمتٍ محاولاً الابتعاد عن الأضواء قدر ما يستطيع، منذ البداية وحتى آخر يوم في حياته، وهو الذي غسله بيديه لما توفيَّ قدَّس الله سرَّه.

كانت علاقة الشيخ رمضان بشيخه قوية ورابطته به متينة، كما روينا طرفاً من ذلك في الفصل الثاني، ونضيف هنا أنَّه لمَّا سافر سماحة الشيخ إلى أمريكة لإجراء عملية في القلب، فكان أبناؤه وإخوانه قلقين عليه وينتظرون نتيجة العملية بفارغ الصبر، وقد وعدهم أحد الأطباء المشرفين على العملية أن يخبرهم بالنتيجة فور الانتهاء منها مباشرةً. وقبل أن يتصل هذا الطبيب بلحظات اتَّصل الشيخ رمضان -وهو لم يغادر دمشق- بأحد أبناء الشيخ وأخبره أنَّ العملية قد نجحت بفضل الله، وذكر له بعض تفاصيل ما جرى خلالها! فلمَّا اتصل الطبيب وأخبرهم عن صحَّة الشيخ وأخبروه أنَّ الشيخ رمضان أخبرهم بذلك قبل قليل لم يكد هذا الطبيب يصدِّق إذ إنه كان أوَّل شخص يخرج من غرفة العمليات.

وعلى الرغم من هذه الرابطة القويَّة والمحبة الشديدة لشيخه، فإنَّه استقبل خبر وفاة سماحة الشيخ، قدَّس الله سرَّه، بالهدوء والطمأنينة، لشدَّة يقينه وتسليمه المطلق لله عزَّ وجلَّ. ورَوَت لي إحدى الأخوات أنها اتصلت بالشيخ رمضان من أجل مشكلة كان يتابعها معها، فسألته عنها وأجابها بشكل طبيعي، ولم تكن تعلم بخبر وفاة سماحة الشيخ، فلمَّا قدمت إلى الجامع وعلمت بالخبر دهشت لمَّا علمت أنَّ الشيخ كان يحدِّثها بهذا الشكل الهادئ ويناقشها في مشكلتها وهو يحفر القبر ويقوم بالتحضير لمراسم الدفن، وكان يساعده أبو الهدى الزعيم، حتى أنزله في القبر بنفسه ولم تدمع له عين! ولما سئل عن سبب عدم بكائه على شيخه، قال: لو كان الحزن بالدمع فإن الأطفال تبكي، ولكنَّ الحزن الحقيقي يكون في القلب، والرجل لا يظهر حزنه للناس.

ففي يوم الأربعاء الواقع في السابع العشر من شهر رجب سنة 1425 للهجرة والموافق للأوّل من شهر أيلول سنة 2004 للميلاد، فارق الشيخ رمضان شيخه وأستاذه وصاحبه سماحة الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله، ولكنَّه في الحقيقة لم يفقد روحه وصحبته لأن محبته في قلبه أبديَّة وصحبته له سرمديَّة.

وفي اليوم التالي صلى الآلاف من المشيِّعين على سماحة الشيخ عقب صلاة الظهر في جامع بني أمية الكبير بدمشق، وشُيِّع جثمانه الطاهر بالسيارات إلى وزارة الأوقاف عند جامع العثمان، ثم تابع الموكب الذي زاد عن خمسين ألفاً سيراً على الأقدام إلى مجمَّع الشيخ أحمد كفتارو حيث صلِّي عليه مرّة ثانية في جامع أبو النور، وكان الإمام الشيخ سعيد رمضان البوطي، ووري التراب هناك في مكان بعيد عن حرم المسجد.

كُلُّ العُيُونِ تَرَقْرَقَتْ دَمَعَاتُه

***

 

وَكَذَا الصُّدُورُ تَدَافَعَتْ زَفَرَاتُه

وَقُلُوبُنَا الْوَلْهَى بِفَقْدِكَ بَعْدَمَ

***

قَدْ كُنْتَ نِبْراساً بِهِ خُطُواتُه

مَا مَاتَ مَنْ شَقَّ الطَّرِيقَ لِدَعْوَةٍ

***

بَسَقَتْ عَلى كُلِّ الدُّنى دَوْحَاتُها[149]

رحمَك الله يا شيخنا، وجزاك عنّا وعن المسلمين خير الجزاء، وأسكنك فسيح جناته، وندعو الله عزَّ وجلَّ أن يجمعنا بك يوم القيامة تحت لواء سيِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آمين.

6- سفره إلى الحج والعمرة:

اعتاد فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه أن لا يفوِّت فرصة يستطيع أن يحج فيها إلى بيت الله تعالى إلا واغتنمها، حتى بلغ عدد المرات التي حج فيها ما يزيد عن أربعين مرة، بعضها مع سماحة الشيخ أحمد كفتارو وبعضها بمفرده.

وفي إحدى رحلاته إلى الحج تأخرت الباخرة عن موعدها لمدة عشرة أيام لإعادتهم إلى سورية، فاغتنم فضيلته هذا التأخير في قضاء مناسك العمرة اثنتي عشر مرة كلَّ يوم تقريباً، وهكذا اعتمر حوالي مائة مرة، فكان يحرم خلالها من مسجد عائشة ثم يرجع لقضاء المناسك ثم يفك إحرامه، ثم يعود لمسجد عائشة ليحرم من جديد، وكان يتناول الطعام داخل الباص أثناء الذهاب.

صورة لفضيلة الشيخ رمضان في المسجد النبوي الشريف سنة 2009م

وفي إحدى الرحلات إلى الحج كذلك وجد في الحرم شخصاً ذا بشرة سوداء يتحدَّث مع بعض الناس، فطاف ثم وقف خلفه ليسمع ما يقول من غير أن ينتبه إليه. ولكنَّ هذا الشخص ما لبث أن التفت إلى الشيخ رمضان ودعاه للجلوس معه في الحلقة، وخلال حديثه أثنى على سماحة الشيخ أحمد كفتارو، ولما أنهى حديثه، أخذ بيد الشيخ رمضان ومشى معه، وقال له: كيف صحة الشيخ (أحمد)؟ فقال له الشيخ رمضان: بخير، وهل تعرفه؟ فقال له: لا، ولكنَّ شيخي في السودان يعرفه، وهو يستمدُّ منه، وكان يحدِّثني عنه، وحينما وقفْتَ خلفي رأيتُ شيخي ينبِّهُني أنَّ مريد الشيخ أحمد يقف خلفك؛ فالتفتُّ إليك ودعوتك لأسألك عنه. فتعجَّبَ الشيخ رمضان من ذلك وصار يتساءل عن كيفية حدوث ما حدث وكيف استطاع هذا الشخص أن يعرف بوجوده وأن يخبره شيخه من أفريقية عن سماحة الشيخ أحمد ويعرف أنه أحد مريديه! عندئذ أجابه هذا الشخص على خواطره تلك قائلاً: أنت اسمك الشيخ رمضان؟ فقال له: نعم، فقال: إنَّ الإنسان إذا صفَّى روحه وربط نفسه مع شيخه عندئذ يحوز علم الكون بأجمعه. فأثَّر هذا الكلام في نفس الشيخ رمضان واستعظم شأن هذا الشيخ، ولكنَّ المفاجأة كانت حينما عاد إلى الشام إذ سأله سماحة الشيخ، قُدِّس سرُّه العزيز، ضاحكاً: أيُّهما أجمل الأسود أم الأبيض؟ فأجابه: الأصفى هو الأحلى، فقال له: هل رأيت الأسود صافياً؟ ثمَّ قال له: هل عرفته؟ قال: لا، فقال له: أمَّا أنا فإذا رأيته سأعرفه، مع أنني لم ألتقِ معه وهو لا يعرفني، وإنما التقيت مع شيخه، فعندما يرتبط هو مع شيخه المرتبط معي، فعندئذ يحصل ارتباطه بي فأراه وهو لا يراني.

وهو ينصح بعدم السفر بقصد أداء العمرة فقط، وهو نفسه لم يذهب بقصد العمرة سوى مرة واحدة وكانت بهدف مرافقة بناته وزوجته للعمرة وزيارة أقربائهنَّ في المدينة المنورة. ولقد أكرمني الله عزَّ وجلَّ مع أهلي بصحبته في هذه العمرة في شهر رمضان من سنة 1430هـ/2009م، وكذلك بالحج معه في السنة نفسها، ولا يمكن أن ننسى تلك الرحلة إلى الحجِّ لما حصل فيها من البركات والرحمات وخاصة في يوم عرفات حيث أكرمنا الشيخ بخطبة بديعة ودعاء رقيق ملؤه الخشوع حتى أبكى جميع الحاضرين لعدة ساعات.

وهذا هو نصُّ الدعاء:

«بسم الله الرحمن الرحيم وأفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم على سيِّد الأوَّلين والآخرين وشفيع المذنبين وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهمَّ إنَّا وقفنا بين يديك بذنوبنا وقبائح أعمالنا، متوجِّهين إليك.

اللهمَّ أنت العليمُ بأحوالنا والغنيُّ عن سؤالنا؛ أعطِ كلَّ واحدٍ مِنَّا سؤله فيما يرضيك عنه يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولأزواجنا ولأولادنا، يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ اغفر لمن أوصانا واستوصانا.

اللهمَّ اغفر لمن عرفنا فيك وعرفناه من أجلك.

اللهمَّ اغفر للمسلمين عامَّة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ إنا وقفنا بين يديك بالذُّلِّ والهوان، ولا يُذَلُّ لغيرك يا أرحم الراحمين؛ فارحم ذلَّنا بين يديك، وارحم ضعفنا بين يديك.

اللهمَّ إنَّا توجهنا إليك بأجسادنا وقلوبنا، وعقولنا وأرواحنا، وليس لنا إلا فضلك، إلا رحمتك، إلا عفوك، يا أرحم الراحمين: أنت العليم بأحوالنا، والغنيُّ عن سؤالنا، اللهمَّ أعطِ كلَّ واحد منا سؤله فيما يرضيك عنه يا أرحم الراحمين اللهمَّ أعطنا من فضلك وكرمك كما أعطيت حبيبك المصطفى ونبيك المرتضى، الذي أعطيته من فضلك وكرمك.

اللهمَّ إنَّ سيِّدنا محمَّدٌ هو عبدك، ونحن عبيدك؛ اللهمَّ وقفنا ببابك متوجهين إليك، متخلِّين عن السِّوى، أَلهِم جوارحنا أن لا تعصيك بعد هذا الموقف ما حيينا، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا، يا أرحم الراحمين، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله؛ وقفنا ببابك بالذلِّ والهوان، راجين من فضلك أن تخرجنا من هذه الأرض وقد غسلتنا بالماء والثلج والبرد.

اللهمَّ إنَّا غسلنا أجسادنا، وخلعنا ثيابنا، وأتينا إليك بقلوب بعيدة عنك؛ اللهمَّ أنت الذي قلت إنَّ قلوب الخلق بين إصبعَيْك تقلِّبها كيف تشاء، اللهمَّ فاقلب قلوبنا عن السِّوى، حتى لا نرى سواك في سرِّنا وظاهرنا وباطننا، وأن نكون معك على كلِّ حال.

اللهمَّ إنَّا نعلم أنك أنت الكريم الحليم، موجود معنا وتسمع نداءنا، وأنت الكريم الحليم، ما تخليت عن عبد قبلنا، فهل تتخلَّى عنا، يا ربّ، لا والله، لا والله.

قال الله عزَّ وجلَّ لنبيِّه: ما ودَّعك ربُّك وما قلى، وها نحن ببابك يا أرحم الراحمين؛ نحن ببابك، واقفين على بابك، وأنت الكريم، وأنت العليم، وأنت الحليم، وكلُّنا على يقين أنّك أنت الذي تُقري الضيف، وأنت الذي تحبُّ من ناداك، وها نحن نناديك: يا ربّ، يا ربّ، يا ربّ؛ ما لنا سواك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، اجبر كسر قلوبنا يا ربّ العالمين. أتيناك بقلوب منكسرة إليك وكلنا يقين أنت الذي تجبر خواطر الضعفاء والأقوياء، والأغنياء والفقراء، ونحن فقراء إليك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

اللهمَّ اغفر لمن أوصانا واستوصانا، ولمن أحبَّنا فيك، ولمن أحببناه من أجلك، وللمسلمين أجمعين، يا أرحم الراحمين، أنت الله، أنت العظيم، أنت الكبير، أنت الذي ملأت الدنيا، أنت الذي خلقت الخلق، وأنت عليم بكلِّ من خلقت، وأنت تعلم ضعفنا وذلَّنا، وهواننا، ونحن بين يديك، وأنت الكريم، وأنت الحليم الرحيم، اللطيف الرؤوف، ونحن على يقين أننا لا نقوم من مجلسنا هذا إلا وقد غفرت لنا، ولمن أحبّنا فيك ولمن أحببناه من أجلك، وللمسلمين أجمعين.

اللهمَّ إن غفرت لخلقك أجمعين ماذا ينقص من ملكك يا ربّ، أنت مالك الكون، فارحم الضعفاء بيننا. اللهمَّ إنا ضعفاء، توجهنا بضعفنا إليك، وذلِّنا إليك، وهواننا إليك، فارحم ضعفنا وذلَّنا وهواننا، واجعلنا عندك من الذين قبلت دعائهم، وقبلت حجَّهم، وغفرت ذنبهم؛ فضلاً منك يا ربَّ العالمين.

اللهمَّ لا تُخرجنا من هذا المكان إلا وقد غسلتنا بفضلك بالماء والثلج والبرد، ونخرج من هنا كيوم ولدتنا أمَّهاتنا، يا ربَّ العالمين، يا أرحم الراحمين، يا حيُّ يا قيُّوم، أنت موجودٌ في كلِّ مكان وزمان، يا من يسمع دعاءنا، ويلبِّي نداءنا، ويغفر لنا ولآبائنا ولأمَّهاتنا، ولإخواننا ولأخواتنا، ولأزواجنا، وللمسلمين أجمعين، بفضك ورحمتك يا أرحم الراحمين لا تردنا خائبين، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، يا من يعلم مكاننا ويعلم قلوبنا، فحوِّل قلوبنا إليك، واقطعها عن السِّوى حتى لا يكون لنا إلا أنت، يا ربّ، في السرِّ والعلن، في الظاهر والباطن، وحتى لا نرى إلا أنت، يا الله، أنت معنا حيث كنا في كل مكان وفي كل زمان، أنت معنا وتَرَانا ونحن لا نراك، آمنَّا بالغيب، آمنَّا بوجودك، آمنَّا بقدرتك، آمنَّا بعلمك، وقد وقعنا بالخوف منك وأنت الكريم، وأنت الحليم، وأنت الرؤوف، وأنت اللطيف، هل أنت تبغض من قصدك! لا والله وأنت الكريم، وأنت الحليم، تُبنا إليك، فارض عنا يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ ارحمنا إذا عرق منا الجبين، وكثر منا الأنين، وفارقنا الأحباب، وفارقنا الأصحاب، وآوانا التراب، وصرنا بين يديك. اللهمَّ ارحمنا في تلك الساعة يا أرحم الراحمين، ارحمنا إذا وقفنا بين يديك، واعف عنا يا ربّ، ولا تسألنا عن صغيرة ولا كبيرة، كلُّنا مذنبون وأنت الرحيم، ماذا تفعل بالمذنبين إذا هم قصدوك تائبين، مستغفرين، بك راضين، فعاملهم بفضلك ورحمتك وعنايتك يا أرحم الراحمين، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا ربّ؛ أنت الذي حفظت نبيك إبراهيم لما ألقي في النار، وأنت الذي قلت يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، يا ربِّ قل يا نار كوني برداً وسلاماً على أمة محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

اللهمَّ إنَّا نحبُّك ونحبُّ نبيَّك المصطفى سيدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنك أنت تحبُّه وهو يحبُّك، فاقبلنا بمحبتنا إليك يا أرحم الراحمين، يا حيُّ يا قيُّوم، يا بديعَ السموات والأرض، يا ذا الجود والإحسان، يا ذا الطَّوْل والإنعام، يا حنَّان يا منَّان، اجعلنا عندك كما تحبُّ وترضى، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.»

7- سفره إلى بعض دول الخليج:

بالإضافة إلى سفراته العديدة إلى أمريكا والدول الأوربية، كما ذكرنا أعلاه، كان الشيخ رمضان يصاحب سماحة المفتي الشيخ أحمد كفتارو، قدّس الله سرّه، في زياراته المختلفة الرسمية وغير الرسمية إلى الدول العربية والأجنبية.

ولقد تلقى فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه دعوات عديدة من بعض دول الخليج كالإمارات العربية المتحدة والكويت وذلك لإلقاء عدد من المحاضرات في المناسبات الدينية المختلفة.

 

لقاء سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّس سرُّه، يرافقه فضيلة الشيخ رمضان وفضيلة الشيخ رجب رضي الله عنهما، بخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، سنة 1995 (وكان وليّا للعهد)، وفي الصورة أيضاً الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف.

ولقد أكرمني الله بمرافقة فضيلته في إحدى هذه الرحلات في الإمارات العربية المتحدة، فرأيته يحرص غاية الحرص على استغلال كلِّ لحظةٍ في الحديث إلى الناس، الذين كانوا يتوافدون إليه من جميع المدن ويتبعونه حيثما حلَّ وارتحل. فكما ذكرنا من قبل، هناك عدد كبير من المدرِّسين والخطباء وأئِمِّة المساجد وغيرهم من الذين درسوا في جامع أبو النور تحت رعاية سماحة الشيخ أحمد كفتارو، رحمه الله، وعرفوا الشيخ رمضان هناك، وهم الآن يعملون في دول الخليج العربي. فعندما علم بعض هؤلاء الإخوة بوجود فضيلته في الإمارات العربية المتّحدة قاموا بتنظيم العديد من المجالس في أبوظبي ودبي والعين وعجمان والشارقة للاحتفاء بفضيلته والجلوس معه والاستماع إلى أحاديثه. وكان فضيلته يتنقَّل بين هذه المدن المختلفة للاجتماع بإخوانه وجمْعِهم على موائد الذكر كما كان يفعل في جامع أبو النور بعد أن افتقدهم لفترة طويلة بسبب ظروفهم المختلفة. وفي هذه المجالس المختلفة التي عقدها في الإمارات، كنت ترى الفرحة والسرور على وجوه الحاضرين الذين جمعهم جامع أبو النور، ثمَّ فرَّقَتْهم الغربة وظروف العمل، فجمعهم فضيلته من جديد ليذكِّرهم بالعهد القديم على محبَّة الشيخ ومحبَّة أهل الله.

============

 

[141] هذه القصيدة من نظم المؤلف، وهي من البحر الخفيف.

 

[142] البيت الأول من قصيدة مشهورة للشاعر حافظ إبراهيم، وباقي القصيدة من نظم المؤلف، وهي من البحر الرجز.

 

[143] ولقد استمرَّ هذا الوضع في أورربا قروناً كثيرة بعد الإسلام، فقد أصدر البرلمان الإنجليزي قراراً في عصر هنري الثامن يحظر على المرأة أن تقرأ "العهد الجديد" لأنها تعدُّ نجسة، والقانون الإنكليزي كذلك حتى عام 1805 ميلادية كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته. وللمزيد عن هذا الموضوع راجع: محمد جميل بيهم، المرأة في التاريخ والشرائع، (بيروت: 1339هـ/1921م).

 

[144] رواه الإمام احمد في مسنده من حديث أم سلمة 6/256 والترمذي في السنن أبواب الطهارة باب ما جاء في من يستيقظ فيرى بللا ولا يذكر احتلاما حديث 113 - 1/189 وأبو داود في السنن عن عائشة كتاب الطهارة باب في الرجل يجد البلة في منامه حديث 236 – 1/61 والدرارمي في السنن كتاب الطهارة باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل حديث 764 - 1/214 والحديث بمجموع طرقه صحيح صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي 1/189 وصححه الألباني وأورده في صحيح سنن الترمذي – 98 – 1/35 والحديث في المنتقى لابن الجارود, ج1/ برقم 90- ومسند أبى عوانة 1/244 برقم 832 وقال الإمام الخطابي في معالم السنن ومعنى النساء شقائق الرجال أي مماثلات ومشابهات لهم في الخلق والطباع فكأنهن شققن من الرجال معالم السنن للخطابي 1/79.

 

[145] وللمزيد راجع: عبد الحميد ديوان، موسوعة أشهر النساء في التاريخ العربي منذ فجر الإسلام حتى عصر المماليك، لبنان، دار كتابنا، 2008م.

 

[146] أخرجه البخاري في العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟ (101)، ومسلم في البر والصلة (2634).

 

[147] هذه القصيدة من نظم المؤلف وهي من البحر الوافر، وقد أضاف الشيخ رمضان فوق ذلك أنه طبيب للأجسام بتخصصات مختلفة كما رأينا في الفصول السابقة.

 

[148] اتفق أغلب الأئمة على أن دية الحر الكتابي نصف دية المسلم، لما أخرجه أحمد (6429)، والنسائي (4806)، وابن ماجه (2644) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين. وهم اليهود والنصارى"، والعقل هنا هو الديّة.

 

[149] من قصيدة للشاعر علي محمد زينو، موجودة على موقع مجمَّع الشيخ أحمد كفتارو.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا مُقِيْتُ: إِقْتِني بَاطِناً وَظَاهِراً بِأَحَسَنِ الأَقْوَات وَأَعِنِّي عَلَى طَاعَتِكَ فِي جمِيعِ الحَالاَتِ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!