2- سَيِّدُنُا أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه

2- سَيِّدُنُا أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه

السَّبْقُ فَضْلُكَ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ *** الصَّاحِبُ الرَّؤُوفُ وَالرَّفِيقُ
الزَّاهِدُ الأَوَّاهُ وَالْحَكِيمُ *** الثَّانِيَ اثْنَيْنِ وَالعَتِيقُ
أَنْتَ الَّذِي فِي حُكْمِهِ قَادَنَا *** نَحْوَ النَّجَاةِ فَحَالَفَ التَّوْفِيقُ
وَتَوَطَّدَ الدِّينُ لَنَا فِي عَهْدِهِ *** وَبِفَضْلِهِ بَانَتْ لَنَا الطَّرِيقُ

سيِّدُنا أبو  بكر الصديق رضي الله عنه هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن  تيم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، فهو يلتقي مع رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في مُرَّة بن كعب.   وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة، وهي ابنة  عم أبيه عثمان المسمى بأبي قحافة.

 

اتفق جمهور أهل النسب على أن اسمه الأصلي "عبد الكعبة"، فلما أسلم سمّاه النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم "عبد الله"، وقال بعض المحدّثين أن "عبد الله" هو اسمه سماه به أهله. وسمي "عتيقاً" لعتاقة وجهه وجماله، وقيل إنما سُمي عتيقًا لأنه لم يكن في نسبه شيء يُعاب به. وكذلك لُقب أبو بكر بـ"الأوّاه" للدلالة على الخوف والوجل والخشية من الله سبحانه وتعالى، ويكفيه شرفاً وعزاً إذ وصفه الله سبحانه وتعالى بثاني اثنين.

 

مولده وحياته

وُلد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه سنة 573 للميلاد، بعد سنة الفيل بثلاث سنين تقريباً، فهو أصغر من رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بثلاث سنوات، وكان صَدِيقاً له قبل البعثة، وكان يكثر من زيارته في منزله ويحب محادثته.

صفاته ومناقبه

كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً أبيض خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، غائر العينين، دقيق الساقين، يخضب بالحناء والكتم. وكان رضي الله عنه من رؤساء قريش في الجاهلية محبَّباً فيهم مؤلِّفاً لهم وكان إذا عمل شيئاً صدقته قريش، فلما جاء الإسلام سبق إليه وأسلم من الصحابة بدعوته خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأسلم أبواه وولداه وولد ولده من الصحابة. وقد ذهب جماعة إلى أنه أول من أسلم؛ قال الشعبي: سألت ابن عباس مَن أوَّل من أسلم؟ قال: أبو بكر.

كان رضي الله عنه أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر، وكان تاجراً ذا ثروة طائلة، حسن المجالسة، عالماً بتعبير الرؤيا، وقد حرَّم الخمر على نفسه في الجاهلية هو وعثمان بن عفان.

وكان رضي الله عنه لطيفاً، وديعاً، متواضعاً، زاهداً في الدنيا، متقشِّفاً، عادلاً، غير طامع في ملك أو غنى، بل كان كلُّ همِّه نشر الإسلام وتوطيد أركانه واتِّباع سنة رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وكان مؤلِّفاً لقلوب المسلمين، وخير قدوة لهم في دينهم ودنياهم.

ومن مناقبه رضي الله عنه أنه كان أوَّل من بذل ماله لنصرة الإسلام وكان رسول الله r يحبه ويثق به لعلمه بصدق إيمانه وقوة يقينه وكمال معرفته، وقد صحبه قبل الإسلام وحين أسلم إلى حين توفي لم يفارقه سفراً ولا حضراً. وكان رضي الله عنه من أشجع الناس يدافع عن النبي r بنفسه ويجاهد المشركين تارة بيده وتارة بلسانه وتارة بماله، ولما مات النبي r ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة بهم حتى أوهنت العقول، فمن الصحابة من أنكر موته ومنهم من أقعد ومنهم من دهش، وأكثر الأعراب قد ارتدوا عن الدين؛ حتى أنَّ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ r، فقام الصديق رضي الله عنه بقلب ثابت جمع الله له بين الصبر واليقين، فقال: من كان يعبد محمداً فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

تسميته بالصدِّيق

أجمعت الأمة على تسميته صِدِّيقاً؛ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صديق»، وذلك لأنه بادر إلى تصديق رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولازم الصدق، فلم تقع منه هنات ولا كذبة في حال من الأحوال. وحتى قبل الإسلام كان وجيهًا في قريش وكان إذا حمل شيئاً قالت فيه قريش: «صدّقوه.» ولكن أوّل ما اشتهر بالصدِّيق لتصديقه بخبر الإسراء والمعراج، عندما كذبت قريش ذلك الخبر وجاءوا إلى أبي بكر قائلين: «هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس»، فقال «لئن كان قال ذلك لقد صدق.»

قصة إسلامه

كان أبو بكر من رؤساء قريش وعقلائها، وكان قد سمع من ورقة بن نوفل وغيره من أصحاب العلم بالكتب السابقة، أن نبيـًا سوف يُبعث في جزيرة العرب، وتأكَّد ذلك لديه في إحدى رحلاته إلى اليمن؛ حيث لقي هنالك شيخـًا عالمـًا من الأزد، فحدَّثه ذلك الشيخ عن النبيِّ المنتظر، وعن علاماته، فلما عاد إلى مكة أسرع إليه سادة قريش: عقبة بن أبى معيط، وعتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأبو البخترى بن هشام، فلما رآهم قال لهم: هل نابتكم نائبة؟ قالوا: «يا أبا بكر قد عظم الخطب، يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي مُرسل، ولولا أنت ما انتظرنا به فإذا قد جئت فأنت الغاية والكفاية، فذهب إليه أبو بكر، وسأله عن خبره؛ فحكى له النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ما حدث، ودعاه إلى الإسلام؛ فأسلم مباشرة، وعاد وهو يقول: «لقد انصرفت وما بين لابَّتَيها أشدَّ سرورًا من رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بإسلامي»، وكان أبو بكر أوَّل من أسلم من الرجال. وكان أبو بكر ذا مكانة ومِنعة في قريش؛ فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين، ومع ذلك فقد ناله قسط من الأذى في الدفاع عن رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حينما اجتمع عليه المشركون وهم يضربونه، فأسرع أبو بكر إليه، وجعل يخلصه من أيديهم، وهو يقول: «ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله»، فترك المشركون رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وجعلوا يضربون أبا بكر رضي الله عنه حتى غابت ملامحه من شدة الأذى.

هجرته وصحبته

عندما أذن الله عزَّوجلَّ لنبيه بالهجرة إلى المدينة، أمرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أصحابه أن يهاجروا، فاستأذن أبو بكر بالهجرة فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لا تعجل لعلَّ الله يجعل لك صاحبً»، حتى نزل جبريل u على النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة، وأن يخرج منها مهاجرًا، فخرج النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته، ينتظرون خروجه ليقتلوه، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وتناول النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حفنة من التراب، فنثرها على رؤسهم، وهم لا يشعرون، وذهب صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى بيت أبى بكر رضي الله عنه، وكان نائمًا فأيقظه، وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبو بكر رضي الله عنه: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرن»، فقال له النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «فما ظنك باثنين الله ثالثهما!»، وأقاما في الغار ثلاثة أيام، ثم انطلقا، وكان أبو بكر أعرف بالطريق، وكان الناس يلقونهما، فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول: «إنه رجل يهدينى الطريق»، وبينما هما في طريقهما إذ أدركه سراقة بن مالك، وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. فلما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال: «يا رسول الله هذا الطلب قد لحقن»، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين، فكرر أبو بكر مقولته على النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وبكى، فقال له النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لِمَ تبكي؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه: «يا رسول الله، والله ما أبكي على نفسي، ولكني أبكي عليك»، فدعا النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وقال: «اللهم اكفناه بما شئت»، فساخت قوائم الفرس، ووقع سراقة وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمّينَّ على مَن ورائي، فأجابه النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى طلبه، ودعاه إلى الإسلام، ووعده إن أسلم بسواري كسرى، وإستمرا في طريقهما، حتى بلغا المدينة، واستقبل الصحابة، من المهاجرين والأنصار، رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين، وانطلق الغلمان، والجواري ينشدون الإنشودة الشهيرة: "طلع البدر علينـا من ثنيات الوداع".

كذلك فقد كان أبو بكر رفيق النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في جهاده كله، فشهد معه بدرًا، وأشار على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أن يبني له المسلمون عريشًا يراقب من خلاله المعركة، ويوجِّهُ الجنود، وقد استبقى النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أبا بكر رضي الله عنه معه في هذا العريش، وكان النبي يرفع يديه إلى السماء ويدعو ربه قائلا: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد»، فيقول له أبو بكر: «يا رسول الله بعّض مناشدتك ربك، فإنَّ الله موفيك ما وعدك من نصره». وشهد أبو بكر أُحدًا، وكان ممن ثبتوا مع النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حين انكشف المسلمون. وكذلك شهد الخندق، والحديبية، والمعارك كلها، لم يتخلف عن النبيِّ في موقعة واحدة، ودفع إليه النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رايته العظمى يوم تبوك، وكان أبو بكر ممن ثبتوا يوم حنين حينما هزم المسلمون في بدء المعركة.

كان أبو بكر رضي الله عنه أكثر الصحابة ملازمة للنبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وأسمعهم لأحاديثه، وقد روى عنه أحاديث كثيرة، وروى عن أبي بكر كثير من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت رضي الله عنه.

تبشيره بالجنة

كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أقرب الناس إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ويقول رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر رضي الله عنه ما علم عنه حين ذكرته له»، أي أنه بادر إليه. ويقول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ مِن أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته.»[105]

وقد أخرج البخاري من حديث أبي موسى الأشعري قال:" كنت مع النبي r في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي r: (افتح له وبشره بالجنة). ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي r، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي r: (افتح له وبشره بالجنة). ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي r فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: (افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه). فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله r فحمد الله، ثم قال: الله المستعان".[106] وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "من أصبح منكم اليوم صائما؟" قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال "فمن تبع منكم اليوم جنازة." قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال "فمن عاد منكم اليوم مريضا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. فقال رسول الله r: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".[107]

وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة". فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".[108]

خلافته

سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو أول الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله بالاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، فلما توفي النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم واختلف الأنصار والمهاجرون في الخلافة، تدارك الأمر أبو بكر بحكمته وسرعة بديهته وتمت له البيعة بالإجماع، وقد برهن رضي الله عنه أنه أكفأ رجل، حيث قضى بحكمته وحزمه على المرتدين في جزيرة العرب وهزمهم شرَّ هزيمة إلى أن استتب الأمن في البلاد في أقل من سنة، ثم بعث الجيوش إلى العراق والشام فانهزمت الفرس والروم ومن والاهما من العرب، وكلُّ ذلك حدث في مُدَّة خلافته القصيرة وهي سنتان وثلاثة أشهر وعشر ليال. وقد روي عن وكيع قال: "لولا أبو بكر الصديق ذهب الإسلام".

بعض أقواله وأحواله

منذ أن أعلن أبو بكر الصديق رضي الله عنه إسلامه، وهو يجاهد في سبيل نشر الدين الإسامي، فأسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة في حين كانت الدعوة لا تزال سرِّيَّة في بدايتها، فأحب أبو بكر أن يعلن الدين على الملأ من قريش وألحَّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في أن يذهب إلى الكعبة ويخاطب المشركين، فذهب أبو بكر عند الكعبة وقام في الناس خطيباً ليدعو المشركين إلى أن يستمعوا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فكان أوَّل خطيب يدعو إلى الله.

وكان رضي الله عنه يدافع عن رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بما يستطيع، وبقي يجاهد معه ويتحمل الإيذاء في سبيل نشر الإسلام، وتعرض مرَّات كثيرة للاضطهاد والإيذاء من المشركين، لكنه بقي على إيمانه وثباته، وظل مؤيدًا للدين بماله وبكل ما يملك، فأنفق معظم ماله حتى قيل: إنه كان يملك أربعين ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، وكان يشتري العبيد المستضعفين من المسلمين ثم يعتقهم ويحررهم.

وفي غزوة تبوك، حثَّ النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على الصدقة والإنفاق، فحمل أبو بكر رضي الله عنه ماله كلَّه وأعطاه للنبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم له: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: «أبقيت لهم الله ورسوله.»

وحينما أذن الله سبحانه وتعالى لرسوله بالهجرة، اختاره الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ليكون رفيقه في هجرته، فبقي معه في غار ثور ثلاثة أيام، وحينما وقف المشركون أمام الغار قال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلي قدميه، لأبصرنا، فقال له الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟.»

وشهد أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جميع الغزوات، ولم يتخلف عن واحدة منها، وعرف الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فضله، فبشره بالجنة وكان يقول: «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافؤه الله بها يوم القيامة.»

ولما انتقل الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى الرفيق الأعلى، اجتمع الناس حول منزله بالمدينة لا يصدقون أن رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قد مات، ووقف عمر يهدد من يقول بذلك ويتوعد، وهو لا يصدق، فقدم أبو بكر رضي الله عنه، ودخل على رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وكشف الغطاء عن وجهه الشريف، وهو يقول: طبت حيًّا وميتًا يا رسول الله، وخرج رضي الله عنه إلى الناس المجتمعين، وقال لهم: أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.

وبعد أن تولى الخلافة وقف رضي الله عنه خطيبا في الناس، فقال: «أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أريح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة؛ إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله؛ فلا طاعة لي عليكم.»

وقد أعلن رضي الله عنه القتال على المرتدين ومانعي الزكاة، وقال فيهم: «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لقاتلتهم عليه.» وكان يوصي الجيوش ألا يقتلوا الشيخ الكبير، ولا الطفل الصغير، ولا النساء، ولا العابد في صومعة، ولا يحرقوا زرعاً ولا يقلعوا شجراً.

وكان رضي الله عنه إذا مُدح قال: «اللّهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم. اللّهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.»

قال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليل»، فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ومن فضائله رضي الله عنه أنه يُدعى من أبواب الجنة كلها، فقد قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر.»

مات أبو بكر رضي الله عنه عنه وما ترك درهما ولا دينارا، فقد روى الحسن بن علي رضي الله عنها، قال: «لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال: يا عائشة أنظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبح فيها والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مت فاردديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك.»

ويقول رضي الله عنه: «احرص على الموت توهب لك الحياة.»

ويقول رضي الله عنه: «إذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تحزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك.»

ويقول رضي الله عنه: «إذا فاتك خير فأدركه وإن أدركك فاسبقه.»

ويقول رضي الله عنه: «أربع من كن فيه كان من خيار عباد الله: من فرح بالتائب واستغفر للمذنب ودعا المدبر وأعان المحسن.»

ويقول رضي الله عنه: «أصلح نفسك يصلح لك الناس.»

ويقول رضي الله عنه: «أكيس الكيس التقوى وأحمق الحمق الفجور وأصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة.»

ويقول رضي الله عنه: «إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق.»

ويقول رضي الله عنه: «إن الله قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغبا راهبا.»

ويقول رضي الله عنه: «إن الله يرى من باطنك ما يرى من ظاهرك.»

ويقول رضي الله عنه: «إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة.»

ويقول رضي الله عنه: «إن عليك من الله عيونا تراك.»

ويقول رضي الله عنه: «إن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا.»

ويقول رضي الله عنه: «إن كل من لم يهده الله ضال. وكل من لم يعافه الله مبتلى. وكل من لم يعنه الله مخذول. فمن هدى الله كان مهتديا. ومن أضله الله كان ضالا.»

ويقول رضي الله عنه: «ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.»

ويقول رضي الله عنه: «حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا.»

ويقول رضي الله عنه: «خير الخصلتين لك أبغضهما إليك.»

ويقول رضي الله عنه: «ذل قوم أسندوا رأيهم إلى امرأة.»

ويقول رضي الله عنه: «رحم الله أمرءً أعان أخاه بنفسه.»

ويقول رضي الله عنه: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء.»

ويقول رضي الله عنه: «لا خير في خير بعده نار ولا شر في شر بعده الجنة.»

ويقول رضي الله عنه: «لا دين لأحد لا إيمان له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا عمل لمننية له.»

ويقول رضي الله عنه: «لا يكونن قولك لغوا في عفو ولا عقوبة.»

ويقول رضي الله عنه: «ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل.»

ويقول رضي الله عنه: «ليست مع العزاء مصيبة.»

ويقول رضي الله عنه: «الموت أهون مما بعده وأشد مما قبله.»

وكان رضي الله عنه يأخذ بطرف لسانه ويقول: «هذا الذي أوردني الموارد.»

وقال رجل لأبي بكر رضي الله عنه: «والله لأسبَّنَّك سبًّا يدخل القبر معك»، فقال: «معك يدخل لا معي.»

وكان رضي الله عنه دائم الخوف من الله سبحانه وتعالى، فكان يقول: «لو إن إحدى قدميّ في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر ربي.»

بعض شعره

نقل لنا المؤرخون العديد من القصائد التي نظمها سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي من الشعر الذي يذخر بالحكمة والعقل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ونكتفي هنا بنقل بضعة قصائد إذ لا يسع المجال للتوسع فيها.

فيقول رضي الله عنه في أهل الطائف وهم من ثقيف عندما أبوا الدخول في الإسلام وصدوا الرسول r:

ولقد عجبت  لأهل هذا الطائف ومن الإله فلا يُرى في قوله فلئن ثقيفٌ لم تعجِّل توبةً لتصبحنَّ غواتُهم في دارهم أو يهلكوا كهلاك عاد قبلهم

 

وصدودهم عن  ذا النبي الواصفِ خلف وينطق بالكلام العارفِ وتصدُّ عن سنن الطريق الجانفِ منَّا بأرعن ذي زهاء زاحفِ بهبوب ريح ذات ساف عاصفِ

ويروي رضي الله عنه عن قصة هجرته مع رسول الله r:

وهاجرَ  أرضهم حتى يكون لنا حتى إذا الليل وارانا جوانبه سارَ الأريقط يهدينا وأينُقُه

 

قوم عليهم  ذوو عزٍّ وأنصارِ وسدَّ من دون ما نخشى بأستارِ ينعين بالقرم نعياً تحت أكوارِ

والأريقط هو عبدالله بن الأريقط، وقيل الأرقط، وهو الدليل الذي استأجره الرسول r ليدلهما على الطريق.

كما يشيد الصديق رضي الله عنه بالأنصار ويذكر مواقفهم وذبِّهم عن الإسلام في قصيدة بدأها بتذكر الديار وبعثة الرسول r مبيِّناً فضل الإسلام:

وآزره  أبناءُ قيلة فابتنوا وسمَّاهم الأنصارَ أنصار دينه وآووا رسول الله إذ حلَّ دارهم ولم يمنحوا الأعداء إلا مقوماً

 

من المجد  بنياناً أغرَّ مُشهَّرا وكان عطاءُ الله أعلى وأكبرا بلا ضجر خُلقا سجيحا ميسرا أصم ردينيّاً وعضباً مذكَّرا

وأبناء قيلة هم الأنصار نسبة إلى أمهم قيلة بنت الأرقم وهي أم للأوس والخزرج.

ويقول رضي الله عنه في إحدى قصائده واصفاً ما حلَّ بالمشركين في إحدى الحروب على أيدي جند الله:

وقالوا  الحربَ، قلنا الحربُ أدنى صباحيَّاتُنا كنجوم ليلٍ وساقيناهمُ موتا زعافاً

 

لإبراء  النفوس من اقتراف محدَّدة كأشراف الأشافي فلم ينجوا من الموت الزعافِ

ونختم بهذه القصيدة التي يرثي بها صاحبه وحبيبه رسول الله r، وما أشدَّ فراق الحبيب لحبيبه وما أقسى وداع الصاحب لصاحبه:

أجِدَّك ما  لعينك لا تنامُ لأمرِ مصيبة عظُمت وجلَّت فُجِعنا بالنبيِّ وكان فينا وكان قِوامَنا والرأسَ فينا نموج ونشتكي ما قد لقينا

 

كأنَّ  جفونها فيها كلامُ ودمعُ العين أهونُهُ انسجامُ إمامَ كرامة؛ نِعم الإمامُ فنحن اليوم ليس لنا قِوامُ ويشكو فَقْده البلدُ الحرامُ

وفاته رضي الله عنه

توفي سيدنا أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه ليلة الثلاثاء 22 جمادى الآخرة سنة 13 للهجرة، الموافق 23 آب أغسطس سنة 634 للميلاد، وكانت وفاته بين المغرب والعشاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان آخر ما تكلم به (توفني مسلما وألحقني بالصالحين).

ولما مرض قال له الناس ألا ندعو الطبيب؟ فقال: أتاني وقال لي أنا فاعل ما أريد، فعلموا مراده وسكتوا عنه ثم مات ودفن ليلة وفاته وصلى عليه عمر بن الخطاب وكبر عليه أربعا في مسجد رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بين القبر والمنبر ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة وجعل رأسه عند كتفي النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وألصقوا لحده بلحد النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وجعل قبره مثل قبره مسطحا.

صلى الله وسلَّم على رحمة العالمين سيِّدنا محمَّد ورضي الله عن سيِّدنا أبي بكر الصدِّيق ورضي عنا بجاهه.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





إن الإنسان يتأثر بمحيطه وبيئته وبما يأكله ويشربه؛ فمن يأكل لحم الجمل باستمرار يتكون لديه نوع من الحقد، ومن يأكل لحم الدجاج يغار على النساء، ومن يأكل لحم الخروف يصبح شديد العاطفة ويصبح متواضعاً للناس، ومن يأكل لحم الجاموس يصبح عنيداً، وكلُّ ذلك مصدره حديث النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث يقول: "الرضاع يغير الطباع".[154] وكذلك فإنَّ مجاورة الجبال أو السهول وطبيعة الأرض تؤثِّر على الناس الذين يعيشون فيها. ولهذا السبب مثلاً نجد أن أهل المدينة المنورة يتسمون باللطف واللين في حين إن أهل مكة المكرمة يتسمون بالشدة والعزة. وذلك لأن أهل المدينة المنورة يجاورون الحبيب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حين إنَّ مكة هي مدينة الربِّ عزَّ وجلَّ وهو يتصف بالعزّة والعظمة.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!