8- الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الفَارْمَدِيّ

8- الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الفَارْمَدِيّ

الشيخ أبو علي الفارمدي هو الفضل بن محمد بن علي الفارمدي الطوسي، كان وجيهًا عند الوزير السلجوقيّ حسن بن علي المعروف بـ"نظام المُلك" (توفي سنة 485 ه)، وكان منفرداً في مذهب السلف، ومنفرداً في طريق التربية والتذكير، وكان دقيق الإشارة، جميل العبارة، مليح الإستعارة، كلامه له وقع في القلوب، وكان لسان خراسان وشيخها. صَحِبَ الشيخ أبا القاسم القشيريّ صاحب الرسالة القشيرية، وأخذ عنه حجةُ الإسلام أبو حامد الغزاليّ ثم أكمل تربيته على يدي خليفته الشيخ أبي الحسن الخرقاني. وقال عنه السمعاني[118]: كان لسان خراسان وشيخها، وصاحب الطريقة الحسنة في تربية المريدين. وكان مجلس وعظه روضة ذات أنواع من الأزهار، تلميذ لأبي القاسم القشيري في الموعظة والتذكير، ولأبي القاسم الكركاني وأبي الحسن الخرقاني في التصوف.

مولده وحياته

كان مولده سنة 351 للهجره في بلدة فرماد من ولاية طوس من أرض بخارى. ولما بلغ الثانية عشر من العمر وكان يلعب مع الصبيان في البرد القارس، في طرف القرية، حضر هنالك العالم الكامل أبو القاسم الجرجاني (توفي سنة 469 ه) مع الكثير من طلابه، فلما وصل دخل بين الصبيان واختلط يلعب معهم. فقال له أبو علي: لِم تختلط معنا بهذا اللعب، ولِم لا تكون مع أقرانك؟ فقال له أبو القاسم الكركاني: وأنت لِم لا تكون مع أقرانك، ولِم تلعب مع هؤلاء الصبيان؟ فقال أبو علي: أنا مع أقراني! فقال له أبو القاسم: فما المقام الذي وضعت فيه قدمك وما غفلة قولك؟ فقال أبو علي: إني تحت تصرف الله تعالى، فقال له: لستَ في تصرف الله تعالى المحض، ولو كنت كذلك لما يكون منك مثل هذا الكلام الذي يكون الندم عليه في يوم المحشر. فقال له أبو علي: إنَّ من يعلم ما أندم به يوم المحشر يعلم دواء أمراضي الخفية، وأيضاً يجب على من هو مأمور لإظهار الأمراض الخفية أن يداويها. فقال له: هذا الكلام قد صدر منك في موضعه.

شيوخه

جمع الشيخ أبو علي الفضائل وأخذ الطريقة من عدة شيوخ؛ كالشيخ أبي الحسن الخرقاني متصلاً إلى سيدنا أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه، والشيخ أبو القاسم الجرجاني متصلاً إلى سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخذ عن الشيخ أبو القاسم القشيري، والشيخ أبو سعيد بن أبي الخير (توفي سنة 440 ه)، بأسانيدهم المختلفة إلى سيِّدنا رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

من أقواله وأحواله

نقل الشيخ عبد الرحمن الجامي (توفي سنة 998 ه) نبذة من أقواله في كتاب نفحات الأنس. فيقول الشيخ أبو علي الفارمدي: «كنت في حال الشبوبية مشغولاً بطلب العلم في نيسابور، فسمعت أنَّ الشيخ أبا سعيد بن أبي الخير، قدس الله سره، جاء من بلدة ميهنة وعقد مجلس وعظ، فذهبت إليه فلما وقع بصري على نور وجهه عشقته ووقع في قلبي محبة طائفة الصوفية العلية، فكنت يوماً في المدرسة فالتهف قلبي لرؤية جمال الشيخ قدس الله سره ولم يكن للشيخ عادة أن يخرج في ذلك الوقت، فتربصت وتصبرت على ذلك، فلم أقدر على الصبر لحظة، فقمت أقصد محل الشيخ. فلما وصلت إلى أول السوق رأيت الشيخ ومعه جماعة كثيرة ذاهبين، فتبعتهم وأنا غائب عن شعوري حتى دخلوا محلاً، فدخلت معهم وجلست في زاوية من زوايا المحل مستتراً عن عين الشيخ. فلما اشتغلوا بالسماع طرب الشيخ وتواجد وشق جبته الشريفة، حتى إذا فرغوا من السماع ألقى الشيخ الجبة في الأرض فأخذها المريدون وقطعوها إرَباً إرَباً ووضعوها بين يديه؛ فحمل الشيخ كما متصلا ببنيقة[119] ووضعه على حدة ونادى: يا أبا علي الطوسي، فما أجبته ظناً مني أنَّ في مريديه أبا علي الطوسي غيري، لأنه لم يكن يراني. ثم نادى ثانية وثالثة كذلك فما أجبته، فأتاني واحد من جماعته وقال إنَّ الشيخ يناديك، فحينئذ قمت ووقفت أمام الشيخ، فأعطاني ذلك الكم مع البنيقة، وقال: أنت منا بمنزلة البنيق من الكم. فأخذتها وعظمتها وحفظتها في مكان عزيز، واتصلت بخدمة الشيخ وحصل لي منه فائدة فائقة وتجليات وأحوال وافرة صادقة. ولما سافر الشيخ من نيسابور، رجعت إلى خدمة الشيخ أبي القاسم القشيري قدس الله سره، وكنت كلما حصلت لي حال من الأحوال أذكرها له فيقول لي إذهب يا ولدي واشتغل في تعلم العلم، ولم يزل ذلك الحال يزداد معي يوماً فيوماً وأنا مشتغل بتحصيل العلم مدة ثلاث سنين، فاتفق لي أني رفعت مرة القلم من الدواة فخرج أبيض، فقمت حتى وقفت أمام الإمام القشيري وذكرت له ذلك الأمر، فقال لي قدس الله سره: حيث نَزَع العلمُ يده منك فانزع يدك منه، والتفِت للحال الذي أنت فيه، واسلك طريق القوم. فنقلت أمتعتي من المدرسة إلى الخانقاه واشتغلت بخدمة هذا الأستاذ الإمام قدس الله سره».

ثم يتابع فيقول: «ودخل الأستاذ يوماً إلى الحمام فذهبت وحدي إلى الحمام وأخرجت عدة دلاء من ماء البئر وملأته، فلما خرج الأستاذ القشيري منه قال: من الذي ملأ الحمام؟ فسكت فقلت في نفسي: إني فعلت قلة أدب، فسأل مرة ثانية، فما أجبته أيضاً، فلما سأل الثالثة قلت له: أنا ملأته! فقال: يا أبا علي أبشرك بأنَّ ما حصلته أنا في مدة سبعين سنة فقد حصلته أنت بدلوٍ واحد».

ثم يقول: «واستولى عليَّ مدة المجاهدة عند الأستاذ القشيري يوماً حال لم أكن معها شيئاً مذكورا، فذكرت له ذلك، فقال: يا أبا علي ذوقي ما هو أعلى من هذا، يمكن أن يكون ذلك المقام أرفع من مقامي، وأنا لا أدري طريقه. فلم أزل متشوقا إلى شيخ يوصلني إلى أعلى من هذا مدة مديدة، وذلك الحال يزيد، وقد كنت سمعت بالشيخ أبي القاسم الكركاني، فتوجهت إلى طوس، ولم أكن أعرف محله، فلما وصلت إلى البلدة سألت عنه فوجدته جالساً في المسجد مع جماعة من مريديه. فصليت تحية المسجد وجلست أمامه وكان مطرقاً رأسه، فرفع رأسه وقال: تعال يا أبا علي، فقمت وسلمت عليه ثم قعدت فذكرت له أحوالي، فقال: نعم بارك الله لك في بدايتك، فإنك الآن واصل إلى أول درجة السلوك، أما إذا حصلت لك تربية فإنك تصل إلى درجة عالية. فقلت في نفسي: هذا أستاذي. ثم أقمت عنده، فبعدما أمرني بأنواع الرياضات والمجاهدات مدة مديدة عقد لي على ابنته وأذن لي بالكلام على الناس. ثم توجهت بتوجيهه إلى إكمال تربيتي وخلواتي بترقي أحوالي إلى سيدنا أبي الحسن الخرقاني الذي تولاني بالرعاية والتربية فأكمل حالي إلى أن تحققت بالبقاء في الله بعد الفناء فيه».

وقال رضي الله عنه: «كان قد حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير من ميهنة[120] إلى طوس قبل أن يأذن لي الشيخ أبو القاسم بالكلام، فذهبت إلى زيارته، فقال لي: يا أبا علي استعد فإنّه سيفتح عليك فتتكلم بلسانهم كثيرا كالبلبل، فما مرّ على هذه البشارة زمان حتى أمرني الشيخ بعقد المجلس وفتح لي باب الكلام».

ومن أقواله رضي الله عنه: «النبوة عين العزة والرفعة، ليس فيها عظمة وذلة، وكذلك الولاية».

ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه: «لقد سمعت الشيخ أبا علي الفارمدي يحدّث عن شيخه أبي القاسم الكركاني أنّه قال: التسعة والتسعون اسماً تصير أوصافا للسالك وهو بعد لم يصل».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ أبو علي الفارمدي سنة 447 للهجرة عن عمر بلغ ستة وتسعين عاماً، وكانت وفاته في بلده فرماد من مدينة طوس من نواحي بخارى.

قدَّسَ اللهُ سرَّه العزيز.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





ذكر الله يجعل في أفعال الذاكرين وما يتعاملون معه بركة، إذ الذكر استحضار وتذكر للمنعم بالنعم، وهو سبحانه الواهب للرزق، والذكر متضمن لشكر المنعم وحمده، ومن أقرَّ بالنعمة وشكرها حفظها الله عليه، بل وزادها، كما قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [7]﴾.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!