25- الشيخ محمد مراد معصوم

25- الشيخ محمد مراد معصوم

هو الشيخ محمد مراد معصوم ابن الشيخ أحمد الفاروقيّ السرهندي مجدد الألف الثاني السابق ذكره، فهو فهو محمد معصوم بن أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين بن عبد الحي بن محمد بن حبيب الله بن الإمام رفيع الدين بن نور بن نصير الدين بن سليمان بن يوسف بن عبد الله بن إسحاق بن عبد الله بن شعيب ابن أحمد بن يوسف بن شهاب الدين المعروف بفرخ شاه الكابلي ابن نصير الدين بن محمود بن سليمان بن مسعود بن عبد اللّه الواعظ الأصغر ابن عبد اللّه الواعظ الأكبر ابن أبي الفتح بن إسحاق بن إبراهيم بن ناصر بن سيدنا عبد اللّه ابن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه.

مولده وحياته

ولد محمد معصوم سنة 1007 من الهجرة، الموافقة 1599 م، بقرية "مُلْكِ حيدر" التابعة لمدينة سرهند، وتقرأ أيضاً: سهرند، وهي مدينة من أعمال اللاهور في الهند. وشهد له والده في صغره بعلو الاستعداد، وقال عنه: «كان قدوم محمد معصوم كثير البركة، فإني تشرفت بعد ولادته بخدمة شيخي (يعني سيدنا محمد الباقي قدس اللّه سره)، فنلت هذه العلوم والمعارف، وإنه من المحبوبين ومستعدٌّ للولاية المحمدية». وقال كذلك: «حال محمد معصوم في تحصيل نسبتي كحال شارح الوقاية،[145] ألفها جده سبقا سبقا، وهو في ميدان حفظها يجري طلقا طلق».

وقال الشيخ محمد معصوم يوما لوالده: «إني أرى نفسي نوراً سارياً في كلِّ ذرة من ذرات العالم، والعالم يتنور به كالشمس»، فقال له الشيخ أحمد: «يا ولدي! أنت تصير قطب وقتك، فاحفظ ذلك عني».

وكذلك قال له يوما: «إن فيك نصيباً من الأصالة، وقد اندمج في جبِلَّتك بقية من طينة الحبيب الأعظم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فهذه المحبوبية الذاتية من آثاره».

وقال رضي الله عنه في حقِّه: «إن خلعة القيومية التي كانت عليّ لقد أفرغت على محمد معصوم».

وللشيخ محمد معصوم مكتوبات فيها غوامض العلوم والأسرار والدقائق، وتتضمَّن حل مشكلات والده، وهي مجموعة في ثلاث مجلدات ضخمة، مكتوبة بالفارسية ومترجمة إلى التركية.

من أقواله وأحواله

ومنها ما نقله حفيده الشيخ محمد مظهر في تفسير بعض آيات من سورة آل عمران، يقول: «حققنا اللّه سبحانه، وإياكم، بكمال الانقطاع والتخلي إليه عما سواه، بحيث لا يبقى منه في الباطن عينٌ ولا أثر، ليحصل التبتُّل التامُّ المشارُ إليه في قوله تعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: 8 ]، كاملاً، عن نفسك، وعن سائر لطائفك المتعلقة بالخلق والأمر، وعن الكمالات الوجودية الراجعة إليها. وحقيقةُ التقوى إنما هو هذا التبتُّل والانقطاع، وكأنّ قوله تعالى: ﴿يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ﴾ إيماءٌ إلى ما ذكرنا، أي: الذين آمنوا صورة، وانقطعوا عما سوى الله، وتخلوا إليه سبحانه، وانخلعوا عن العوائق والتقيدات، متوجهين إلى حضرة الإطلاق حق الانقطاع والانخلاع، بحيث لا يبقى من ذواتكم وكمالاتكم الراجعة إليكم أثر، ويسرى فناؤكم في لطائف الخلق والأمر كلها، ﴿ولاٰ تَمُوتُنَّ﴾ قبل الموت ﴿إِلاّٰ وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] أي: مشرفون بالإسلام الحقيقي دائما في جميع الأحوال، لدلالة الإسمية على الدوام؛ وكأنّ في الآية الكريمة حثٌّ على دوام الموت والفناء، ليكون الإسلام والبقاء المترتب عليه دائما، بخلاف صاحب التجلي البرقي، فإنه لم يمت موتا دائما ليصير هذا التجلي أيضا في حقه سرمدا. وينبغي أن يُعلم أن التجلي البرقي ليس من التجلي الذاتي الصرف في شيء، وإنما هو تجلّ ذاتي بملاحظة شأن إلهي هو سريع الاستتار والزوال، والذات إذا تجلت لا استتار لها. ﴿واِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً﴾ أي: بالحقيقة الجامعة الكلية المعبر عنها بالحقيقة المحمدية، ليصير الاعتصام بهذا الحبل ذريعة للوصول إلى حضرة الإطلاق. ﴿ولاٰ تَفَرَّقُوا﴾ بتفرق الأسماء والأعيان الجزئية، فإن الأسماء الجزئية والطرق المتفرقة ما لم تنته إلى حضرة الإجمال لم تصل إلى حضرة الإطلاق، ﴿واُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن جمعكم في الحقيقة الجامعة، ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدٰاءً﴾ بتفرق الأسماء، إذ مقتضى بعضها يعارض البعض الآخر، ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بأن جمعكم في حقيقة واحدة جامعة، وجعلكم على قلب واحد، قلب محمد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰاناً﴾ [آل عمران: 103] متولِّدين من حقيقة واحدة آخذين منه الفيض، كما يأخذ الإخوان من الأم».

ويقول رضي الله عنه: «العارف الكامل المشرف بالبقاء الذاتي يشاهد جماله في مرايا العالم، ويرى نفسه كلا وإجمالا، والعالم مظاهره وتفصيله، ويعاين ذاته ساريا في أفراد العالم محيطا به إحاطة الكل في أجزائه».

ويقول رضي الله عنه: «القيوم في هذا العالم خليفة اللّه تعالى ونائب منابه، والأقطاب والأوتاد والأبدال والأفراد مندرجون تحت ظلاله، وأفراد العالم كلها متوجهة إليه، وهو قِبلة توجههم علموا ذلك أو لا، بل قيام العالم بذاته الشريفة، لأنَّ أفراد العالم مظاهر الأسماء والصفات، وكلها أعراض وأوصاف، ولابدَّ للعَرَض والوصف من جوهر وذات يقوم به، وسنَّةُ اللّه جارية بإعطاء العارف التام المعرفة بعد قرون متطاولة نصيباً من ذاته المقدسة، يعني من تصرفات الذات».

ولعلَّه يقصد بالقيوم هنا الإنسان الكامل،[146] فإنه أعمُّ من القطب بمعنى الغوث.

وينقل عنه صاحب «كنز الهدايات» في الهداية الخامسة، أنه يقول: «الوجود مع كمالاته التابعة له مخصوص بالواجب تعالى، وما يترآى في الممكن من الوجود وتوابعه، فهو مستفاد منه تعالى، ومستعار للممكن. والذاتي للممكن هو العدم، وما فيه من الظهور فبواسطة انعكاس الكمالات فيه، وبهذا تميز عن سائر الأعدام، فالممكن بهذا الطور اللاوجودي تصوَّرَ نفسه كاملا، ومبدأ للخيرات، وادَّعَى الاشتراك والاستقلال، وأقبل عليه وأعرض عن أصله. فإذا أراد الحق سبحانه بالسالك المستعدِّ، فضلاً منه، أن يخصه بتقريبه إليه تعالى، يعطيه هذه المعرفة حتى يُعرض السالك عن نفسه، ويُقبل على ذلك الجناب الأقدس، ويحيل الكمالات المستعارة على الأصل، ويتخلص من الشرك الخفي، ودعوى الاستقلال».

ويقول رضي الله عنه: «ينبغي أن يعلم أن الأقدام في فناء النفس متفاوتة تفاوتا كليا، وقلَّما يوجد صاحب دولة يصل إلى حقيقة ذلك، وإن كان أكثر أهل السلوك يتوهمون ويتعقَّلون هذا المعنى، ويغوصون في بحاره عند المراقبة، فيستخرجون منها دررا، ويستكثرون عند غلبة الشوق والمحبة قليل التخلُّص والنجاة الحاصل لهم ذلك بطريق اندراج النهاية في البداية، وبانعكاس أشعة أنوار الشيخ الكامل. وأما من تحقق بكمال هذا التخلص على قدر الطاقة البشرية فإنه قليل، وما لم يصل السالك إلى حقيقة ذلك التخلص لا تحصل له النجاة الكاملة من إثبات ألوهية نفسه، فإنه يثبت ألوهية نفسه بتكرار كلمة التوحيد، وهذا جاءه من جهة إثبات صفة الكمال، إمّا لنفسه ولو أحيانا نادرا، وإمّا لبعض اللطائف دون بعض، أو مما يقرب من الإثبات».

وسئل "هل يتعرض الشيطان لسالكي هذه الطريق أو لا؟" فقال رضي الله عنه: «قال الشيخ عبد الخالق الغجدواني رضي الله عنه: إن لم يصل السالك إلى حدِّ فناء النفس، يجد الشيطان إليه سبيلا عند الغضب، وأما السالك الواصل إلى فناء النفس، فلا يكون له غضب، بل غَيرة، وعند الغيرة يفرُّ الشيطان».

ويقول في تحقيق الفناء والعدم والفرق بينهما: «اسمعوا العدم الواقع في عبارات أكابر هذه السلسلة العلية، عبارة عن ورود وجود الاسم الإلهي؛ الذي هو مبدأ تعين العارف من وراء الحجب بطريق الجذب، والحب على مدركة العارف، بحيث يستتر في جنب ذلك وجوده، ويغيب عن نفسه وأوصافه، فلا يجد شيئا من ذلك، فوجود العدم عبارة عن التحقق بذلك الوجود، أي: الوجود والبقاء المترتبين على العدم. ويحتمل أن يكون الوجود عبارة عن التحقق بحالة العدمية، يعني: ظهور صفة العدمية في السالك، وهذا العدم، ووجود العدم بمعنى الفناء والبقاء في جهة الجذبة، وليس لهذا الظهور دوام، فلا يدوم الفناء والبقاء المرتبين عليه أيضاً، فلا يؤمن عود ذلك السالك إلى البشريَّة. ومتى حصل هذا الظهور، فإنَّ وجود السالك يتوارى، وإذا توارى الظهور، فوجود البشرية يعود. والفناء الحقيقي عبارة عن استيلاء وجود المطلوب على العارف، فحينئذ يجد العارف أوصافه وأخلاقه ظلال أوصاف المطلوب وأخلاقه، بحيث يحيل كلَّ ذلك إحالة سديدة على ذلك الجناب، ويصير خاليا من جميع المنتسبات، فلا تجد نسبة ما إليه سبيلا أصلا، ووجود الفناء عبارة عن البقاء المترتب على هذا الفناء المذكور.

ومن هنا يكون العارف بسبب الولادة الثانية موجوداً بالوجود الموهوب، وهذا الفناء والبقاء يلزمهما العدم، ولا يعودان إلى وجود البشرية، ففي الصورة الأولى استتار السالك، وفي الصورة الثانية انتفاؤه، وشتان ما بينهما لأن المستتر قد يظهر ويعود، والزائل لا يعود، والأول ليس من المطالب، ولا الولاية مربوطة به، والثاني من المطالب وشرط للولاية، وكثيرا ما يقع للطالب خلط الأول مع الثاني، فيظن نفسه فانياً فناءً حقيقياً موجود العدم، ويحسبه كاملا، ولا يهتدي إلى هذا الفرق، وهذا من جملة مزالِّ أقدام السالكين، ولذلك لابدَّ له بعناية اللّه جل سلطانه من شيخ كامل مكمِّلٍ تربَّى بطريقي الجذبة والسلوك، ووصل إلى النهاية ليخلِّص هذا العاجز العديم القوى من هذه الورطة، ويدلَّه على نقصه ويهديه إلى الفناء الحقيقي».

وفي الهداية السادسة، يقول رضي الله عنه: «إذا ترقى السالك من هذا المقام، وتحقق بالذي فقد هو فيه، وتخلق بأخلاقه وأوصافه، ووصل إلى حق اليقين، وارتقى من الفناء إلى البقاء، فحينئذ يتجلى له حسن الإسلام، ويتخلص من الحيرة والدهشة والهيام، فيجده به لا بنفسه وعلمه إذ هما قد فنيا، قال اللّه سبحانه وتعالى ﴿أَومَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وجَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ﴾ [الأنعام: 122]، وفي الحديث: "من قتلته فأنا ديته"[147]».

ويقول رضي الله عنه: «ما يرى في الواقعات (أي الرؤى والمنامات) في التحلي بالحلي، والتكلل باللآلي واليواقيت، هو تبشير بالبقاء».

ويقول رضي الله عنه: «إذا رأى السالك إحاطة الأنوار به، وحلول بحار الأنوار فيه، وكون كل جزء من أجزائه جزأ من أجزاء النور، فذلك يمكن أن يكون من البقاء».

ويقول رضي الله عنه في معنى الولاية الصغرى: «ليعلم أن العمدة في حصول كمالات الولاية الصغرى المراقبة والأذكار القلبية، من ذكر اسم الذات، والنفي والإثبات».

ويقول رضي الله عنه: «فناء النفس على وجه الكمال يتضمن فناء الروح، والسّر والخفي والأخفى، لأن النفس رأس هذه اللطائف، سواء قبل الفناء أو بعده: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"[148]».

ويقول رضي الله عنه: «كمال فناء النفس إذا التحق عدمها الإضافي، الذي هو مرآة للصفات الكمالية التي التحقت بالأصل حين لم يبق في السالك غير هذا العدم بالعدم المطلق، فحينئذ لا يبقى للعارف عين ولا أثر، لا تبقي ولا تذر، وبعد هذا بمقتضى "من قتلته فأنا ديته" معاملة البقاء. وأما معاملة الولاية الكبرى فهي أمام السالك بعد، والفناء والبقاء وإن كان لهما صورة في الولاية الصغرى، ولكن حقيقتهما في الولاية الكبرى، وأظن أن لحوق العدم الخاص بالعدم المطلق من خصوص هذه الولاية».

ويقول رضي الله عنه: «ما دام سير السالك في الأصول، فله حظ من الشوق والحلاوة والمعرفة، فيطيل لسانه في بيان المعارف والأسرار، وإثبات نسبة الإحاطة والسريان، ونسبة الأصالة والظلية والمراتب، وأمثال ذلك. ثم إذا ترقت المعاملة من الأصول إلى ما فوقها، وترك الأصل كالظل كَلَّ لسانه، واستترت عنه النسبة السابقة؛ ما للتراب ورب الأرباب، فتنتفي عنه تلك المعرفة والحلاوة التي كان يجدها، فحينئذ إن كان فيه علم والتذاذ فذلك أمر آخر أنسب ما يعبر عنه الجهل والحيرة، من لم يذق لم يدْرِ، وليس ذلك من قبيل الجهل والحيرة التي يعرفها العوام، بل هو أمر آخر ما لم يُتحقق به لم يُدرك على وجه التمام، فإنَّ هذا الجهل له ألفُ مزية عن العلم، وهذا الخوف والحيرة له رجحان عظيم على الشوق والحلاوة، وهذا من قبيل مدح الشيء بما يشبه الذم».

ويقول رضي الله عنه: «الشهود والمشاهدة حيث يوجد الظل والإدراك والوصل من معاملات الأصل، فإذا ترقى من الظلال وبقي الأصل، كالظل في الطريق، واتصلت بالغيب المغيَّب، فحينئذ تكون المعاملات السابقة هباء منثورا، فيتبدَّل الإيمان الشهودي بالإيمان الغيبي، وينقلب ما كان من اللذَّة والحلاوة والذوق والشوق إلى المرارة والألم والحزن، فقد كان صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم متواصل الأحزان دائم الفكر، ولذة هؤلاء الأكابر مقيدة بالطاعات، مقصورة على العبودية والعبادات، فإن كان غيرهم متلذِّذا بالشهود مغرورا بخيال الوصال، فأولئك الأكابر قد غضُّوا أبصارهم عن الشهود، وتصوروا أن هذا الوصال خيال، واطمأنوا بالغيب الذي له على الشهود آلاف من المزية، وشدوا حزام الهمة للعبودية، فيرون إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام أحسن من التجليات، وأوقع من الظهورات، والخشوع والنظر إلى محلِّ السجود ألذَّ من المشاهدة والشهود، ثم يأتي بعد ذلك مقام ليس للعمل فيه نتيجة، ولا للاعتقاد فيه أثر، فالترقي هناك بمجرد الفضل والإحسان، وهذا المقام بالأصالة مخصوص بالأنبياء من أولي العزم، وللأفراد من أممهم نصيب من ذلك. ثم فوق هذا كمال يترقى فيه من التفضل إلى المحبة، فالترقي في حصول هذا الكمال منوط بالمحبة المحضة، وفي المحبة كمالات المحبة والمحبوبية، فظهور كمالات المحبة الذاتية بالأصالة مخصوص بالكليم عليه السلام، وظهور كمالات المحبوبية مخصوص بالحبيب الأعظم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ولغيرهما تطفُّلا رجاء في هذين الكمالين».

وذكر الشيخ عبد الرحمن الترمذي، أحد أصحابه قال: «جئت مع إخواني لزيارة جنابه العالي، فأعطى كل واحد منهم أثرا من لباسه تبركا إلا أنا، فلما انصرفت إلى وطني غلب عليّ الحزن والغم، لحرماني من هذا الفضل الجزيل، وإذا قد شاع في البلدة خبر قدومه قدس اللّه سره إليها، فخرج الناس لاستقباله، وخرجت معهم فرِحاً فرَحاً شديداً، فلما بارحت البلدة رأيت حضرة الشيخ راكباً على فرس أبيض، فقال لي: "لا تحزن يا عبد الرحمن! وخذ قلنسوتي تبرُّكاً"، فلما أخذتها غاب هو والناس عن عيني، وبقيت القلنسوة في يدي».

ويقول رضي الله عنه: «كنت متوجها ليلة النصف من شعبان إلى معرفة نسبة أحوالي، ونسبة أحوال بعض المريدين الحاضرين وقتئذ عندي، فما لبثنا أن عرج بنا على أبهج هيئة وأعظمها، بحيث لم يحصل لي مثل ذلك العروج من قبل. فألقي إليّ أنه لم يقع مثل هذا العروج لأحد. فظهرت لي نسبة عالية المرتبة للغاية، ثم أُعلمت أنها نسبة المخلَصين، و أنها هي النسبة التي أثبتها تعالى لبعض المرسلين، على نبينا، وعليهم الصلاة والسلام، بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24] ثم عوملت ما عوملت، ثم أتي بخِلع عالية الشأن بعضها فوق بعض، فتشرَّفت بالأفضل منها، ووزِّع ما يليها على من معي على تفاوت درجاتهم، وتفاضل أقدامهم، الأفضل فالأفضل، ثم كشفت أشياء لو أظهرت منها شيئا لقطع البلعوم، وذبح الحلقوم».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ محمد معصوم في "ملك حيدر" سنة 1079 من الهجرة، الموافقة لسنة 1668 من الميلاد، وانتقل بعده سرُّ هذه الطريقة النقشبندية إلى ابنه الشيخ محمَّد سيف الدين الفاروقي السرهندي، الآتي ذكره.

ونقل أنَّ عدد مريديه بلغ مئات الآلاف، وكان له خلفاء كثيرون، من أشهرهم: الشيخ محمد حنيف الكابلي، والشيخ محمد صديق البشاوري، والشيخ حبيب اللّه البخاري، والشيخ محمد مراد البخاري الشامي، والشيخ ملا موسى اللنكرهاري، والشيخ آدم السندي، والشيخ أرغون الخطائي، والشيخ محمد أمين البدخشي، والشيخ حافظ الصادق، والشيخ محمد باقر اللاهوري، والشيخ نجم الدين السلطانفوري، والشيخ مير محسن السيالكوتي، والشيخ عطاء الدين السورتي، والشيخ كلان السمرقندي، والشيخ عبد الرحمن القراسماني، والشيخ علي اليمني، والشيخ عمر الشافعي اليمني، والشيخ زين العابدين المدني، والشيخ يوسف الملتاني، والشيخ عبد اللّه القنوجي، والشيخ إسحاق التركستاني، والشيخ أحمد البخاري، والشيخ أحمد البخاري، والشيخ عبد اللّه المغربي الصوفي، والشيخ مصطفى البنكالي، والشيخ عبد اللّه الكولابي.

وقد خلَّف رضي الله عنه ستة أنجاب:

منهم: الشيخ محمد صبغة اللّه، ولد عام اثنين وثلاثين وألف في حياة جده الشيخ أحمد السرهندي، فقال: «إني أجد منه رائحة الأصالة»، فسموه صبغة اللّه، ثم تلقى علمي الظاهر والباطن عن حضرة والده، حتى بلغ من العلوم غايتها، ومن المقامات الإلهية والكمالات المجددية نهايتها، وصار له رسوخ تام في الورع والتقوى، واستقامة كاملة على الطاعات والعبادات كأبيه وجده. ومرض مرة في حداثة سنه مرضاً شديداً، وصل به حدَّ اليأس من حياته، فقال جده المجدد رضي الله عنه لأهله: «لا تخافوا عليه، فإنه يكون معمِّراً ذا إرشاد وهداية عظيمة، وكأني به وهو شيخ كبير بيده عصا، وحوله ألوف من الطلبة». فكان كذلك، فقد عاش أكثر من تسعين عاما، ثم لما أذن له والده العزيز بالخلافة رحل إلى بلدة كابُل، فصار قطب تلك الديار، وحصل له قبول عظيم، وأقبل عليه السالكون من كلِّ فج عميق، فصار أكثرها بهمته العلية من أولي الأحوال، والولاية الكاملة. توفي رضي الله عنه سنة اثنين وعشرين ومائة وألف.

ومنهم: الشيخ شرف الدين حجة اللّه محمد نقشبند، ولد عام أربع وثلاثين وألف، وقال حضرة المجدد لوالده: «ولدك هذا نظيري في كمالات قرب الحق». وكانت آثار الولاية تلوح على جبينه وهو صغير، قرأ علوم الظاهر على حضرة والده، فأتقنها قبل بلوغ الحلم، ولم يزل يتبحر فيها حتى كاد أن يدرك رتبة الاجتهاد في الفقه، والحديث، والتفسير، وطالما أتى في أسرار معاني القرآن المجيد بالعجائب والغرائب، ثم أتم مقامات السلوك على حضرة والده، فنال بأقرب وقت أعلى الدرجات، وبلغ في منصب الإرشاد غاية الغايات، فأصبح ذا شأن عظيم، ومقام كريم.

ومنهم: الشيخ عبيد اللّه محمد، ولد سنة سبع وثلاثين وألف، وكان في العلم والعمل والتقوى والورع عديم النظير، ونال ببركة حضرة والده أسنى مقامات الوصول والقرب الإلهي، حتى صار قطب وقته، واستفاد من فيوضات إمداده خلق كثير. وكانت الطلبة تزدحم على حضور حلقة درسه صباحا ومساء، بحيث لا يبقى في حضرته مع اتساعها محل للجلوس أصلا. توفي عام ثلاث وتسعين وألف.

ومنهم: الشيخ محمد شرف، ولد سنة ثمان وأربعين وألف، وحصل العلوم بأسرها، من معقول ومنقول، وفروع وأصول، حتى صار مفرد زمانه، وأوحد أقرانه، صنف الحواشي المفيدة على الكتب المتداولة في أكثر الفنون. توفي سنة سبع عشرة ومائة وألف، وكان آخر كلامه: حسبنا اللّه ونعم الوكيل.

ومنهم: الشيخ محمد صديق، ولد عام سبع وخمسين وألف، وبرع في تحصيل علمي الظاهر والباطن من حضرة والده، وخصه اللّه بالترقي إلى جميع المقامات العالية، وحج البيت الحرام، وفاز بعناية إلهية، وتفضلات نبوية، وحصل له قبول عظيم في تلك الأماكن المطهرة، ثم انقلب إلى أهله مسرورا، ثم بنى رباطا في مدينة دهلي، وتصدر لهداية العالمين، فقصده الأمراء والفقراء، وازدحم على بابه العلماء والشرفاء، حتى دخل سلطان الهند قزح سير في طريقه، وكان ذا علم وحلم، وتواضع، وأخلاق حسنة، وبذل تام، وله كرامات كثيرة شهيرة. توفي عام ثلاثين ومائة وألف في دهلي، ونقل إلى سهرند.

ومنهم: سيدنا الشيخ محمد سيف الدين الفاروقي المجددي، الذي سنتحدَّث عنه بعد قليل.

قدَّس الله أسرارهم أجمعين.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا بَارِئُ: اِجْعَلْني مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَخَلِّقْني بِأَخْلاْقٍ حَسَنَةٍ مَرْضِيَّةٍ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!