30- الشيخ خالد البغدادي

30- الشيخ خالد البغدادي

الشيخ أبو البهاء ضياء الدين خالد النقشبندي السليماني البغدادي الدمشقي، ابن الشيخ أحمد بن حسين الشهرزوري العثماني، وينتهي نسبه إلى الولي الكامل بير ميكائيل المشهور بين الأكراد بشش انكشت، يعني صاحب ست أصابع، لأن خلقة أصابعه كانت هكذا، وهو معروف الانتساب إلى الخليفة الثالث منبع الإحسان والحياء ذي النورين عثمان بن عفان الأموي القرشي رضي الله عنه.

كان مولانا خالد رضي الله عنه رجلاً صالحاً شديد الحرص على نفع الإسلام ويتكفّل برعاية الأرامل والأيتام، وكان شيخاً مربياً، تقياً ورعاً، وعالماً عاملاً، وشاعراً أديباً، يجيد اللغات الثلاث الكردية والعربية والفارسية، ويعود إليه الفضل في نشر الطريقة النقشبندية في كردستان وإيران والأناضول والبلاد العربية.

مولده وحياته

وُلد مولانا خالد رضي الله عنه سنة 1193 ه الموافقة 1779 م، في قرية قه ره داغ، وتعني الجبل الأسود، من قرى السليمانية في شمال العراق، ونشأ فيها وقرأ ببعض مدارسها القرآن الكريم، وكتاب المحرر للإمام الرافعي في فقه الشافعية، ومتن الزنجاني في الصرف، وشيئاً من النحو، وبرع في النثر والنظم قبل بلوغ الحلم، وقد درَّب نفسه على الزهد والجوع والسهر والعفة والتجريد والانقطاع، على أقدام أهل الصفَّة. ثم رحل لطلب العلم، فقرأ على السيد الشيخ عبد الكريم البرزنجي، وعلى العالم المحقق الملا محمد صالح، وعلى العالم المحقق الملا إبراهيم البياري، والعالم المدقق السيد الشيخ عبد الرحيم البرزنجي أخي الشيخ عبد الكريم، والعالم الفاضل الشيخ عبد الله الخرباني. وقرأ شرح الجلال على تهذيب المنطق بحواشيه على العالم الملا عبد الرحيم الزيادي المعروف بملا زاده.

ولما رجع إلى السليمانية قرأ فيها وفي نواحيها الشمسية والمطول والحكمة والكلام وغير ذلك، وقدم بغداد وقرأ فيها مختصر المنتهى في الأصول، فاشتُهر وذاع صيته وتقواه وذكاؤه وفهمه، إلى أن رغب بعض الأمراء في تنصيبه مدرِّساً في إحدى المدارس، فاعتذر، ثم ارتحل إلى سندج ونواحيها وقرأ فيها العلوم الحسابية والهندسية، والاصطرلابية والفلكية، على العالم الشيخ محمد قسيم النندجي.

بعد أن قام الشيخ خالد بعدة رحلات داخل العراق قصد الحجاز للحج مرتحلاً عن طريق الموصل ودياربكر والرُّها وحلب ودمشق، واجتمع في هذه الحواضر بعلمائها الأعلام، ففي دمشق سمع من مدرِّس دار الحديث الشيخ محمد الكُزْبَري، وصحب تلميذه الشيخ مصطفى الكردي. ولما وصل مكة المشرَّفة أشار عليه أحد العلماء أن يقصد شيخ مشايخ الديار الهندية الشيخ عبد الله الدهلوي، المذكور أعلاه، فارتحل إليه سنة 1224 ه الموافقة 1809 م.

فعندما ذهب مولانا خالد إلى الحج سنة 1120 ه لقي بالمدينة المنورة شيخاً من اليمن فنصحه أن لا يبادر بالإنكار في مكة على ما يرى مما يمكن أن يخالف ظاهره الشريعة، فلما وصل إلى الحرم المكي الشريف جلس أمام الكعبة الشريفة يقرأ كتاب الدلائل، فرأى رجلاً ذا لحية سوداء عليه زي العوام وقد أسند ظهره إلى الشاذروان ووجهه إلى الشيخ خالد؛ فحدثته نفسه أنَّ هذا الرجل لا يتأدب مع الكعبة، فقال له هذا الرجل في الحال: «يا هذا ما عرفت أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة[152] فلماذا تعترض على استدباري الكعبة وتوجهي إليك، أما سمعت نصيحة من في المدينة (يقصد الشيخ اليمني) وأكَّد عليك؟»، فأدرك مولانا خالد أنَّ هذا الرجل من أكابر الأولياء، فانكبَّ على يديه وسأله العفو وطلب منه النصيحة، فأشار عليه أنَّ فتوحه يكون في الهند، فقضى الشيخ خالد مناسك الحج ورجع إلى الشام فمكث فيها مدة ثم رحل إلى وطنه السليمانية ثم رحل سنة 1224 ه إلى الشيخ عبد الله الدهلوي بعد أن ترك المناصب والوظائف، ومرَّ في طريقه ببسطام وخرقان وسمنان ونيسابور، وزار الأولياء والْتقى ببعض الشيوخ، ودخل هراة وقندهار وكابل من بلاد الأفغان، واجتمع مع علمائها وتحاور معهم، ثم رحل إلى لاهور ومنها إلى دهلي حيث الْتقى بالشيخ عبد الله الدهلوي، ولم يمض عليه نحو خمسة أشهر حتى صار من أهل الحضور والمشاهدة.

شهد له الشيخ عبد الله الدهلوي عند أصحابه وفي مكاتيبه المرسولة إليه بخطه المبارك بالوصول إلى كمال الولاية، وإتمام السلوك العادي مع الرسوخ والدراية، والفناء والبقاء، وأجازه بالإرشاد، وخلفه الخلافة التامة في الطرائق الخمسة: النقشبندية والقادرية والسهروردية والكبروية والجشتية.

فأما الطريقة النقشبندية، فأجازه بها بتلقيه لها عن شيوخ هذه السلسلة المعروفة والمشروحة في هذا الكتاب.

وأما الطريقة القادرية، فأجازه بها بتلقيه لها أيضا عن سيدنا الشيخ جان جانان المظهر عن سيدنا الشيخ محمد عابد السنامي عن سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن والده سيدنا الشيخ محمد سعيد خازن الرحمة، عن والده سيدنا الشيخ أحمد الفاروقي السهرندي المعروف بالإمام الرباني مجدّد الألف الثاني، عن سيدنا الشاه سكندر، عن سيدنا الشاه كمال الكيتهلي، عن سيدنا الشاه فضيل، عن سيدنا السيد كدارحمان الثاني، عن سيدنا شمس الدين عارف، عن سيدنا كدارحمان الأول، عن سيدنا شمس الدين الصحرائي، عن سيدنا السيد عقيل، عن سيدنا السيد بهاء الدين، عن سيدنا السيد عبد الوهاب، عن سيدنا السيد شرف القتال، عن سيدنا السيد عبد الرزاق، عن سيدنا السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني، عن سيدنا أبي سعيد المخزومي، عن سيدنا الشيخ أبي الحسن الهنكاري، عن سيدنا الشيخ أبي الفرج يوسف الطرطوسي، عن سيدنا الشيخ عبد الواحد بن عبد العزيز اليمني، عن سيدنا أبي بكر الشبلي، عن سيدنا وسيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن سيدنا السري السقطي، عن سيدنا معروف الكرخي، عن سيدنا الإمام علي الرضا، عن سيدنا الإمام موسى الكاظم، عن سيدنا الإمام جعفر الصادق، عن سيدنا الإمام محمد الباقر عن سيدنا الإمام زين العابدين، عن سيدنا الإمام حسين، عن سيدنا الإمام حسن، عن سيدنا الإمام علي المرتضى عن سيدنا رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وأما الطريقة السهروردية، فأجازه بها بتلقيه لها عن سيدنا جان جانان مظهر الشهيد، عن سيدنا الشيخ محمد عابد، عن سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن سيدنا الشيخ محمد سعيد، عن سيدنا الإمام الرباني، مجدد الألف الثاني الشيخ أحمد الفاروقي السهرندي، عن سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن سيدنا الشيخ ركن الدين الكنكوهي، عن سيدنا الدرويش محمد بن قاسم الأودهي، عن سيدنا الشيخ بدهن البهرائجي، عن سيدنا الشيخ السيد أجمل، عن سيدنا الشيخ جلال الدين، عن سيدنا الشيخ ركن الدين، عن سيدنا الشيخ صدر الدين، عن سيدنا الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني، عن سيدنا الشيخ شهاب الدين السهروردي، عن سيدنا الشيخ ضياء الدين أبي النجيب السهروردي، عن سيدنا الشيخ وجيه الدين عبد القادر السهروردي، عن سيدنا الشيخ عبد اللّه عموية، عن سيدنا الشيخ يار محمد، عن سيدنا الشيخ أحمد الأسود الدينوري، عن سيدنا الشيخ ممشاد الدينوري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن سيدنا السري السقطي، عن سيدنا معروف الكرخي، عن سيدنا داود الطائي، عن سيدنا حبيب العجمي، عن سيدنا الحسن البصري عن سيدنا علي المرتضى، عن سيدنا رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وأما الطريقة الكبروية، فأجازه بها بتلقيه لها عن سيدنا جان جانان المظهر، عن سيدنا نور محمد البدواني، عن سيدنا سيف الدين، عن والده سيدنا الإمام المعصوم، عن والده سيدنا الإمام الرباني، عن والده سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن سيدنا الشيخ ركن الدين، عن سيدنا الشيخ عبد القدوس الكنكوهي، عن سيدنا الدرويش محمد، عن سيدنا الشيخ بدهن، عن سيدنا الشيخ أحمد الجوينوري، عن سيدنا الشيخ حميد الدين السمرقندي، عن سيدنا الشيخ شمس بن محمود، عن سيدنا الشيخ أبي عطار، عن سيدنا الشيخ أحمد، عن سيدنا بابا كمال، عن سيدنا الشيخ نجم الدين الكبري، عن سيدنا الشيخ عمار الياس، عن سيدنا الشيخ أبي النجيب السهروردي، عن سيدنا الشيخ أبي بكر الخير النساج، عن سيدنا الشيخ أبي القاسم الكركاني، عن سيدنا أبي عثمان المغربي، عن سيدنا الشيخ أبي علي الكاتب، عن سيدنا الشيخ أبي علي الرودباري، عن سيدنا الجنيد البغدادي، عن سيدنا السري السقطي، عن سيدنا معروف الكرخي، عن سيدنا الإمام علي الرضا، عن سيدنا الإمام موسى الكاظم، عن سيدنا الإمام جعفر الصادق، عن سيدنا القاسم بن محمد، عن سيدنا سلمان الفارسي، عن سيدنا أبي بكر الصديق، عن سيدنا رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وأما الطريقة الچشتية، فأجازه بها بتلقيه لها عن سيدنا جان جانان المظهر، عن سيدنا الشيخ محمد عابد، عن سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن سيدنا الشيخ محمد سعيد، عن سيدنا الإمام الرباني، عن والده سيدنا الشيخ عبد الأحد، عن سيدنا الشيخ ركن الدين، عن سيدنا الشيخ عبد القدوس، عن سيدنا الشيخ محمد عارف، عن سيدنا الشيخ أحمد عارف، عن سيدنا الشيخ عبد الحق الردولوي، عن سيدنا الشيخ جلال الدين الپاني پتي، عن سيدنا الشيخ شمس الدين الترك الپاني پتي، عن سيدنا الشيخ علاء الدين بن علي صابر، عن سيدنا شيخ الإسلام الشيخ فريد الدين كنج شكر، عن سيدنا الشيخ قطب الدين بختيار الكاكي، عن سيدنا الشيخ معين الدين حسن السجزي الچشتي، عن سيدنا الشيخ عثمان الهاروني، عن سيدنا الشيخ شريف الزندي، عن سيدنا الشيخ مودود الچشتي، عن سيدنا الشيخ ناصر الدين يوسف الچشتي، عن سيدنا الشيخ أبي محمد الچشتي، عن سيدنا الشيخ أبي أحمد إبدال الچشتي، عن سيدنا الشيخ أبي اسحاق الشامي، عن سيدنا الشيخ ممشاد علو الدينوري، عن سيدنا الشيخ هبيرة البصري، عن سيدنا الشيخ حذيفة المرعشي، عن سيدنا الشيخ إبراهيم بن أدهم، عن سيدنا فضيل بن عياض عن سيدنا عبد الواحد بن زيد، عن سيدنا الحسن البصري، عن سيدنا علي المرتضى عن سيدنا رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وأجاز شيخه كذلك بجميع ما يجوز له روايته من حديث وتفسير وتصوُّف وأحزاب وأوراد، ثم أرسله بعد ملازمته سنة إلى هذه البلاد ليتولى تربية المريدين ويرشد المسترشدين، ويربي السالكين.

وصل الشيخ خالد رضي الله عنه إلى السليمانية سنة 1126 ه واستقبله أهلها أحسن استقبال، ثم ذهب في تلك السنة إلى مدينة الزوراء، فنزل في زاوية الغوث الأعظم، سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلي فمكث نحو خمسة أشهر في التدريس والإرشاد، ثم رجع إلى وطنه، فبدأ الحساد يكيدون به بالحسد والعداوة والبهتان، فرحل إلى بغداد سنة 1228 ه فلما اشتهر وأقبل الناس عليه لقي فيها مثلما ذلك، فعاد إلى السليمانية ومعه فحول علماء بغداد، ورأى أميرها محمود باشا ابن عبد الرحمن باشا إقبال الناس عليه من كل البلاد، بنى له مسجداً ليكون زاوية ومدرسة، ورتَّب الرواتب للطلاب، فأبى الشيخ في البداية ثم لما ألح الأمير عليه قبل ذلك وشرع بالإرشاد، فأقبل عليه المريدون من كل مكان، مثل الشيخ إسماعيل الشيرواني، والشيخ أحمد الأغربوزي، وغيرهم، وزادت شهرته وانتشر خبره حتى أصبح وجهة الرجال الأفاضل، ومقصد أهل الحاجات والمسائل، وقد مدحه أدباء عصره بقصائد ومؤلفات كثيرة مثلما ورد في كتاب «أصفى الموارد من سلسال أحوال مولانا خالد» للعالم الأديب الشيخ عثمان بن سند النجدي البغدادي، ومن جملة ما قال فيه قصيدة طويلة قال في مطلعها:

أيُّها اللائمُ  دع عنك الملامَا وارْوِ لي مِن نَشْـرِ أخبارِهم واسْألِ الأرواحَ إن يَهْبِبْنَ هَلْ إنَّني صَبٌّ بِهِم إذْ أثخَنوا عفِّرِ الخدَّ على ما وَطِئوا

 

وَأَدِر لي مِن  سُلافِ القَوم جَامَا خَبَراً تُفصحُ ريَّاهُ الخُزامَا ضَمَّنوهُنَّ مَعَ الصُّبحِ السَّلامَا وَسَطَ القلْبِ، وَهم فِيه، كِلامَا لَثمُكَ التُّربَ لهم يَشْفي السِّقَامَا

وكذلك كتب العالم الفاضل الشيخ حسين الدوسري كتاباً بديعاً سماه «الأساور العسجدية في المآثر الخالدية»، وقد رتبه على أربع مقالات تشبه المقامات ووضع لكل مقالة خطبة، ثم ختم المقالة بقصيدة.

بعد ذلك عاد رضي الله عنه إلى بغداد للمرة الثالثة ونزل في المدرسة الأحسائية، التي جُدِّدت من أجله، فأخذ ينشر العلوم الدينية والمعارف اللدنية، فانقاد إليه علماؤها وعظماؤها، ووزراؤها وأمراؤها، وصار يربي المريدين ويرسلهم إلى الأمصار والأقطار، ولكنّه لم يطب له المقام فيها فهاجر رضي الله عنه إلى الشام بشكل نهائي وصحبه الكثير من العلماء والخلفاء والمريدين، فاستقبله أهلها أحسن استقبال وهرع الناس لزيارته، واحتفى به الحكام والأمراء والعلماء، من أمثال محدّث الديار الشامية الشيخ عبد الرحمن بن محمَّد الكُزْبَري الحسني (1184 ه، الموافقة 1771 م - 1262 ه، الموافقة 1846 م)، وشيخ الشام الشيخ حامد العطّار (1186 ه، الموافقة 1772 م – 1262 ه، الموافقة 1845 م)، والشيخ العلامة حسن البيطار (1206 ه، الموافقة 1791 م – 1272 ه، الموافقة 1855 م)، والشيخ حسن الشطّي (1205 ه، الموافقة 1790 م – 1274 ه، الموافقة 1857 م) شيخ الحنابلة في بلاد الشام، وغيرهم من كبار العلماء.

أجلس الشيخ خالد مكانه في السليمانية شقيقه الشيخ محمود الصاحب وكان خليفته، وفي الطويلة الشيخ عثمان سراج الدين، وفي بغداد وفي بقية بلاد العراق والأكراد الشيخ محمد الجديد، والشيخ موسى الجبوري، والشيخ عبد الغفور، وغيرهم، ثم خرج من بغداد وأبقى أهله فيها، وتبعه الناس أفواجاً فودعهم، وصحبه كثير من العلماء والخلفاء والمريدين ومنهم مفتي بغداد الشيخ عبيد الله الحيدري، والشيخ إسماعيل الأناراني، والشيخ عبد القادر الديملاني، والشيخ إسماعيل البرزنجي، والشيخ محمد الفراقي، والشيخ عبد الفتاح العقري، والشيخ عبد الله الهراتي، والشيخ محمد الصالح، والشيخ محمد الناصح، والسيد أحمد الكردي المكي، والشيخ إسماعيل الزلزلي.

ومع أنه لم يقض في دمشق سوى بضع سنوات من عمره الذي لم يكد يكمل عقده الخامس، إلا أن منزلته كانت عظيمة وشهرته بلغت الآفاق حتى أصبحت دمشق به مقصد العلماء الأعلام الذين كانوا يزحفون إليها من جميع البلدان للالتحاق بمدرسته التي أحيت مساجد دمشق بذكر الله سبحانه وتعالى، وانتشر منها إلى بقاع عديدة، حيث تخرَّج على يديه عدد كبير من العلماء والخلفاء الذين أجازهم في الذكر وقراءة الختم، ثم انتشروا في شتى البلاد الإسلامية لتزكية الناس والدعوة إلى الإسلام.

مع ذلك فقد وقع للشيخ خالد في دمشق مثلما حصل له في السليمانية وبغداد، فقام أمين فتوى الشام السيد الشيخ محمد أمين عابدين بتأليف رسالة في الرد على أولئك المعتدين سماها: «سل الحسام الهندي لنصرة مولانا الشيخ خالد النقشبندي» فحسم دعواهم، وقصم ظهورهم وخذل من نصرهم وآواهم، حتى وصل الأمر إلى الخليفة العثماني فأولاه اهتماماً كبيرًا وأصدر مرسوماً بمعاقبة خصومه وتأديبهم.

لما وصل إلى دمشق نزل مولانا خالد في خلوة السادة الغزيين التي في جامع بني أمية، ثم أمر بإحضار أهله من العراق، وأرسل الشيخ اسماعيل الأناراني يستقبلهم في حلب، ثم اشترى دارا رفيعة في محلة القنوات، وتحول إليها ووقف بعضها مسجدا وأقام فيه الصلوات الخمس بالجماعات، فلم يلبث أن ازدحم عليه الناس من كل مكان، وصار يؤمه الشيوخ والعلماء والفضلاء والوزراء والأمراء، فقام بنشر العلوم الشرعية، وأشاد دعائم الطريقة النقشبندية، وصار يرشد السالكين ويربي المريدين، وصارت له منزلة عظيمة، ورحل إليه الأعلام من مختلف البلاد، وأرسل الرسل للأقطار حتى ذاع صيته، وأحيا كثيراً من مساجد دمشق بالأذكار وفوض أمر تربية المريدين فيهه لخليفته الشيخ إسماعيل الأناراني، والشيخ أحمد الخطيب، مثل جامع السويقة الذي يعرف الآن بجامع النقشبندي وكان يقام فيه الذكر وختم الخواجكان، وأذن كذلك للشيخ عبد القادر الديملاني في جامع الصاحبة في الصالحية، وقرأ هو بنفسه صباحاً في مدرسة داره بالقنوات شرح المنهاج للرملي، جامعاً بين أقوال الخطيب والرملي وابن حجر، وكان معيد درسه الشيخ عمر الغزي، ثم الشيخ محمد الخاني، وكان له في كلِّ بلدة خلفاء ومريدون، وخصوصاً في الآستانة التي اشتهر فيها اسمه وأقيمت له فيها تكايا وزوايا.

من جملة ما قاله فيه الشيخ محمد الجملة الخلوتي الدمشقي واصفاً أثر قدومه على دمشق في قصيدة مؤرخا في آخر شطر منها عام وصوله إليها، بطريقة حساب الجمل، فقال:

أضحت دمشق ببهجة  ومـسرّة والطير غنى والغصون رواقص والوقت طاب وهيمنت أهل الصفا مذ حل بالشام الشـريفة سيد فسألت عنه بين أرباب الهدى وهو المجدّد بل هو الداعي إلى فلقيته فوجدته كالليث في فدهشت منه محبة ولطافة وأزيل عن قلبي الصدا بلقائه عالي الجناب فيا له من عارف بحر غدا تمتد منه أبحر يلقي العلوم بداهة من صدره في كل علم ماهر متمكن في عصرنا ما إن رأينا مثله مَن أَمّ ساحته ينل ما يبتغي وإذا أتاه حائر بطريقه فتراه من نفحاته في نشوة ويمدّه في القلب من عرفانه مصباح رشد لائح من وجهه والهدي والإرشاد فاض على الورى هذا جليّ ظاهر لم يخفه ولنقشبند قطبنا هو ينتمي من صدقه وتقاه فانظر يا فتى ومدارس درست فأحياها بذكـ وبه طريقته العلية قد نمت فلأنها طبق الكتاب وسنة الـ لما أتانا فيه قرة أعين وله تلامذة بدوا ككواكب جمعتهم أسرار حضرة شيخهم وهم أولو وجد بطاعة ربهم قد حل فيهم منه إكسير الصفا فعليهم مني جزيل تحية والسالكين طريقه أهل الهدى إن قيل مَن قطب الورى أرِّخ بقى

 

والنور والإشراق  منها صاعد تهتز من طرب وهنّ موائد والزهر يحدق والعنا متباعد وعليه من حلي الكمال فرائد قالوا ضياء الدين هذا خالد سبل الرشاد فنعم ذاك الماجد سطواته وهو الإمام الواحد وأتت إليّ منافع وفوائد وانحل ما هو قبل ذلك عاقد باللّه وهو مجاهد ومكابد يدري بذا الشهم الذكي الواجد وبه عليه فيه منه شاهد متحقق متضلع ومجاهد والفضل لا يخفيه إلا الحاسد من فيضه ما خاب فيه القاصد يهديه منه نوره المتزايد بغدوِّه ورواحه متواجد ويذوب منه كما يذوب الجامد وجليسه منه يطيب الوارد لا ينكرن هذا التقيّ العابد إلا غبيّ جاهل ومعاند أعني بهاء الدين ذاك الواحد كم من زوايا عمرت ومساجد ـر اللّه مذ وافى وقام القاعد من كل ناحية أتاها الوافد ـمختار ما في ذاك ينقد ناقد فازت بنور هداه لما شاهدوا من نورهم حقا يرد الشارد وعلى العبادة والعفاف تواددوا ما منهم إلا تقيّ زاهد فصفوا وصافوا إذ عليه عاهدوا ما خرّ للرحمن عبد ساجد طول المدى ما إن تنبه راقد قطب الورى يا سائلي هو خالد

وفي أثناء وجوده في دمشق سافر مولانا خالد إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف مع حشد كبير من العلماء والفضلاء، واستقبله فيه الإمام الفاضل الشيخ عبد اللّه الفردي بموكب منيف من أهل البلد الذين تلقوه باترحيب والتعظيم، ثم قصد رضي الله عنه مدينة الخليل إبراهيم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

وكذلك أثناء وجوده في دمشق خرج مولانا خالد رضي الله عنه مع ركب الشام، حاجا إلى بيت اللّه الحرام، وذلك سنة 1241 ه، وأقبل عليه العلماء والأولياء من أهل الحرمين وأجمعوا على محبته، واجتمعوا على قبول طريقته. ولما رجع خرج أهل الشام عن بكرة أبيهم في استقباله والاحتفال بسلامته، وفيهم العلماء والوزراء، والأغنياء والفقراء، للتبرك به والتماس دعائه.

ترك مولانا خالد رضي الله عنه العديد من الرسائل والمؤلفات، منها: حاشية على «الخيال» في علم الكلام، وحاشية على «النهاية» للعلامة الرملي (توفي سنة 1004 ه) في فقه الإمام الشافعي، وحاشية على «تتمة السيالكوتي لحاشية عبد الغفور اللاري» على شرح العارف الجامي على «كافية» ابن الحاجب في علم النحو، وحاشية على «جمع الفوائد» من كتب الحديث، وشرح على «العقائد العضدية»، ورسالة في آداب الذكر في الطريقة النقشبندية، ورسالة في آداب المريد مع شيخه، وشرح على أطواق الذهب للزمخشري مع ترجمة إلى الفارسية، ورسالة «جلاء الأكدار والسيف البتار بالصلاة على النبي المختار» ذكر فيه أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم، ورسالة سماها «العقد الجوهري في الفرق بين كسبي الماتريدي والأشعري»، وهي مطبوعة في دار السلطنة العلية، ورسالة في «الرابطة في اصطلاح السادة النقشبندية»، وقبل ذهابه إلى الهند شرح «مقامات الحريري» ولكنه لم يكمله، وله كتب وشروح باللغة الفارسية، وله تعاليق على كثير من كتب العلوم، وله ديوان شعر فارسي، وبالجملة له أكثر من مئتي تصنيف غير أن أكثرها فارسي. وقبل وفاته بسنتين أوقف رضي الله عنه كلَّ كتبه لله تعالى وكان ذلك سنة 1240 ه وكتب الوقف وتلفّظ به. جمع رسائله ابن أخيه الشيخ أسعد الصاحب في كتاب سماه "بغية الواجد في مكتوبات حضرة مولانا خالد".

من أقواله وأحواله

أثناء رحلته إلى الهند عندما وصل الشيخ خالد رضي الله عنه إلى طهران وبعض بلاد إيران، الْتقى مع الشيخ إسماعيل الكاشي المجتهد المتضلع بضبط المتون والشروح والحواشي، فجرى بينهما حوار طويل بحضور جمهور من طلبة الشيخ إسماعيل، وكان الشيخ قد قرأ في بعض تفاسير الشيعة أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] نزلت عتابا مع أبي بكر رضي الله عنه وليس المقصود فيها النبي محمَّد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال الشيخ خالد للكاشي: «ما تقول في عصمة الأنبياء عليهم السلام؟» فقال الكاشي: «كلهم معصومون». قال الشيخ: «فما تقول في قوله تعالى ﴿عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، والعفو يستلزم الذنب»، فقال الكاشي: «هذا عتاب مع أبي بكر لا مع النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم». فقال الشيخ خالد رضي الله عنه: «فإذا أخبر اللّه تعالى بأنه قد عفا عن أبي بكر، فأنتم، معاشر الشيعة، لم لا تعفون عنه؟»، فانتبه الكاشي وخجل خجلاً عظيماً أمام جمهوره.

ويقول رضي الله عنه في مدح شيخه:

لا تُنكرِ النَّفحاتِ إن هي أسرعتْ سرُّ الشيوخِ إذا سرت أنفاسُه لا يَبلغ المجذوبُ غايَة قصْدِه إلا إذا جَذَبَت مُولَّهَ قَلبِه

 

مِن مرشدٍ هادٍ  لقلبِ مريده شملت فؤادَ قريبه وبعيده إنْ هامَ في تيهِ السلوك بِبِيدِه نفحاتُ أربابِ الهُدى مِن جِيده

ومن وصاياه رضي الله عنه، يقول: «أوصيكم وآمركم بالتأكيد الأكيد، بشدة التمسك بالسنة السنية، والإعراض عن الرسوم الجاهلية، والبِدع الردية، وعدم الاغترار بالشطحات الصوفية، وترك تصحُّب العوام المسمِّين أوباشا، بالترجي لهم عند وزير أو أمير أو باشا؛ لأنه ينجر إلى اتهامكم بما يشين، وإذا تعارضت المفسدتان فارتكاب أهونهما لازم، والسعيد من اتَّعظ بغيره».

ويقول رضي الله عنه: «ولا تتداخلوا مع الملوك والأمراء والأغوات وأعوانهم، فإنكم لستم ممن له قوة إصلاح هؤلاء، ولا تغتابوهم ولا تسبُّوهم بطراً وغروراً أنهم ظلمة وأنتم صلحاء، فإنَّه عُجب وجهل، إذ ما منا أحد ليس بظالم، بل عليكم بالدعاء لوليّ الأمر وأعوانه بالتوفيق والإصلاح».

ويقول رضي الله عنه: «اعلموا أن أحبكم إليّ أقلكم اتباعاً وعلاقة بأهل الدنيا، وأخفَّكم مؤنة وأشغلكم بالفقه والحديث».

وكتب له عبد اللّه باشا والي عكا كتاباً يطلب منه الدعاء له بالذرية، فأجابه مولانا خالد برسالة مختصرة تنُمُّ عن علمه وفقهه وتعمُّقه في علم الكلام وأصول العقيدة، ويوضح فيها بأسلوبه الجميل وبيانه البديع مبالغة الناس في الاعتقاد بكرامات الأولياء إلى حدٍّ ربما يضرُّ بصحة العقيدة الإسلامية. كما تنمُّ هذه الرسالة أيضاً عن تواضعه الشديد واعترافه بالفقر والضعف والعبودية لله سبحانه وتعالى، فقال رضي الله عنه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من العبد المسكين إلى خادم الفقراء، وخيرة الوزراء، لا زال بعين العناية محروسا، وبنيل المآرب مأنوسا. آمين.

أما بعد: فقد بلغني مرسومكم الحاوي لشدة الاعتقاد، والمبالغة في الاستمداد لطلب الذرية لكم.

أمَّا الدعاء فقد صدر مني مرارا، وأما الهمة فلست من أهلها، ولئن سلم فلا تستعمل الهمة إلا بعد ظهور أنَّ المطلوب قضاء معلَّق، وإلى الآن ما تبين أن مطلوبنا كذلك، لعمى بصائرنا بسبب البدع والشبهات.

ولا يجوز اعتقاد أن القضاء المبرم يُردُّ بهِمَم الأنبياء فضلاً عن الأولياء، وكلُّ ما يُردُّ فهو مُعلق، وإن لم يظهر تعليقه في الوحي والكشف، بل لا ردَّ مطلقاً، إذِ المقضيُّ في صورة وقوع شيء وقوعه، وفي عدمه عدمه، لأنَّ معنى إبرام وقوع شيء مثلا إحكامه والقطع بوقوعه، بحيث لا يردُّهُ أحدٌ ولا يصرفه صارف، فإذا فُرض أنه يردُّهُ لزم محالات (ثلاث):

أحدها: عجز الباري تعالى حيث أبرم شيئاً ونقضه غيره.

وثانيها: الكذب في كلامه النفسي، لأنه تعالى قال في نفسه في الأزل: هذا الأمر سيقع حتما، وإلا لما كان مبرما. مع أن الغرض عدم وقوعه.

وثالثها: الجهل، لأنه تعالى تعلق علمه بأنه لا يردُّهُ شيء، ووقوع خلاف ما علمه تعالى وتقدَّسَ عما لا يليق بجنابه الأقدس، لا يجوز تعلُّق إرادة الباري تعالى بنقض ما أبرمه، إذ الإرادة لا تتعلق بالمحال الذاتي، كما تقرر في علم الكلام، وكلُّ ما يستلزم نقصاً عليه تعالى، فهو محال ذاتي.

وما يحكى عن بعض أصحاب الغوث الأعظم الكيلاني: أن اللّه تعالى ردَّ له مبرم القضاء، فغير ثابت بهذا اللفظ، وبفرض ثبوته وهو الشائع، فالوليُّ يُعذر في نطقه بغير المشروع لسُكره ومحوه، ولا يجوز تقليد غيره له لشعوره وصحوه، ولا يسقط التكليف إلا عمن سقط عنه شرعا.

وأيضا الخطأ الكشفي كالخطأ الاجتهادي يُعذر صاحبه ولا يُقلَّد فيه، ومن لم يجوِّز الخطأ على الأولياء لم يفرِّق بين النبيِّ والولي تماما.

وأيضا قد يُكتب في اللوح المحفوظ أمرٌ من غير تعليق، فيظنُّهُ بعض أهل الكشف مبرما، لعدم رؤية تعليقه له في اللوح؛ فيُخبر بإبرامه، وهو صادق بحسب الظاهر، لأنه لم يره إلا مبرماً، مع أنه معلَّقٌ في علم اللّه تعالى، فالمعلق قسمان: أحدهما معلق في العلم واللوح، والثاني معلق في العلم مبرم في اللوح، وما وقع للغوث الأعظم قدس سره الأقوم من القسم الثاني، وقد وقع لغيره من الأولياء أيضاً.

وكما يجب التحرُّز عن إنكار الأولياء، يجب التحرُّز عن الغلوِّ في الاعتقاد بهم، بحيث يؤدِّي إلى خللٍ في فرض العقيدة، وهذا كثير من المفرطين في حسن الظن بالأولياء، والشيطان ذو مكر ومكيدة.

وإذا أراد اللّه بأحد أن يأخذ حظا من فيض شيخ يظهر عليه كمال ذلك الشيخ فوق ما هو فيه، فلا ينبغي الإصغاء إلى قول إسماعيل فينا، فواللّه أنا دون ما يعتقد هو فيّ بكثير، ولا ينبئك مثل خبير. انتهى.»

ويقول رضي الله عنه في رسالته إلى العلامة الشهير، والوزير الكبير، والي بغداد داود باشا رحمه اللّه تعالى:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم سلام يفوح منه فوائح تستطاب، ودعاء ينال به الفوز والفلاح في المبدأ والمآب، وغالب الظن إن شاء اللّه تعالى بظهر الغيب مستجاب.

من العبد المسكين، والفقير المستكين، إلى حضرة الوالي، الراقي مراقي المجد والمعالي، المشهود له بالهمم العوالي، والإنعام المتوالي، النحرير العلم، صاحب السيف والقلم، أيده اللّه لحماية الأنام، ومنّ عليه بحسن البداية والختام.

أما بعد: فقد وصل مكتوبكم الصادر عن مصدر الجلالة والصدارة، الوارد من مورد الإيالة والوزارة، إلى فقير إن حضر لا يلتفت إليه بالفحص والسؤال، وإذا غاب لا يخطر من قلة خطره بالبال، مصحوب قرة العين، منظور سادة الطريق النقشبندي، أعني ولدنا الأعز صبغة اللّه أفندي، فاستحسنا هذا الصنيع الناشىء من ذلك القدر الرفيع، والمقام المنيع، مع هذا العبد الوضيع، وكيف لا تستحسن المبادأة بالتواضع من الملوك، ولا سيما بالنسبة إلى الفقير الصعلوك، ولعمري إن التفقد عن أحوال مثلي من أمثالكم لحري بالاستغراب، وحضور هذا المسكين الخامل ببالكم مع الارتداء برداء الوزارة لشيء عجاب، رفعكم اللّه بهذا التواضع وصانكم عن التكبر، ورقاكم بفضله يوما فيوما في مراقي التمكن والتصدر، فالتواضع من أرباب الملك شرف وزين، والتكبر -حفظتم عنه-سرف وشين، ثم لا يخفى على الجناب العالي أن صلاح الملوك -حلاّكم اللّه به-صلاح البرايا، وفسادهم-خلاّكم اللّه عنه-فساد جميع الرعايا، وقد ورد الأمر بتعميم الدعاء، فلا جرم أن شيمة الفقراء، الاعتناء التام بالدعاء، للوزراء الكرام، وسائر الإسلام، ولو بلا تبليغ وإعلام، فعلى مقدار صدق نيتكم، وتعلق همتكم، برعاية الأنام، وحماية الأرامل والأيتام، لكم الانتظام في سلك الدعاء العام، ونخصكم إن شاء اللّه المهيمن المنعام، بعد هذه الأيام، امتثالا لأمركم وأداء لجزاء ما لكم من الإنعام، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته في البدء والختام».

لقد اجتمع السلاطين والأمراء والعامة والعلماء على محبة مولانا خالد رضي الله عنه واتباع طريقته، كشيخ الإسلام مفتي القسطنطينية مكي زاده مصطفى عاصم أفندي، وسلطان العلماء الشيخ يحيى المزوري العمادي، والعلامة الشيخ عبد الرحمن الروزبهاني، والعلامة الشيخ عبد اللّه الجلي، والسادة الحيدرية والبرزنجية في بغداد والسليمانية، وغيرهم من علماء العراق والشام كالعلامة السيد محمد أمين عابدين في الشام، والعالم الإمام السيد محي الدين الجزائري، ونجله الأمير عبد القادر الجزائري، ويقول السيد أسعد الحيدري مفتي بغداد: «لو أمرني حضرة الشيخ أن أضع قصعة فيها لبن على رأسي، وأمشي بها في أسواق بغداد كما يفعله أداني الناس لفعلته امتثالا لأمره، لا يخفى أنه من أعظم الكرامات قدرا، وسر من أسرار الولاية الكبرى، وإلا فمعارضة علماء الرسوم لمشايخ الطريق قديما وحديثا أمر معلوم عند العموم، وبالجملة فلم تبق بلدة من بلاد الإسلام إلا ووصل إليها نفع هذا الإمام، إما بذاته أو بخلفائه الكرام، وما زال ولا يزال هذا النفع العام، باقيا على هذا الحال إلى يوم القيام».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ خالد البغدادي بالطاعون الذي حلَّ في دمشق سنة 1242 ه الموافقة لسنة 1826 م، ودفن رحمه الله في السفح الشرقي لجبل قاسيون في المنطقة التي تسمى الآن باسمه: مولانا خالد. وفي أثناء الطاعون قال له رجل: «ادعُ اللّه لي أن ينجيني منه» فدعا له، فقال: «يا سيدي! ولكم أيض»، فقال رضي الله عنه: «إني لأستحي من ربي أن لا أحبَّ لقاءه»، وقال: «ما جئنا إلى الشام إلا لأن نموت في هذه الأرض المقدَّسة، وهذه الشهادة إن تمت فهي السعادة الأبدية».

وتوفي في هذا الطاعون ولداه بهاء الدين وعبد الرحمن وكانا في الخامسة والسادسة من عمريهما، فجمع خلفاءه وأمرهم باتباع السنة والتمسك بالطريقة والاتفاق والاتحاد، وأشهدهم على وصيته، وأقام الشيخ إسماعيل الأناراني للإرشاد مقامه ومدحه بكلمات كثيرة.

وفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من ذي القعدة سنة 1242 للهجرة جمع أهله وأوصاهنَّ واستبرأ ذمته من كلِّ حقٍّ لهنَّ عليه وبقين معه حتى مضت ساعات من الليل فقام وتوضأ وصلى ركعات ثم قال: «إني طُعنت الآن فلا يدخل عليَّ أحد إلا مرة» ثم اضطجع على هيئة السنة ولم يسمع منه تأوه ولا توجع، وبقي كذلك حتى ليلة الجمعة حين سمع مؤذن المغرب يقول الله أكبر، ففتح عينيه وقال: «الله حق الله حق ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [27] ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً [28] فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [29] وَادْخُلِي جَنَّتِي [30]﴾ [البلد]» ثم توفيَّ رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، وعمره خمسون سنة إلا شهراً ونصف الشهر.

حزن عليه الناس شديد الحزن، واضطرب خلفاؤه ومريدوه، واشتد عليهم أمره بعدما حملوه ليلتئذ إلى مدرسته وذلك بمباشرة كل من الشيخ إسماعيل والشيخ محمد الناصح والشيخ عبد الفتاح والشيخ محمد الصالح تنفيذاً لوصيته. وقرؤوا له القرآن الكريم والأذكار حتى مطلع الفجر. ثم خرجت جنازته حافلة إلى جامع يلبغا وحضر الناس للصلاة عليه أفواجاً فلم يسعهم المسجد وأمهم الشيخ محمد أمين عابدين بناء على وصيته. ثم ساروا به إلى سفح قاسيون فأعيدت الصلاة عليه ودفنوه هناك حيث كان أمر أن يحفر قبره وعيّن لهم محله ومحل قبور حرمه والخلفاء، وأمر أن يحوط عليها بجدار وصهريج ماء، وقال: أظنه سيبنى هنا تكية للفقراء. وأشهد أنه منذ سنتين وقف كل كتاب يخصه، ثم حرر الوقفية على ظهر القاموس.

كان من جملة وصيته رضي الله عنه ألا يبكي أحد عليه ولا يعدد شمائله، وأنه محتاج إلى صدقة وقراءة الفاتحة وسورة الإخلاص، وأوصى أنه من أحب أن يذبح ويقدم لروحه أضحية فليفعل، وأن تقضى عنه جميع صلواته من بلوغه إلى يوم وفاته، وألا يبنى على ضريحه ولا يكتب إلا "هذا قبر الغريب خالد".

أنشد العلامة السيد الشيخ محمد أمين عابدين قصيدة في تأبينه قال في مطلعها:

أيُّ ركن من  الشريـعة مالا مُذْ رُزئْنا بأوحدِ العصـر واجتهاداً وطاعةً وصفاءً هو بحرُ العلوم شرقاً وغرباً فإذا عنَّ مُشكل كلَّ عنه مُذ تجلى سناه فينا أرانا وسقى أهل عـصره كأس قرب هو قطب عليه دارت رحى العِر هو شيخ السلوك من نال هديا

 

فرأيناه قد أمال  الجبالا عِلماً وبهاءً وبهجةً وكمالا وسخاءً وعفَّةً ونوالا ويميناً وقِبلةً وشمالا كلُّ شهمٍ يحلُّ عنه الشكالا كلَّ بدرٍ وقتَ الكمال هلالا وحساهم منه الرحيقَ الزُّلالا فانِ وهو الفريد قالاً وحالا مِن سناه فقد تزكى فعالا

وكتب الشيخ إسماعيل أفندي الغزي رسالة «حصول الأنس بانتقال حضرة مولانا إلى حظيرة القدس» قال فيها مؤرخاً تاريخ وفاة مولانا خالد بطريقة حساب الجمل:

رزء ألم بذي  النهى ومصيبة روح الورى نادت لفقد دوائه

 

عمت بموت الحبر  محيي السنة أرخ طبيبي خالد في الجنة

خلَّف مولانا خالد رحمه الله أربعة أبناء وبنت، وهم بهاء الدين، وعبد الرحمن، وشهاب الدين، وقد توفوا قبل والدهم، وأما نجم الدين فكان جنيناً عندما توفي والده ثم توفي بعد والده سنة 1270 ه ودفن بجانبه، وأما كريمته السيدة فاطمة فكانت آية باهرة في الذكاء، حفظت القرآن وتفقهت وتعلمت الكتابة والشعر والإنشاء، واشتغلت بالطريقة النقشبندية فانتفع بها الكثير من النساء.

وخلَّف مولانا خالد رضي الله عنه الكثير من الخلفاء الذين انتشروا في شتى البلدانن ومنهم الشيخ محمد البغدادي، الشيخ عبد اللّه الهكاري، والشيخ عبد الرحمن العقري، والشيخ عبد الفتاح ‌العقري، والشيخ ملا مصطفى الكلعنبري، والشيخ عبد اللّه الجلي، والشيخ ملا عباكس الكوكي، والشيخ عبد القادر البرزنجي، والشيخ هداية اللّه الأربيلي، والشيخ إسماعيل البرزنجي، والشيخ ملا أبوبك البغدادي، والشيخ طاهر العقري، والشيخ معروف التكريتي، والشيخ أحمد القسطموني، والشيخ محمد بن سليمان، والشيخ محمد عاشق، والشيخ موسى الجبوري، والشيخ عبد الغفور الكركوكي، والشيخ أحمد الأربيلي‌الخطيب، والشيخ عثمان طويلة، والشيخ عبد اللّه الأرزنجاني، والشيخ خالد الكردي المدني، والشيخ إسماعيل الشيرواني، والشيخ أحمد الأغربوزي، والشيخ أحمد البرزنجي السركلوي، والشيخ عبيد اللّه ‌الحيدري، والشيخ عبد الغفور المشاهدي، والشيخ محمد الجديد البغدادي، والشيخ عبد القادر الديملاني، والشيخ عبد القادر الديملاني، والشيخ حسن‌القوزاني الخطاط، والشيخ محمد المجذوب العمادي، والشيخ خالد الجزيري، والشيخ طه ‌الهكاري، والشيخ إسماعيل البصري، والشيخ محمد الفراقي، والشيخ ملا خالد الكردي، والشيخ عبد اللّه الفردي، والشيخ إسماعيل الأناراني، والشيخ عبد اللّه الهروي.[153]

قدَّس الله أسرارهم.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ: أَعِذْنِي مِنَ الضَّلاَلِ وَالإِجْرَامِ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!