36- الشيخ عيسى الكردي

36- الشيخ عيسى الكردي

هو الشيخ أبو شمس الدين عيسى بن طلحة بن عمر بن عاشور بن حسن الكردي، الدياربكري، الدمشقي، الفقيه الشافعي، درس في دياربكر، وسافر إلى الحجاز للحجّ، ومرّ بمصر فلقي شيخ الأزهر إبراهيم الباجوري (توفي سنة 1859 م) وغيره من العلماء، فأخذ عنهم ورجع إلى بلاده فتتلمذ على الشيخ قاسم الهادي في علوم وفنون عديدة.

كان الشيخ عيسى طويل القامة، واسع العينين كثَّ اللحية، حادَّ الذهن، حاضر الجواب، قوي الحافظة، شديد المهابة، كريم الخلق، متواضعاً، كثير البكاء، دائم المراقبة، رحيماً بأهله ومريديه، زاهداً منكراً على مخالفي الشرع، وقافاً عند حدوده، ملازماً للسنن الشريفة في كل أمور حياته، ويأمر أتباعه بها، وكان له قدم راسخة في الفقه الشافعي، يستظهر معظم مسائله، كثير المطالعة، متبحراً في علم التوحيد والتصوف، ومان يقيم كل يوم جمعة مجلساً لقراءة الختم يجتمع عليه أكثر من خمسة آلاف شخص.

مولده وحياته

ولد الشيخ عيسى الكردي سنة 1247 ه، الموافقة 1831 م، في قرية "ترحم" في دياربكر من شمال سورية، ولما بلغ العاشرة من العمر رحل في طلب العلم إلى نواحي دياربكر، ثم سافر إلى الحجاز، وزار مصر واجتمع بعلمائها من أمثال الشيخ إبراهيم بن محمد الباجوري، شيخ الأزهر (توفي 1276 ه)، ونزل دمشق ومكث في قبة الشيخ خالد النقشبندي، ثم رجع إلى بلاده فأخذ العلم عن بعض المشايخ، ومن أشهرهم الشيخ قاسم الهادي الذي أجازه في اثني عشر علماً، وأخذ الطريق عن الشيخ حسن النوراني واختلى عنده، ولما مات خلفه مدرساً في مدرسته في بلدة آقتبه سنة 1283 ه، وذلك بناءً على رغبة الشيخ قاسم. وفي سنة 1284 ه أجازه الشيخ عبد الله البيداري في الإرشاد، لكنّه فيما بعد لحق بالشيخ قاسم وأتمَّ السلوك عنده وأجازه أيضاً. وفي سنة 1288 ه انتقل إلى بلاد بشيري من نواحي الأكراد مرشداً صوفياً، وبعد انتهاء الحرب العثمانية الروسية سنة 1294 ه، رحل بأهله مهاجراً إلى بلاد الشام ومنها إلى مكة حاجاً سنة 1295 ه، ثم عاد إلى دمشق واستقرَّ فيها، وصاحب علمائها من أهل الطبقة العالية كالشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي (توفي 1306 ه) والشيخ أحمد مسلَّم الكُزبري (توفي 1299 ه) والشيخ محمود بن محمد نسيب حمزة الحمزاوي (توفي ١٣٠٠ ه) والشيخ سليم بن ياسين بن حامد العطار (توفي ١٣٠٧ ه) والأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري (توفي 1300 ه) والشيخ بكر ي بن حامد العقار (توفي ١٣٢٠ ه) والشيخ سليم بن خليل المسوتي (توفي ١٣٢٤ ه).

كان الشيخ عيسى راسخ القدم في الفقه الشافعي، مستحضرا لمعظم مسائله، مطّلعا في نفس الوقت على فقه سائر المذاهب لا سيّما الفقه الحنفي، وقد تفرَّغ للتزكية وقاد نهضة إصلاحية من خلال خدمته للطريقة النقشبندية، وتكاثر مريدوه حتى بلغوا الآلاف، وكانوا يتوافدون عليه من نواحي دمشق وأريافها، وقد برع منهم الكثير مثل الشيخ عطا الكسم (1260ه/1844م-1357ه/1938م) الذي أصبح مفتياً عاماً للجمهورية السورية، والشيخ محمد أبو الخير الميداني (1875ه/1291م-1961ه/1380م) الذي أصبح رئيساً لرابطة العلماء، وقد زوّجه الشيخ عيسى ابنته فاطمة الملقبة بعين الحياة، والشيخ إبراهيم الغلاييني (1300ه/1882م-1378ه/1958م) الذي قاد نهضة إصلاحية كبيرة في ريف دمشق والبقاع اللبناني، والشيخ محمد أمين كفتارو (1294ه/1877م-1357ه/1938م) الذي أسس حركة الدعوة في جامع أبو النور كما سنتحدّث عنه بعد قليل، والشيخ أمين الكردي الأيوبي الزملكاني (1270ه/1853م-1346ه/1927م) الذي تولى مشيخة الطريقة النقشبندية من بعد الشيخ عيسى، والشيخ أحمد بهاء الدين الحسني شقيق العلامة الشيخ بدر الدين الحسني شيخ الشام ومحدِّثها، والشيخ صادق الشمعة، والشيخ مصطفى الحلو، والشيخ صالح كفتارو، والشيخ بكري الحمصي الحافظ، والشيخ سليم نطفجي، والشيخ محمد حسن الكردي، وهو ابن الشيخ عيسى، والشيخ عبد الله الكزبري، والشيخ محمد النحَّاس، والشيخ أحمد عبد الحفيظ، والشيخ طالب المسطول، والشيخ عبد الرحمن بن يونس الجزماتي، والشيخ إبراهيم سلامة.

إجازاته

كانت أول إجازة للشيخ عيسى الكردي من الشيخ عبد الله البيداري الخالدي النقشبندي سنة 1284 ه لإرشاد المسلمين وتعليمهم أحكام الدين القويم وآداب الطريقة العلية النقشبندية. وله أيضاً عدة إجازات في الطريقة النقشبندية عن طريق مولانا خالد وغيره، ففي سنة 1288 ه أجازه الشيخ قاسم الهادي الذي أخذ الإجازة من الشيخ حسن الآقتبي، المعروف بالنوراني، الذي أخذ الإجازة من الشيخ صالح السيبكي الذي أخذ الإجازة من الشيخ خالد الجزيري الذي أخذ الإجازة من الشيخ إبراهيم الذي أخذ الإجازة من مولانا خالد بإجازته المشهورة. وللشيخ خالد الجزيري إجازة مباشرة أيضاً من مولانا خالد كما رأينا أعلاه.

وللشيخ عيسى إجازة أيضاً من الشيخ الشاعر الملا محمد الفرسافي، الملقب بالحزين، الذي أخذ الإجازة من الشيخ عثمان الطويلي[172] الذي أخذ الإجازة من مولانا خالد البغدادي، وهذه أعلى إجازات إلى مولانا خالد رضي الله عنه. وله إجازة أيضاً من الشيخ محمد الفرسافي بإجازته عن الشيخ صالح السيبكي بإجازته المذكورة أعلاه.

وأجازه أيضاً السيد سعيد (بن صالح) النهري عن عمه عبيد الله النهري[173] عن عمه السيد صالح الجيلاني الحكاري عن أخيه السيد طه الجيلاني[174] الحكاري (أو الهكاري)[175] عن مولانا خالد البغدادي. بحاجة لتحقيق ؟؟؟

فهذه إجازاته في الطريقة النقشبندية عن طريق مولانا خالد، وله أيضاً إجازة من فضل القدير عن فضل القدوس عن الفضل شاه أحمد عن شاه محمد علي محمد بارسا[176] عن الشيخ بهاء الدين محمد شاه نقشبند.

من أقواله وأحواله

كان الشيخ عيسى كثير الاستغفار، وكان كثيراً ما يدعو بدعاء النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». وكان يقول إذا بلغه أنَّ أحداً أظهر له العداوة: «سلَّمته إلى الله». وكان وعظه مؤثراً يكثر فيه الشوق والبكاء، وكان يقتصر في وعظه على آية أو حديث، وكان يحب شعر سلطان العشقين ابن الفارض. وكان رضي الله عنه يحب أن يباكر المعدة بالطعام، ويقول إنَّ لقمة الصباح مسمار البدن، وكان يحب العسل والتمر والحليب.

وكان يقول: «عليك بالمحبة والصدق والمواظبة، واتباع الشريعة المطهرة، والدوام على ذكر الله في القلب من غير فتور في كلِّ الأحوال. كان يقول إن المقصود من الذكر هو تذكُّر المذكور، وبدون ذلك لا فائدة بذكر اللسان والقلب».

وينقل الشيخ أبو الخير الميداني عن الشيخ محمد النحاس، وهو من تلاميذ الشيخ عيسى، يقول: «سمعت أن الشيخ يريد السفر إلى بيروت ومعه الشيخ محمد أمين الزملكاني، فصار عندي هيام للذهاب، فرأيت في تلك الليلة الشيخ في المنام فقال لي: أتريد الذهاب معنا إلى بيروت؟ فقلت: نعم يا سيدي، فقال: تعال غداً إلى التكية. فانتبهت مسروراً وتوجهت إلى التكية، فقال لي: نحن ذاهبون إلى بيروت أتحب أن ترافقنا؟ فقلت نعم، والله هذا الكلام وجدته في نومي. وسألني الشيخ: هل عندك نفقة إلى عيالك؟ وليس عندي شيء، فقلت له: ييسر الله. وذهبت إلى سوق النحاس، فوجدت رسالة جاءتني من مصر وفيها ليرتين ذهب إنكليزي، فحمدت الله وقلت: هذه سريرة الشيخ».

وينقل عنه الشيخ محمد أمين الزملكاني أنه كان يقول: «لا تغتروا بالكشف والأنوار فإنَّ العبرة بالاتباع والاستقامة على الشريعة». ويقول: «لا تغتروا بكثرة المريدين وكثرة الشهرة فإنَّ الشهرة آفة إلى من عصم الله». ويقول: «خافوا أن يشار إليكم بالأصابع، وعليكم بالتواضع، فإنَّ من تواضع لله رفعه، ولا ترغبوا بالجلوس في صدر المجلس». ويقول: «كلما كانت أحوال المريد مستورة فهو أحسن له، خصوصاً في هذا الزمان لأنّه قلَّ فيه من يفهم هذه الأحوال أو يصدِّقه». ويقول: «اجعل نفسك كالتراب حتى يطأك الخلق فتصير تراباً تعلو على الرؤوس».

وينقل سماحة الشيخ أحمد كفتارو أنَّه سمع شيخه ووالده الشيخ محمد أمين كفتارو يقول: «دخلت على شيخنا الشيخ عيسى الكردي رحمه الله ورضي عنه فوجدته يبكي، فجلست انتظر التفاتته إلي. فلما سكن ما كان فيه سألته عن سبب بكائه؟ فقال: "أبكي على أنني ما عرفت ضعف إيماني حتى اليوم". فقلت له: يا مولانا نحن ما عرفنا حقيقة الإيمان إلا بصحبتك؟ فقال لي: "هو ما سمعت"، فقلت له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: "تصدقت اليوم بصدقة فلم أبرح من مكاني حتى ردَّها الله عليَّ عشرة أضعاف". ثم غلبه البكاء فبكى. فقلت له: ثم ماذا؟ فقال: "يا ولدي وهل بعد هذا ضعف في الإيمان؟ لو علم الله فيَّ قوة الإيمان ما عجّل لي الثواب بهذه الصورة».

وكذلك ينقل سماحة الشيخ أحمد في درسه بتاريخ 22/5/1980، قال: «كان عمي الشيخ صالح قد بدأ سلوكه على الشيخ عيسى الكردي، وأتم سلوكه على الشيخ أمين الزملكاني، فكان مرة يعبر سوق الحميدية فرأى فرّاءً وبيده فروة نادرة، فاشتهاها أن تكون لشيخه، فسأل الفرَّاء عن ثمنها فقال بعشر ليرات ذهب، وكانت العشر ليرات في ذلك الوقت تكفي للزواج على أتمِّ وجه. ولم يكن يملك غير ثلاث عشرة ليرة، فاشتراها وبقي معه ثلاث ليرات. وحملها إلى الشيخ أمين الزملكاني. فقال له: "ما هذا يا ولدي؟" فقال: "سيدي، فروة رأيتها في السوق فاشتهيتها لك". فلبسها الشيخ فأعجبته وقال له: "ولكنَّ الفروة لا تلبس بلا وجه قماش". فذهب الشيخ صالح من فوره إلى السوق واشترى قماشاً للفروة، ودفع ثمنه ثلاث ليرات ذهبية، وعاد، لا يملك لا أحمر ولا أبيض. قال: فكان يحكي لنا أنه لما عاد إلى (ببيلا) وكان خطيباً فيها، لم يستقرَّ به المجلس حتى دخل عليه أحد إخوانه وكان من وجهاء البلدة، واسمه (عطا الضبع) فقبَّل يده ووضع صرَّةً بين يديه، وقال: "هذا كل ما أملك"، وكان في الصرة ألف ليرة عثمانية. فقال له الشيخ صالح: "وما الذي تريد أن تصنع به؟" فقال: "هو هدية لك، تجعله حيث شئت"، فأبى الشيخ صالح أخذها، وأصرَّ صاحبنا على ذلك. ولم يزالا يتراجعان حتى انتهوا إلى أن أخذ الشيخ صالح منها مائة ليرة وأعاد إليه الباقي».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ عيسى الكردي النقشبندي في دمشق يوم الأربعاء في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة 1331 ه، الموافقة 1912 م، وهي نفس السنة التي ولد فيها شيخنا سماحة الشيخ أحمد كفتارو، ودفن رحمه الله في المقبرة المجاورة لضريح مولانا خالد النقشبندي.

كان في حين مرضه يقول: سبحان الله إني لا أتهنى بأكل ولا شرب، وحتى أتألم من جلوسي ومشيي، ومع ذلك أودُّ الحياة. وفي مرض موته قال: ادعوا الله أن يرافقني بالإيمان، وكان في أول مرضه هذا كثير الاضطراب ثم رأى بعض الأشياء فسكن اضطرابه، فعلم تلاميذه أنه موته متحقق عنده، وقبيل موته بساعات شاع خبر وفاته فتسارع الناس إلى الصالحية فلما عرفوا أنّه حيٌّ رجع أكثرهم وأخبروا من كان في الطريق، وبقي بعضهم وفيهم كبار خلفائه، ومات رحمه الله في مساء ذلك اليوم.

خلّف رحمه الله سبعة أولاد أربعة ذكور هم: محمد صالح وعبد الله شم الدين، ومحمد علي، ومحمد حسن، وثلاث بنات هنّ: آسية وحنيفة، وفاطمة. وألف رسالة في جواز تعدد الجمعة وعدم إعادة الظهر بعدها، وفي انعقادها بأقل من أربعين، وطبق ذلك على نفسه. وقد كتب عنه الشيخ محمد أبو الخير الميداني (توفي 1961 م) رسالة قصيرة لا تزال مخطوطة في المكتبة الأجرية بدمشق.

كتب عنه تلميذه وصهره الشيخ أبو الخير محمد الميداني رسالة في سيرته، وهي محفوظة في المكتبة الآجرية في دمشق، وقد أرسل لنا شيخنا فضيلة الشيخ رمضان ديب نسخة عنها، وهي رسالة شريفة سرد فيها الشيخ أبو الخير الميداني سيرة الشيخ عيسى وأحواله وأقواله وذكر بعض تلاميذه وشيوخه وإجازاته.

قدَّس الله سرَّه العزيز.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





وإن هذه الخواطر تأتي إلى الإنسان في صلاته وفي ذكره وفي كل عباداته؛ لتشغله عنها وتعكِّر صفوه فيها، وبالتالي فإن الذاكر في مجاهدة دائمة تقوده إن صدق فيها إلى حقيقة الصفاء بإذن الله عزَّ وجلَّ.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!