3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية
اعلم أيدك‏ اللَّه بروح منه‏ أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد. فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب. ولكن إذا أطلقاه وقالا به، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم يَرَ غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحقَّ والرسلَ صلوات اللَّه عليهم وهو لا يشعر، ويتخيل أنه في الحاصل وهو من الفائت‏ . وهو كمن آمن ببعض وكَفَرَ ببعض، ولا سيم وقد علم أنَّ أَلْسِنَةَ الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع‏ ذلك اللسان. فإن للحق في كل خلق ظهوراً : فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته: وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبِّر للصورة . فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره وباطنه، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد ، وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط به ولا تعلم حدود كل صورة منهألا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته‏ . فلذلك‏ يُجْهَل حدُّ الحق، فإنه لا يُعْلَم حدُّه إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله: فحد الحق محال.
وكذلك من شبّهه وما نزَّهه فقد قيَّده وحدده وما عرَفه. ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرَفه مجملًألا على التفصيل كما عرَف نفسه مجملًألا على التفصيل. ولذلك ربط النبي صلى اللَّه عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه عرف‏ ربه». وقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» وهو ما خرج عنك‏ «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» وهو عينك، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي للناظر «أَنَّهُ الْحَقُّ» من حيث إنك صورته وهو روحك. فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك. والحدُّ يشمل الظاهر والباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنساناً، ولكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينه وبين صورة من خشب وحجارة.
ولا ينطلق‏ عليها اسم الإنسان‏ إلا بالمجاز لا بالحقيقة. وصور العالم لا يمكن‏ زوال الحق عنها أصلًا. فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حياً. وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحه ونفسه والمدبرِ لها، كذلك جعل اللَّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقة تسبيحهم لأنألا نحيط بما في العالم من الصور. فالكل ألسِنَةُ الحق ناطقة بالثناء على الحق. ولذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»* أي إليه يرجع عواقب الثناء، فهو المثني‏ والمثْنَى عليه:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً
وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً
وكنت إماماً في المعارف سيداً
فمن قال بالإشفاع كان مشركاً
ومن قال بالإفراد كان موحداً
فإياك والتشبيه إن كنت ثانياً
وإياك والتنزيه إن كنت مفرداً
فما أنت هو: بل أنت هو وتراه في‏
عين الأمور مسرَّح ومقيداً
قال اللَّه تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فَشبَّه. وقال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه وثنى، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فنزَّه وأفرد.
لو أن نوحاً عليه السلام‏ جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهاراً ثم دعاهم إسراراً، ثم قال لهم: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً». وقال: «دَعَوْتُ‏ قَوْمِي لَيْلً ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً». وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى‏ الفرقان وإن كان فيه‏ . فإن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن. ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. «ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» يجمع‏ الأمرين في أمر واحد. فلو أن نوحاً يأتي بمثل هذه الآية لفظاً أجابوه، فإنه شبَّهَ ونزَّهَ في آية واحدة، بل في نصف آية. ونوح دعا قومه‏ «لَيْلًا» من حيث‏ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي‏  عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب. «وَ نَهاراً» دعاهم أيضاً من حيث ظاهر صورهم وحِسِّهم، وما جمع في الدعوة مثل‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً. ثم قال عن نفسه إنه‏ دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه صلى اللَّه عليه وسلم. لذلك‏ «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. ففي‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إثبات المثل ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى اللَّه عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى اللَّه عليه وسلم قوَمه ليلً ونهاراً، بل دعاهم ليلًا في نهار ونهاراً في ليل. فقال نوح في حكمته لقومه: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ» أي بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا انقسم الناس إلى غير عالِم وعالِم.
«وَ وَلَدُهُ» وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر. «إِلَّا خَساراً، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم: وهو في المحمديِّين‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»، وفي نوح‏ «أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» فأثبت المُلْكَ لهم والوكالة للَّه فيهم. فهم مستخلفون فيه‏ .
فالملك للَّه وهو وكيلهم، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف. وبهذا كان الحق تعالى‏ مالك‏ الملك كما قال الترمذي رحمه اللَّه. «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً»، لأن الدعوة إلى اللَّه تعالى مكر بالمدعوِّ لأنه ما عَدِمَ من البداية فيدعي إلى الغاية. «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» فهذا عين المكر، «عَلى‏ بَصِيرَةٍ» فنبَّه أن الأمر له كله، فأجابوه‏ مكراً كما دعاهم . فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى اللَّه ما هي من حيث هويته و إنما هي من حيث أسماؤه فقال: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسمٍ إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين. فقالوا في مكرهم: «وَ قالُوألا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّ ولا سُواع ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً»، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه مَنْ يعرفه ويجهله من يجهله. في المحمديين: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوألا إِيَّاهُ» أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير اللَّه في كل معبود. فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره. ولهذا قال‏ : «قُلْ سَمُّوهُمْ»، فلو سموهم لسموهم حجارة وشجر وكوكباً. ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون اللَّه ولا الإله. والأعلى ما تخيل‏ ، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» والأعلى العالم يقول:
«فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا» حيث ظهر «وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» الذين خبَتْ نار طبيعتهم، فقالوا إله ولم يقولوا طبيعة، «وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب. «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ» لأنفسهم. «الْمُصْطَفَيْنَ‏ » الذين أورثوا الكتاب، أول الثلاثة. فقدمه على المقتصد والسابق‏ . «إِلَّا ضَلالًا» إلا حيرة المحمدي. «زدني فيك تحيراً»، «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا». فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالبٌ ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله مِنْ وإلى وما بينهما. وصاحب الحركة الدورية لا بدءَ له فيلزمَه «مِنْ» ولا غاية فتحكُمَ عليه «إلى»، فله الوجود الأتمُّ وهو المؤتى جوامع الكلم والحِكَم.
«مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، وهو الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. «وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ»: سَجَرْت التنور إذا أوقدته. «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» فكان اللَّه عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد. فلو أخرجهم إلى السِّيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل للَّه وباللَّه بل هو اللَّه. «قالَ نُوحٌ رَبِّ» ما قال إلهي، فإن الرب له الثبوت والإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم في شأن. فأراد بالرب ثبوت التلوين إذ لا يصح إلا هو. «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ» يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها. المحمدي «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه»، «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ»*. وإذا دفنت فيها فأنت فيه وهي ظرفك: «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏» لاختلاف الوجوه. «مِنَ الْكافِرِينَ» الذين‏ «اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ‏ و جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏» طلباً للستر لأنه‏ «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ»  «دعاهم ليغفر لهم» والغفر الستر. «ديَّاراً» أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة. «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ» أي تدعهم وتتركهم‏ «يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب. «وَ لا يَلِدُوا» أي ما ينتجون ولا يظهرون‏ «إِلَّا فاجِراً» أي مظهراً ما ستر، «كَفَّاراً» أي ساتراً ما ظهر بعد ظهوره. فيظهرون ما سُتِرَ، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره‏ ، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد. «رَبِّ اغْفِرْ لِي» أي استرني واستر من أجلي فيجهل قدري ومقامي كما جهل قدرك في قولك: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»*.
«وَ لِوالِدَيَّ»: من كنت نتيجة عنهم وهما العقل والطبيعة. «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ» أي قلبي. «مُؤْمِناً» مصدقاً بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية وهو ما حدَّثت به أنفسهَا. «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» من العقول‏ «وَ الْمُؤْمِناتِ» من النفوس.
«وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ»: من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية.
«إِلَّا تَباراً» أي هلاكاً، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم‏ وجه الحق دونهم.
في المحمديين. «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» والتبار الهلاك. ومن أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالرقيِّ في فلك نوح‏ ، وهو في التنزلات الموصلية لن واللَّه يقول الحق‏ .
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





رؤية الخلق وكل ما سوى الله بعين النقص في جناب الله لا يعوَّل عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!