|
[ يعني أن من علامات تعويل العامل على عمله أن ينقص رجاؤه في رحمة الله عند وجود زلل. ومفهومه رجحان الرجاء عند التحلي بالعمل والتخلي عن الزلل، وهذه الحكمة إنما تناسب العارفين الذين يشاهدون أن الأعمال كلها من رب العالمين، لملاحظتهم قوله سبحانه في كتابه المكنون: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (96) الصافات، فلا يعظم رجاؤهم بالأعمال الصالحة حيث إنهم لا يشاهدون لأنفسهم عملاً، ولا ينقص أملهم في رحمة الله إذا قصروا في الطاعة أو اكتسبوا زللا، لأنهم غرقى في بحار الرضا بالأقدار، متمسكون بحبل قضاء { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ }(68)القصص، فإن الرضا بالقضاء واجب من حيث إرادته له، ومذموم من حيث الكسب، ما انفكت الجهة. وقد قال المصنف في بعض قصائده:
ولا يَمْنَعْهُ ذنبٌ من رَجَاءٍ فإنَّ الله غَفارُ الذُّنوب
وأما السالكون فإنما يناسبهم الفرح بصالح العمل، وتقديم الخوف المستلزم لنقصان الرجاء عند وجود الزلل، على حد قول الإمام الدردير:
وغَلِّبِ الخوفَ على الرجاءِ وسِرْ لمولاك بلا تناءِ
لا سيما في هذه الأزمنة التي رقت فيها الديانة، وكثرت الجراءة على المعاصي، وقلَّتْ فيه الأمانة. فإن الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سبباً لرفع الدرجات بدار القرار، والأعمال الطالحة موجبة للدرك الأسفل من النار، قال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) } الليل، وإنما بدأ المصنف بما يناسب مقام العارفين، وإن كان مقتضى الترقي البداءة بمقام السالكين من الحث على حسن المتاب، والتمسك بالأسباب الموصلة إلى الكريم التواب، ليكون السالك حسن البداية التي بها تشرق النهاية.
فمقصوده بهذه الحكمة تنشيط السالك المجد في الأعمال، ورفع همته عن الاعتماد عليها، واعتماده على محض فضل ذي العزة والجلال. كما أشار لذلك ابن الفارض بقوله: تمسَّكْ بأذيالِ الهوى واخلَعِ الحَيا... وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جَلُّوا فإنه لم يُرِدْ الأمرَ بترك العبادة، لأنه كان من أعظم العُبَّاد، بل أراد عدم التعويل عليها، والاعتماد على فضل الكريم الجواد. وفي الحديث:
" لن يُدْخِلَ أحداً عملُهُ الجنة " قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته ".
وقد جُمع بين هذا الحديث و آية: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل (32) بأن العمل لا يكون معتبراً إلا إذا كان مقبولاً، وقبوله بمحض الفضل، فصح أن دخول الجنة بمحض فضل الله، وأن العمل سبب ظاهري متوقَّف عليه. والله تعالى يوفقنا لما فيه رضاه. ]
|