محي الدين ابن العربي المكتبة المنتديات المقالات الإنشاد القرآن الكريم
  الصفحة الأولى الصفحة الأولى     Arabic Forums home page صفحة المنتديات باللغة العربي المنتديات العربية     English Forums home page صفحة المنتديات باللغة الإنكليزية English Forums     دفتر الزوَّار دفتر الزوَّار  
تسجيل   دخول  
أهلاً بكم. . . آخر الإضافات في المنتديات: التفسير الإشاري الصوفي   ::   الحقيقة المحمدية عند ابن العربى   ::   الإنسان الفرد عند الشيخ الأكبر   ::   الفرد ـ إهداء لفريد   ::   تعريف الولاية في التراث الصوفي   ::   زغاريد الأمطار بغيث الأنوار   ::   لي بالحمى قوم عرفت بصبهم   ::   من مؤلفات الشيخ الاكبر قدس الله سره للتحم   ::   مصباح الاتس كل الشرح   ::   مثنوي مولانا الرومي   ::   في الحج وأسراره ـ مختصر   ::   صور لساحة الشاذلي ــ حميثرا   ::   هل الدين الا الحب   ::   ياسين التهامي ..إنشاد البوح والشجن   ::   منتدى جديد عن الشيخ ياسين التهامي   ::   الشيخ الأكبر والأشاعرة
القائمة

دروس فضيلة الشيخ رمضان ديب


إعلانات غوغل

كتب ابن العربي من أمازون

المفكرة
Previous Month    December 2008    Next Month
S M T W T F S
  1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
     

المفكرة الكاملة
   كتاب: ابن عربي ليس بشيعي:

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 1/
ابن عربي
ليس بشيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 2/
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى1424هـ. ـ 2003م.
المركز الإسلامي للدراسات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 3/
ابن عربي
ليس بشيعي
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 4/
بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 5/


تقديم:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين، إلى قيام يوم الدين.
وبعد..
فإن الذي دعانا إلى تأليف هذا الكتاب هو أنه قد وردتنا أسئلة عديدة عن حقيقة ما يقال عن تشيُّع محيي الدين ابن عربي، صاحب كتاب: «الفتوحات المكية» وكتاب «فصوص الحكم» وكتاب «الوصايا» وغير ذلك.
وقد أجبنا عن بعض تلك الأسئلة بإيجاز واقتضاب، يظهر رغبتنا في تجنب الدخول في التفاصيل، التي قد تكون مملة، أو غير ضرورية..
ثم هي تظهر إيثارنا صرف وقتنا وجهدنا فيما هو أهم، ونفعه أعم..
غير أن إحساسنا بأن ثمة من تأثر بشائعة تشيُّع هذا الرجل، وأن ثمة استسلاماً ولو بصورة جزئية ومحدودة أمام بعض أفكاره التي يقرؤونها في كتبه، أو تلقى إليهم عنه، مع كون تلك الأفكار لا تنسجم مع مذهب أهل البيت عليهم السلام ومبانيه الحقة، لا من قريب ولا من بعيد..
إن إحساسنا هذا قد ساهم في تبلور شعور بضرورة أن نقوم بوضع حد لهذه الشائعة، وذلك بالرجوع إلى بعض أقاويل هذا الرجل، ووضعها أمام هؤلاء الناس الطيبين، ليروا بأم أعينهم حقيقة ما يعتقده هذا الرجل، وما يتبناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 6/
من مناهج واعتقادات، وما يظهر عليه من لمحات وسمات..
مع تأكيدنا على أن ما نورده في هذه الدراسة الموجزة، ما هو إلا غيض من فيض، مما يجده المتتبع لكلماته في سائر كتبه ومؤلفاته..
فإلى ما يلي من فصول، ونتوكل على خير مأمول ومسؤول..
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)
1 جمادى الثانية 1424 للهجرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 7/
تمهيد:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله..
وبعد..
فإنه قد كان، ولا يزال، ثمة أناس يتظاهرون بالزهد، والإعراض عن الدنيا، ويدّعون لأنفسهم كرامات، بل ومعجزات، ويتفننون في إطلاق كلمات تعبر عن نظرتهم إلى الدنيا وزهدهم بها.
وهي كلمات تعتمد في الأكثر على تنميق العبارات، والتصرف في الكلمات وتركيباتها، واشتقاقاتها، فتأتي بعض عباراتهم طريفة، وبديعة، ورنانة، في أحيان كثيرة، كما أنها قد تكون على درجة من السقوط والابتذال أحياناً أخرى، ولكن بعض العلماء تلقفوا كلماتهم تلك، وأخذوها بجدية وسلامة نية، وحاولوا أن يضعوها في سياق صحيح ومقبول..
وقد أثمرت جهود أساطين العلم في بلورة علم شريف متكامل، له أصوله، وفروعه، وضوابطه، وهو ما يعرف اليوم بعلم العرفان، الذي كان لجهابذة العلم الإيرانيين القدح المعلى، وقصب السبق في إنجازه، ورسم معالمه، وتحديد وضبط قواعده..
وكان ابن عربي هو أحد أركان الصوفية الذين كتبوا في التصوف والمتصوفة الشيء الكثير، وقد اشتملت كتاباته أحياناً على لمحات راقية في مضامينها إلى درجة تثير الإعجاب، ولكنه يتضاءل ويسفل في كتاباته أحياناً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 8/
أخرى، ويخبط خبط عشواء، يصل إلى حد الابتذال.. إلى حد أنك تشعر: أنه مجرد رجل أمي، لم يمارس علماً، ولم يطلع على شيء من المعارف..
ولكن بعضاً نادراً من علمائنا الأبرار رضوان الله عليهم، قد أحسنوا به ظنونهم، واعتبروا تلك اللمحات الراقية، هي المعيار لكل ما صدر عنه، فسعوا بجدية وصدق، إلى رفع مستوى ما تسافل من أفكاره، وكلماته، وتمحلوا لها ضروباً من التأويل ـ وغضوا النظر عن كل السقطات، والهفوات، ترفعاً منهم، وسمواً، وشرفاً، ونبلاً.. مع ثباتهم على أصولهم المتينة، والتزامهم بمبادئهم القويمة..
أما جمهور علمائنا وفقهائنا، فإنهم قد أهملوا أمره، حين أخذوا عليه أموراً كثيرة تنافي أصول أو ضروريات الإسلام أحياناً، وأصول وضروريات التشيع أحياناً أخرى..
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، أي عند إهمال هؤلاء، واعتناء أولئك، إذ قد كان ثمة أناس ممن قصر باعهم، وقل اطلاعهم، قد تخيلوا أن كل كلام صدر عن ابن عربي، يمثل خط التشيع، ويصب في الاتجاه الصحيح، وهو طريق الوصول إلى الله.
وحيث إن هؤلاء ليس لديهم القدرة على تمييز الحق من الباطل، والصحيح من السقيم، فقد مست الحاجة إلى توضيح الحقيقة فيما يرتبط بدعوى تشيُّع ابن عربي، ليكون الناس على بينة من أمرهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة..
غير أننا قبل أن ندخل في التفاصيل نشير إلى أن محيي الدين ابن عربي المالكي المذهب، الصوفي الاتجاه، قد ألف كتباً عديدة، أشهرها كتاب «فصوص الحكم»، الذي ألفه بدمشق، وكتاب «الفتوحات المكية» الذي ألفه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 9/
بمكة قبل ذلك..
وقد أودع في كتابيه هذين، وفي غيرهما فنوناً من الكلام الذي أعجب كثيرين من أهل التصوف من أهل السنة، واجتذب عدداً من العرفاء والمتصوفة من الشيعة الإمامية أيضاً..
وقد وجد بعض علماء العرفان من الشيعة، بعض اللمحات، التي هي شديدة الندرة في كلامه، دعتهم للاعتقاد بتشيُّع هذا الرجل.. رغم أن في مقابلها ما لا يكاد يحصر من دلائل التزامه بمذهب أهل السنة، بل وتعمقه فيه، وتعصبه له إلى أبعد الحدود..
مع أن تلك اللمحات التي وجدوها.. ليست فقط قابلة للتأويل، بل هي لا تحتاج إلى تأويل، من حيث إنها لا تخرج عن قواعد والتزامات أهل السنة أيضاً، كما أن عدداً منها، لا بد أن يعدَّ من الأدلة القاطعة على تسننه الشديد أيضاً..
غير أن حسن الظن، وطهر الروح لدى بعض هؤلاء الأخيار، قد دعاهم إلى التماس العذر لهذا الرجل، حتى فيما لا يعذر فيه أحد..
ثم إنهم قد ذكروا: أنه قد ذهب إلى تشيُّع ابن عربي: كل من المحدث النيسابوري، وابن فهد الحلي، والقاضي نور الله التستري، والشيخ البهائي، والفيض الكاشاني، والمجلسي الأول..([1]).
وأضاف بعضهم: السيد صالح الموسوي الخلخالي..
ولا نريد التحقيق في صحة نسبة هذا الرأي إلى هؤلاء العلماء، رغم أن للكلام فيه مجالاً،([2]) بل نحن ندخل في نفس الموضوع الذي نسب إليهم مباشرة، ونعلنها صريحة وواضحة من الآن: أننا لا نوافقهم على هذا الرأي المنسوب إليهم، بل نقول:
إن هذا الرجل سُنيٌ متعصب، ومهتم بتشييد مباني مذهبه، وإثارة الشبهات حول صحة التشيُّع، ويسعى جاهداً لزعزعة مبانيه، وتشويه معالمه، كما سيتضح من هذه الدراسة، فإلى ما يلي من صفحات..
والحمد لله، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى محمد وآله..
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)
12 شهر جمادى الأولى 1424 هـ
المدخل
سؤال.. وجواب
لقد وردتنا أسئلة عديدة عن تشيع محيي الدين ابن عربي، كان آخرها السؤال التالي:
السؤال:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
السيد المحقق / جعفر مرتضى العاملي... دامت بركاتك.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
كثيراً ما أقرأ في كتبنا عن الشيخ «محيي الدين ابن العربي» صاحب «الفتوحات المكية» وغيره من التآليف في العرفان النظري وغيره..
ولا يخفى ما للرجل من دور في تشييد هـذا العلم، وإليه ـ كمـا هو ملحوظ ـ يرجع أغلب العرفاء، إن لم يكن كلهم..
وقد قرأت للسيد الخميني رحمه الله تعالى في بعض كتبه، ربما في «جنود العقل والجهل» أو في تعليقه على «فصوص الحكم» وغيره من كتبه، يصفه بـ «الشيخ الكبير»..
وجاء في كتاب «الروح المجرد»:
«أنه لا يكون العارف عارفاً حتى يكون اثنا عشرياً»..
ولكني أجده ـ أي ابن عربي ـ في الفتوحات حين يصف الوضوء يصفه كما هو وضوء السنة، وأيضاً حين التحدث عن حديث المعراج، وفي عدة موارد، مما ينم عن كونه ليس من الشيعة..
فهل نحمل هذا على سبيل التقية منه أم ماذا؟
أرجو أن تكون الإجابة مدعمة بالمصادر إن أمكن..
الجواب:
 بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد..
بالنسبة لسؤالكم نقول:
أولاً: إن وصف السيد الخميني قدس الله نفسه الزكية لابن عربي بالشيخ الكبير، إنما هو في سياق إطلاق اللقب العلمي عليه، إذ إن أي إنسان يكون له درجة من التقدم في علم من العلوم، كالطب، والرياضيات، والفلك، والنحو، والفلسفة، وما إلى ذلك، فإن العلماء يطلقون عليه ألقاباً تناسب موقعه العلمي، ويمدحونه على ما استطاع تحصيله من ذلك العلم، فيقولون لمن برع في الطب: إنه طبيب حاذق، وعالم علامة في الطب، بغض النظر عن انتمائه المذهبي، ـ أو التزامه الديني، أو سلوكه الاجتماعي، أو غير ذلك..
وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله، كسرى: بعظيم الفرس ووصف قيصر بعظيم الروم..
وربما تكون الألقاب أكبر من الحقيقة، أي أنها تطلق على الأشخاص على سبيل المبالغة، بدافع التزلف، أو الحب الصادق، أو الانبهار بالشخص أو غير ذلك..
وبذلك يتضح: أن اطلاق العلماء الأتقياء للألقاب العلمية على انسان، حتى لو كان لايستحقها، لا يعني: أنه صحيح العقيدة، أو ملتزم بأحكام الشرع والدين، فضلاً عن أن يكون تقياً وورعاً..
كما أن ذلك لا يعني الموافقة على نحلته الدينية، والتزام واصفه بعقائده وآرائه.
وقد رثى الشريف الرضي أبا إسحاق الصابي، المخالف له في الدين، بقصيدته التي أولها:
أعلمت من حملوا على الأعــواد أرأيـت كيـف خبـا ضياء النادي
جبل هوى لو خر في البحر اغتدى    مـن وقعه مـتـتـابـع الإزبـاد
ثانياً: إن آية الله العظمى السيد الخميني رحمه الله، قد كان بعيد النظر، سديد الرأي، وحين أرسل إلى غورباتشوف، رئيس ما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي رسالة أشار فيها إلى ابن عربي..
فإن الظاهر: أنه رحمه الله قد لاحظ أن تلك المجتمعات كانت ولا تزال غارقة في الحياة المادية، حتى أصبحت المادة: عينها التي بها تبصر، وأذنها التي بها تسمع، وقلبها الذي ينبض، وهيمنت على فكرها وعقلها، الذي يدبر أمورها، ويهديها طريقها، وفي أجوائها نشأت عواطفها وأحاسيسها التي بها تعيش وتتعامل..
فأراد رضوان الله تعالى عليه، أن يوجه إلى الفكر المادي الذي هو مصدر اعتزاز تلك المجتمعات، والمرتكز لبناء الحياة فيها، صدمة في موقع ضعفه الحقيقي، لكي يضع أولئك الناس وجهاً لوجه مع ما يعانونه من فراغ روحي قاتل، لا بد أن ينتهي بهم لو استمر إلى الهاوية..
وقد كانت ولا تزال، تعيش في ما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي عشرات الملايين من المسلمين المسحوقين، الذين ينتمون في أصولهم الدينية إلى طرق صوفية، تركت لها آثاراً في حياتهم، ولم تزل تراودهم ذكرياتها التي أصبحت شريدة وبعيدة..
فأطلق رحمه الله اسم «ابن عربي» الذي لمع في علم بعينه ـ ربما ـ ليثير في مسلمي تلك البلاد ـ وهم كثر ـ بعض الحنين إلى الإسلام، وإلى روحياته، وليواجه المتسلطين على الأمور، بحقيقة أن عليهم أن يفكروا بما هم بأمس الحاجة إلى أقل القليل منه، ليعالجوا به ظاهرة الفراغ الروحي الذي هو أساس بلائهم وشقائهم.
وبذلك يكون رحمه الله قد وضعهم وجهاً لوجه، ومن أقرب طريق، أمام الحقيقة التي طالما غفلوا عنها، أو تهربوا من مواجهتها، أو أغراهم عنفوانهم، ودفعهم استكبارهم إلى محاربتها..
إنه رحمه الله، حين أطلق بعض الأسماء اللامعة في مجال العرفان، والتصوف السني، إنما أراد أن يواجههم في عمق وجدانهم، وإحساسهم الفطري، وفي النقطة الأضعف، والأشد تأثيراً، ويكون بذلك قد سدد ضربته القوية للفكر المادي في عمق، وفي صميم وجوده..
ولم يكن يريد أن يوجههم إلى اعتقادات «ابن عربي» ليأخذوها منه، ولا إلى مذهبه الفقهي، ليلتزموا به.. فإن السيد الخميني رحمه الله كان يعرف أن ابن عربي لم يكن في هذا وذاك، لا في العير، ولا في النفير، بين علماء الفقه والعقيدة..
بل إن أساتذة ابن عربي لا يحلمون ـ وإن كانوا يدعون لأنفسهم ما ليس لهم بحق ـ حتى بأن تذكر أسماؤهم في عداد تلامذة أساطين العلم في الشريعة والدين، وعمالقة الفكر في مجال العقيدة، من أهل المذهب الحق، فضلاً عن أن يعدُّوا من أقرانهم..
وعلى كل حال، فإن آية الله الخميني قد اقتدى بجده سيد الشهداء، حين دعا محاربيه، وهم أولئك المجرمون الأجلاف، إلى الرجوع عن غيهم، وذكَّرهم بشيم العرب، في محاولة منه لاستنهاض هممهم، وإثارة نخوتهم، فقال لهم:
«ويحكم يا آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم، إن كنتم عرباً»([3]).
ثالثاً: لقد أظهرت سيرة ابن عربي: أنه لا يلتزم جانب الحق والصواب في العقيدة الصحيحة، ولا يلتزم ـ فيما يخبر عنه ـ بأحكام الشرع، وبمقتضيات الورع والتقوى، كما سنرى..
وأما أخذ بعض العلماء منه بعض ما سجله في دائرة علم التصوف والعرفان، وحتى دراسة بعضهم لكتبه، ومراجعة أقواله، فهو مثل أخذهم علم النحو من ابن مالك، والمبرد، وسيبويه، ومثل أخذهم علم الطب من اساطين هذا العلم في الشرق وفي الغرب..
على أنه قد ورد عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام، قولهم:
«إن الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحق بها وأهلها..»([4]).
وفي نص آخر: «إن الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتى تخرج، فتسكن في صدر المؤمن» وبمعنى هذا الحديث غيره..([5]).
ونحن حين نستند إلى هذا الحديث أو غيره في هذا الأمر، فإنما نريد استفادة معناه العام، لبيان أن العلوم تؤخذ من كل أحد، ولسنا بصدد الحكم على ابن عربي بمضمون الرواية من جميع الجهات.
في أجواء ابن عربي:
وبعد، فإننا لكي نتمكن من أن نكون في موقع الإنصاف والأمانة والموضوعية، ومن إعطاء إجابة دقيقة حول ما يقال من تشيُّع ابن عربي، فإن البحث يفرض علينا الإقتراب، بل الدخول إلى أجواء هذا الرجل، لنقوم بدراسة مباشرة لأفكاره، ولنعرف من خلال الشواهد والمفردات والدلائل حقيقة ما يعتقده، وما يدعو إليه.
وذلك يستدعي جهات من البحث والبيان، في ضمن أقسام، تتضمن عدة فصول:
فالقسم الأول، بعنوان: أهل البيت والتشيع.. دفاعات واستدلالات..
والقسم الثاني، بعنوان: جنون العظمة..
والقسم الثالث، بعنوان: ابن عربي.. سني متعصب..
القسم الأول
أهل البيت.. والتشيُّع
دفاعات.. واستدلالات:
وهو يشتمل على فصول:
الفصل الأول: تشيُّع ابن عربي: دليل ونقد..
الفصل الثاني: من هم أهل البيت, وحقيقة عصمتهم..
الفصل الثالث: ما يذم به الشيعة..
الفصل الرابع: هكذا يدافعون عن ابن عربي..
الفصل الأول
تشيُّع ابن عربي.. دليل ونقد..
من هو الشيعي:
قال الشيخ المفيد: «التشيع في أصل اللغة هو الإتِّباع على وجه التدين، والولاء للمتبوع على الإخلاص، قال الله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}([6]).
ففرق بينهما في الإسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام»..
إلى أن قال:
«.. فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف، فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين صلوات الله عليه، على سبيل الولاء والاعتقاد بإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله، بلا فصل. ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء..» ([7]).
أي أن الحكم بالتشيع يحتاج إلى توفر أمرين، لا مجال للحكم على شخص بالتشيع إذا فقد أي منهما:
أحدهما: أن يكون من أتباع الإمام علي عليه السلام على سبيل الولاء، والاعتقاد بإمامته بعد الرسول بلا فصل..
الثاني: نفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة.
وهذا الركن الثاني هو الركن الأهم، إذ إن الولاية الحقيقية لا تتحقق إلا به، فإن إظهار المحبة، والولاء أمر شائع، وهو خفيف المؤونة، يبادر الناس لإظهاره لأدنى مناسبة، حتى من يعتقد بإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام، أما رفض ولاية من استأثروا لأنفسهم بالخلافة، فهو الأصعب، والأشد. وهو الذي يميز الشيعي حقيقة عن غيره..
فهل كان ابن عربي مستجمعاً لهذين الركنين؟! ليمكن الحكم بتشيعه بالمعنى العام؟
أم أنه فاقد لهما أو لأحدهما؟! لكي لا يحكم عليه بذلك..
ونقصد بالمعنى العام، ما يشمل الإمامية والجارودية من الزيدية، والإسماعيلية أيضاً..
وأما التشيع بمعناه الأخص، وهو كونه إمامياً اثنا عشرياً، فله سمات، وعلامات، وخصوصيات أخرى أيضاً، لا بد من التأكد من توافرها في أي شخص ليحكم بكونه شيعياً إمامياً..
وعلى كل حال، فإن بيان حال ابن عربي، والتأكد من صحة نسبة التشيع إليه، هو ما سيتضح في الفصول التالية..
بداية وتوطئة:
إن الذين قالوا عن ابن عربي: إنه شيعي يكتم تشيعه، قد استدلوا على مدَّعاهم هذا بعدة أمور، رأوا أنها مفيدة في إثباته، ونحن نوردها، وفقاً لما يستفاد من كلماتهم، ونسجل ملاحظاتنا عليها في ضمن المطالب التالية:
استدلوا بما يلي:
1ـ الاجتهاد ومقلدة العلماء..
2ـ أسعد الناس به أهل الكوفة..
3ـ الخليفة الموعود..
نقلوا عن محيي الدين بن عربي عبارة، ذكروا أنها تدل على تشيعه، وصحة عقيدته، من عدة وجوه، وهذه العبارة هي التالية:
«إن لله خليفة يخرج من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، من ولد فاطمة عليها السلام، يواطئ اسمه اسم رسول الله، جده الحسين بن علي عليه السلام، يبايع بين الركن والمقام. يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله في الخلق ـ بفتح الخاء ـ وينزل عنه في الخلق ـ بضم الخاء. أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً. يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، ويرفع المذاهب عن الأرض، فلا يبقى إلا الدين الخالص.
أعداؤه مُقلِّدة العلماء، أهل الاجتهاد، ولِما يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه، خوفاً من سيفه.
يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم. يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهودٍ وكشفٍ بتعريفٍ إلهي.
له رجال إلهيون، يقيمون دعوته وينصرونه. ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله. ولكن الله يُظهره بالسيف والكرم، فيطمعون، ويخافون، ويقبلون حكمه من غير إيمان، ويضمرون خلافه، ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على ضلالٍ في ذلك.
لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع، وما بقي مجتهد في العالم، وأن الله لا يُوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد.
وأما من يدعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال»..([8]). انتهى..
حيث استدلوا على صحة عقيدته بالفقرات التالية:
أولاً: استدلوا بقوله: «إن لله خليفة يخرج.. الخ»، إذ إن أهل السنة مع اعتقادهم بظهور المهدي الموعود، إلا أنهم يقولون: إنه سيولد. أما الاعتقاد بحياة ووجود الإمام المهدي فهو من مختصات الإمامية من الشيعة.
ثانياً: استدلوا بقوله: «وأسعد الناس به أهل الكوفة»، حيث إن هذه العقيدة من مختصات الشيعة الإمامية أيضاً، فإنهم يقولون: إنه عليه السلام يخرج من مكة، ثم يقدم الكوفة، ويرسل الجيوش منها إلى سائر البلاد.
ثالثاً: قالوا: إن التشنيعات الواردة في هذه الفقرة على مقلدة المجتهدين، تدل على أنه يشنع على أهل السنة، لأنهم هم الذين يقولون: إن الاجتهاد وزمانه قد انقطع..
ونقول:
إن جميع ما ذكروه لا يصلح للإستدلال به على صحة عقيدة ابن عربي، وذلك لما يلي:
أولاً: إن هناك جماعات من أهل السنة قد ألفوا كتباً في أحوال الأئمة الاثني عشر، مثل ابن الصباغ المالكي، والشبلنجي الشافعي، والشبراوي الشافعي، والفضل بن رزوبهان، وابن حجر الهيتمي، والقندوزي الحنفي.. وغيرهم كثير، فهل يمكن عد هؤلاء من الشيعة أيضاً؟!
ثانياً: إنه لم يصرح بأن هذا الخليفة لله (وهو المهدي)، الذي يتحدث عنه: على قيد الحياة أو لا، بل ذكر أن لله خليفة، ولم يزد على ذلك..
فلماذا يتبرع المستدل بإضافة أنه «على قيد الحياة»..
ثالثاً: ما معنى قوله: يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً..
فهل يقصد: أن هذا هو تمام عمره الشريف؟ أم يقصد أنه يعيش بصفته حاكماً هذا المقدار من السنين؟ ولكن العبارة خانته، ولم يصلحها.. فإذا كان يقصد الشق الثاني، وأن العبارة قد خانته، فنقول:
لماذا لم يصلحها له كشفه، خصوصاً وأنه يدعي ـ كما سيأتي ـ أنه قد كتب الفتوحات منقاداً فيه إلى الجبر الإلهي، وكانت مضامينه تملى على سبيل الإلهام، فيلقي إليه ما يشاء، ويمسك ما يشاء. كما سنشير إليه في فصل: مادح نفسه..
فكيف يخطئ هذا الإلهام الإلهي؟ ولماذا لم يلتفت هو إلى هذا الخطأ، فيراجع فيه ربه ليأذن له بإصلاحه؟ أو يصلحه هو بنفسه؟ أو يعتذر عن إصلاحه بعدم الإذن له فيه؟!
رابعاً: إن ذهاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى الكوفة بعد ظهوره، وإرسال جيوشه إلى سائر البلاد، ليس من اعتقادات الشيعة، وإنما هو مجرد رواية وردت في كتبهم، كسائر الروايات.
كما أنها قد وردت في كتب أهل السنة أيضاً..([9]).
فلماذا لا ينسبه إليهم من أجل ذلك؟!!. أو فليحكم بتشيع جميع أهل السنة، لأنهم قد رووا هذه الرواية في كتبهم!!..
خامساً: بالنسبة لمهاجمته للقائلين بانقطاع الاجتهاد، نقول:
أ ـ إن ذلك لا يدل على تشيعه، حتى لو تفرد هو بهذا النقد لهم.. لأن فتح باب الاجتهاد وسدِّه، لا ينافي شيئاً من عقائد الشيعة، فلا يدل مثلاً على أحقية من غصب الخلافة..
ب ـ إنه ليس هو الوحيد من علماء أهل السنة الذي أعلن بنقد هذا الموضوع، ورفضه جملة وتفصيلاً..
فقد ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله: أن هناك من كان يدعو إلى فتح باب الاجتهاد، ويعترض على سده منذ القرون التي أعلن فيها انسداد بابه حتى يومنا هذا، أمثال:
أبي الفتح الشهرستاني المتوفى سنة 548 هـ .
وأبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790 هـ .
والسيوطي المتوفى سنة 911 هـ .
وقد ألف السيوطي رسالة سماها: «الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» وقدم لهذا الرسالة بقوله:
«إن الناس قد غلب عليهم الجهل، وعمهم، وأعماهم حب العناد، وأصمهم. فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدوه منكراً بين العباد. ولم يشعر هؤلاء الجهلة: أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان، أن يقوم به طائفة في كل قطر»([10]).
وقال الشوكاني: «ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة».
هذا بالإضافة إلى غير هؤلاء من العلماء الكبار، الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، ويقفون أمام غلقه.
وقد استمر هذا الصمود أمام غلق باب الاجتهاد إلى القرون المتأخرة، حيث اعترض على هذا الاغلاق أيضاً أمثال:
جمال الدين الأفغاني.
والشيخ محمد عبده.
ومحمد رشيد رضا ([11]).
والسيد سابق([12]).
وغيرهم..
سادساً: بالنسبة لما ذكره عن خليفة الله نقول: إنه حتى لو كان يقصد به الإمام المهدي عليه السلام، وأنه حي فعلاً، وأنه ابن الإمام العسكري عليه السلام..
فإن ذلك لا يدل أيضاً على تشيعه، وذلك لأن الحديث القائل: إنه يكون بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر خليفة، أو أميراً، أو إماماً، كلهم من قريش، قد أحرج أهل السنة بدرجة كبيرة، حيث إنه مروي في أصح الكتب والمسانيد، وعلى رأسها كتب الصحاح عندهم، مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، ومسند أحمد بن حنبل، وغير ذلك كثير، بل ذكر في ينابيع المودة: أنه مروي عن بضعة وعشرين صحابياً..
وقد حير هذا الحديث علماء أهل السنة، وشرّقوا وغرّبوا في بيان المراد منه، فجاء أمثال ابن الصباغ المالكي، والشبلنجي الشافعي، والكنجي الشافعي، والقندوزي الحنفي، والشبرواي الشافعي، وابن روزبهان، والهيتمي و.. و.. وتكفلوا بحل الإشكال بطريقة تحفظ لهم تسننهم العميق، وعصبيتهم للخلفاء، وتدفع عنهم غائلة إلزام الشيعة لهم، فقالوا:
نحن نقبل بتطبيق الحديث المذكور على الاثني عشر إماماً الذين يقول بهم الشيعة، والذين أولهم علي عليه السلام، وآخرهم المهدي عجل الله تعالى فرجه، ولكننا نفسر خلافتهم، وإمارتهم، وإمامتهم، بما يتناسب مع حفظ سائر الخصوصيات الاعتقادية لأهل السنة، خصوصاً بالنسبة لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من الحاكمين.. فنقول:
إن المراد بالخلافة هو الخلافة في التقوى، والصلاح، والكرامات، تماماً كما يعتقد أهل التصوف في أولياء الصوفية.. أو حتى أدنى من ذلك بمراتب..
أما الإمامة بمعناها الصحيح الذي يقول به الشيعة الإمامية، تبعاً لأئمتهم الطاهرين، وكذلك الإمامة بمعنى الحاكمية، فهي لأبي بكر، وعمر، وعثمان، و..و.. بل إن لهؤلاء مقام العصمة، وأعظم مراتب الكرامة عند الله، حتى إنه سيأتي أن أبا بكر يكون على العرش على يمين الله، وغير ذلك..
وماذا على أهل السنة لو قالوا لأنفسهم، إذا تم لهم ذلك: لا ضير علينا بعد اليوم، من تجويز كل فضيلة في حق أبي بكر، وعمر، وليتوسع الناس، وليترخصوا في هذا الأمر ما شاؤا، فقد حلت مشكلة ذلك الحديث المحرج، وقد أسكتنا الشيعة باعترافنا بصلاح أئمتهم، وباعطائهم درجة أولياء الصوفية، وتمكنا بذلك من حفظ كل خصوصياتنا الاعتقادية، وحفظ التسنن بمعناه الدقيق والعميق..
وابن عربي كما يظهر من كلماته الكثيرة جداً هو من هذا الفريق العريق في التسنن، الذين هم في الحقيقة، الأصلب في التسنن والأصعب.. والأبعد عن إمكانية اقناعهم بالحق..
إن نفس الباب الذي ذكر فيه ابن عربي تلك الفقرات، قد اشتمل على أمور تخالف عقيدة الشيعة، وأحاديثهم، مثل أن عيسى ينزل من السماء بالمنارة البيضاء بشرق دمشق، وأن المهدي هو الذي يصلي خلف عيسى..([13]) وغير ذلك..
4ـ لا يعمل بالقياس:
واستدلوا على تشيع ابن عربي، بأنه لا يعمل بالقياس، ولا يقول به..([14]) وغير الشيعة هم الذين يعملون بالقياس.
ونقول:
إن ذلك لا يدل على تشيعه أيضاً، وذلك للأمور التالية:
أولاً: إن الشافعي، وآخرين من أئمة أهل السنة أيضاً، لا يعملون بالقياس، ولا يقولون به، فهل صار الشافعي شيعياً، فضلاً عن غيره؟!
ثانياً: لنفترض: أن ابن عربي كان وحده الذي وافق الشيعة في رفض العمل بالقياس، فإن هذا لا يجعله في جملة «الشيعة»؟! فإن للتشيع عقائده، وأسسه، وأركانه.. وعلى رأسها رفض صحة خلافة أحد سوى أمير المؤمنين عليه السلام، واعتبار التعدي على السيدة الزهراء عليها السلام أمراً يوجب غضب الله ورسوله، ويَحْرِم فاعله من أي مقام. فضلاً عن أن يتصدى لمقام الخلافة والإمامة؟!
ولم يكن ابن عربي ممن يرى ذلك في شأن من تعدى على السيدة الزهراء عليه السلام، واغتصب مقام الخلافة، كما ستظهره النصوص التي أوردناها في هذه الدراسة الموجزة إن شاء الله تعالى..
ثالثاً: إنهم ينسبون إلى ابن الجنيد الإسكافي، أنه كان يعمل بالقياس في الفقه أيضاً([15])، فلو صح هذا الأمر عنه، فهل يجعله في جملة أهل السنة، ويخرجه عن مذهب التشيع؟!..
هذا إن لم نقل: إن القياس الذي عمل به ابن الجنيد، هو قياس الأولوية القطعية، الداخل في باب الظهورات، والذي من أمثلته قوله تعالى: {لاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}([16]) الدالة علىحرمة ضربهما..
ولعله قد اشتبه عليه الأمر أحياناً فتخيل ما هو ظني ـ بحسب الفهم النوعي ـ قطعياً، حين حصل له القطع الشخصي به.
أو نقول: كما احتمله بعضهم: إنه كان يستعمل القياس في مناقضاته مع أهل السنة ليلزمهم بما يلزمون به أنفسهم([17]).
هذا وقد نسب العمل بالقياس، إلى الحسن بن علي ابن أبي عقيل أيضاً([18]).
فلعله بقي متأثراً بهم بهذا المقدار، ولعل الأمر بالنسبة إليه هو نفس ما قدمناه بالنسبة للإسكافي.
وروي القول بالقياس عن الفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمان، وجماعة([19]).
رابعاً: قد أظهرت كلمات ابن عربي: أنه لا يرضى بالاعتراض على من يعمل بالقياس، ويعتبر العامل به عاملاً بشرع الله أيضاً.. وليس هذا هو رأي الشيعة في هذه المسألة..
وستأتي طائفة من عباراته الصريحة في ذلك في فصل: سمات ومناهج..
خامساً: إن ابن عربي حين استدل على ضرورة استبعاد القياس، قد وجه ما قد يدخل في عداد الإهانات لرسول الله صلى الله عليه وآله، حيث قال:
«بل عاتبه سبحانه، لما حرم على نفسه باليمين في قصة عائشة وحفصة، بقوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}([20])..
وكان هذا مما أرته نفسه، فلو كان هذا الدين بالرأي، لكان رأي النبي أولى من رأي من ليس بمعصوم..».
فإن كلامه هذا يتضمن تخطئة رسول الله صلى الله عليه وآله، واعتبار ما يفعله النبي صلى الله عليه وآله رأياً له، وليس بدلالة إلهية.. مع أن هذه الآية التي هي في صورة عتاب إلهي، إنما جاءت لتسجل غاية الثناء والمدح، والتكريم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أراد الله تعالى من خلالها أن يجعل الرسول لنا أسوة وقدوة في نفس فعله هذا..
إنه تعالى يقول: إن هاتين المرأتين اللتين تواجهان رسول الله صلى الله عليه وآله، بأعظم الأذى، قد تظاهرتا عليه صلى الله عليه وآله، إلى الحد الذي أوجب التدخل الإلهي، لفضح أمر المتظاهرتين، وإعلان: أن {اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}([21]).
والمتظاهرتان هما اللتان أفشتا سره، وتفننتا في الإضافة على هذا السر، والزيادة فيه، حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وآله بعضه، وأعرض عن بعض..
واللافت هو: أنه صلى الله عليه وآله، إنما يلقى هذه المعاملة من امرأة، وممن هي زوجته، التي له حق القوامة عليها، وهو نبيها، وأولى بها من نفسها..
هذا النبي ـ برغم ذلك كله ـ يعاملها أحسن معاملة، ويكون موقفه منها ليس مجرد الصفح والعفو، بل يصل إلى حد أنه صلى الله عليه وآله يَحْرِم نفسه مما هو حلال له، لتبقى نفس تلك الزوجة المؤذية له، مرتاحة، ومسرورة، وإنما كان سرورها في محروميته وعذابه..
فالله تعالى يريد أن يظهر لنا هذا الخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فيقول له على مسمع منا:
«لماذا أنت حليم وكريم، وسموح ونبيل، إلى هذا الحد»؟!
فهل من يكون حليماً، وكريماً، وصاحب نبل، وخلق رفيع، يكون قد ارتكب ذنباً بذلك؟!
وهل يصح أن يعّد هذا النوع من الكلام معه لوماً له، وانتقاصاً لشأنه، وإنقاصاً من قدره ومقامه؟!..
حاشا وكلا!!..
بل هو غاية التكريم له، والثناء عليه، وهو إعلان بمقامه السامي، وتنويه عظيم به، وإظهار لمآثره الجليلة، لنجد نحن فيه الأسوة الحسنة الفضلى، والقدوة المثلى..
ولكن ابن عربي أراد أن يفسر كلام الله، بما يناقض المقصود الحقيقي، بل لقد وصل الأمر به إلى حد أن ينسب النقص والخلاف لرسول الله صلى الله عليه وآله!!
5ـ شعره في الوصية:
واستدلوا على تشيع هذا الرجل بأشعاره التي يذكر فيها الوصية، وهي:
وصّى الإله، ووصت رسله فـلـذا كـان التأسي بهم من أفضل العمل
لولا الوصية كان الخلق في عمـه وبـالـوصية دام الملك في الـدول
فاعمد إليها ولا تهمل طريـقتهــا إن الـوصية حكـم الله في الأزل([22])
حيث قالوا: إن هذه الأبيات قد تضمنت تلويحاً بحسن طويته، وصفاء عقيدته.
ونقول:
أولاً: إنه إن كان يتحدث عن وصي الرسول صلى الله عليه وآله، فإنه لم يعين من هو هذا الوصي، فهل هو أبو بكر؟! أم هو علي؟! أم شخص ثالث سواهما؟!
ثانياً: سلمنا أن المراد به الإمام علي عليه السلام، بقرينة أنه قد صرح بذلك في بعض مؤلفاته، حيث قال: «فلا الحق رضيها لنبيه، ولا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، رضيها لابنته ووصيه»([23])..
فإننا نقول:
ولكن ليت شعري، ما هو مقصوده من كونه وصيا؟!، فإن ظاهر كلامه، بل صريحه، يتحدث في هذا المورد، عن أصل الوصية، التي هي مطلوبة للشارع من كل أحد، ولذلك قال مخاطباً سامعه وقارئه: «فاعمد إليها ولا تهمل طريقتها»..
فإنه لا يريد أن يقول: إن على كل مسلم أن يوصي بالخلافة من بعده.
وأما بالنسبة لوصف الإمام علي عليه السلام بالوصي في بعض مؤلفاته الأخرى، فإننا نقول:
إنه ليس ثمة ما يثبت: أنه يقصد أيضاً الوصية في أمر الإمامة، أو الخلافة.
ولذلك تجد أهل السنة لا ينكرون، بل هم يصرحون بكون علي عليه السلام هو الوصي لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنهم يصححون خلافة أبي بكر وعمر أيضاً، باعتبار أن الوصاية لعلي ـ عندهم ـ إنما هي في الأمور المتعلقة بشخص النبي، كالديون، والودائع، وبعض ما يرتبط بالتعامل مع أبنائه، أو مع غيرهم، وما إلى ذلك..
ثالثاً: إنه هو نفسه يصرح بأنه لم يكن بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أبي بكر رجل! ألا يدل ذلك على أنه يرى أبا بكر في المقام الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟!.
يضاف إلى ذلك: ما سوف نورده في هذه الدراسة، من نصوص فإنها تكفي لإظهار حقيقة اعتقاده في أبي بكر وعمر، وعائشة، وسائر المناوئين للإمام علي عليه السلام. الأمر الذي لا ينسجم مع اعتقاده بالوصاية لعلي في تولي أمور الناس بعده صلى الله عليه وآله، إلا إذا كان يرى الجمع بين الأضداد.
رابعاً: إنه يصرح أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحداً بعده، فراجع..([24]).
إلا أن يدعى أن مقصوده هو الخلافة الصوفية، ولكنه تأويل تحكمي تعسفي، يخالفه ظاهر كلامه..
والغريب في الأمر، أنهم يلجأون إلى كلام مبهم ومجمل، ويرون أن فيه تلويحاً أو دلالة على حسن طويته، ويتركون تصريحاته التي لا بد من عدها في ضد ذلك.. مع أنها لا مجال لتأويلها!!
إن هذا لشيء عجاب؟!..
6ـ حديث المنزلة:
وقالوا: «لقد أومأ بدقة إلى حديث المنزلة، تحت عنوان «فص هاروني» من كتاب الفصوص، والعبارة هي قوله:
«فص حكمة إمامية في كلمة هارونية».
حيث دلت عبارته هذه ـ بزعمهم ـ على أمرين:
أحدهما: أن ظاهر الكلمة يوهم: أن حكمة الطائفة الإمامية في الكلمة الهارونية، وهي حديث المنزلة، ولفظ أخلفني.
ثانيهما: إنه أورد في عبارته المقام الهاروني صريحاً بلفظ «الإمامة»، ولم يبال بمخالفة علماء أهل السنة، وإنكارهم الخلافة الهارونية..»([25]).
ونقول:
أولاً: إن هذا الإستدلال غريب أيضاً.. فإنه لم يورد في ذلك الفصل أي شيئ يشير إلى هذه التفاصيل التي ذكروها سوى هذا العنوان الآنف الذكر، فهو لم يشر إلى الإمام علي عليه السلام، ولا إلى حجة الوداع، ولا إلى حديث المنزلة، ولا لغير ذلك، مما يدل على أمر الإمامة، لا من قريب ولا من بعيد..
ثانياً: إن كلمة الإمامة تستعمل عند أهل السنة في معنى الخلافة أيضاً.. وأهل السنة ينكرون خلافة هارون لأخيه موسى، وصيرورته بذلك إماماً لقومه بعده.. بحجة أن النبي هارون عليه السلام، قد مات قبل النبي موسى عليه السلام، فلا معنى لأن يكون خليفة له من بعده..
ونقول لهم: إن المراد من حديث المنزلة هو إثبات المنزلة التي كانت لهارون النبي من النبي موسى عليهما السلام ـ إثباتها لأمير المؤمنين عليه السلام، فإذا ثبتت بقيت.
ويكون للإمام علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله منزلة هارون من موسى ما دام الإمام علي عليه السلام حياً، حتى بعد وفاته صلى الله عليه وآله.. وليس المراد التشبيه بموسى وهارون من جميع الجهات، حتى في الحياة والممات، وحتى في مواجهة هارون لعبادة العجل الذي صنعه السامري لبني إسرائيل.. وما إلى ذلك..
ثالثاً: إنه إذا جاز أن يكون لهذا التلويح المدعى أي أثر في معرفة حقيقة اعتقاد ابن عربي، فلماذا لا يكون لتلك التصريحات التي وردت في هذه الدراسة، وهي تعد بالعشرات، بل بالمئات، دلالة على ضد ذلك؟!..
خصوصاً مع تصريحه بعدم استخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله لأحد من بعده، وغير ذلك مما سيأتي..
7ـ مودة ذوي القربى:
قد نسبوا إلى هذا الرجل قوله:
رأيت ولائـي آل طــه وســيلة على رغم أهل البعد يورثنــي القربى
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى بتبليغه إلا الـمودة فـي الـقـربـى([26])
وقد اعتبروا ذلك من دلائل تشيعه..
ونقول:
أولاً: إن هذين البيتين لا يدلان على أكثر من إظهار الحب والولاء لأهل البيت عليهم السلام، ولا يدلان على الاعتقاد بإمامتهم.
وقد مدح الشافعي أهل البيت عليهم السلام، والشافعي ليس من الشيعة قطعاً.. ومدحهم أيضاً وغالى فيهم ابن أبي الحديد المعتزلي، وهو ما فتئ يبذل جهده في نقض عقائد الشيعة، حتى إنه ليتشبث بما هو أوهى من بيت العنكبوت، فهل صار المعتزلي شيعياً، وكذلك كل من أظهر الولاء والحب لأهل البيت صلوات الله عليهم؟!..
ثم إن من المعلوم: أن إظهار الحب لهم عليهم السلام واجب على كل مسلم، بنص آية المودة وغيرها، فمن لا يواليهم لا يكون مسلماً بإجماع الأمة، لأنه يكون صريح المعاندة للقرآن الكريم..
ثانياً: لو كان هذان البيتان يدلان على التشيع بمعناه الاعتقادي والفقهي لدخلت في التشيع أمم عظيمة من الناس من أهل السنة الذين مدحوا أهل البيت عليهم السلام، مع أن منهم من هو من أشد الناس على شيعة أهل البيت، وأحرص الناس على نقض عقائدهم، مثل الفضل بن رزوبهان، وابن حجر الهيتمي..
بل يدخل فيهم من حارب أهل البيت عليهم السلام أنفسهم، فقد ورد في التاريخ: مدح عمرو بن العاص علياً، وورد أيضاً مدحه عليه السلام من قبل معاوية، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء أيضاً..
ثالثاً: قد تقدم أن ابن عربي نفسه قد صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحداً..([27]) وأي تأويل لكلامه مرفوض، لأن سائر كلماته الصريحة تؤيد وتؤكد عدم تشيعه..
رابعاً: إننا نشك في صحة نسبة هذا الشعر لابن عربي، إذ قد قال الكنجي ما يلي: «وأنشد بعض مشايخنا، وهو محمد بن العربي، شيخ المحققين: رأيت ولائي آل طه وسيلة.. الخ..»([28]).
وقال ابن حجر الهيتمي:
«وللشيخ الجليل شمس الدين ابن العربي: رأيت ولائي آل طه الخ..»([29]).
ونحن نسجل هنا الملاحظات التالية:
أ ـ إننا لم نجد هذين البيتين فيما بين أيدينا من مؤلفات لابن عربي، رغم أنه قد ضمن كتبه الكثير من أشعاره..
ب ـ هناك اثنان باسم ابن عربي، وابن العربي..
أحدهما: القاضي محمد بن عبد الله، بن محمد المعافري، الأشبيلي، المالكي، أبو بكر ابن العربي. وهو من حفاظ الحديث، وهو صاحب كتاب العواصم من القواصم. وكتاب عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي، وغير ذلك، وقد رحل إلى المشرق أيضاً، وتوفي سنة 543..([30]).
الثاني: محمد بن علي، بن محمد ابن العربي، أبو بكر الحاتمي، الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، والملقب بالشيخ الأكبر. زار بلاد الشام، وبلاد الروم، والعراق، والحجاز، ومصر، وغيرها..
ويقول محمد قطة العدوي: إن أهل المشرق قد اصطلحوا على التعبير عن محيي بكلمة «ابن عربي» بدون ألف ولام، فرقاً بينه وبين القاضي ابن العربي..([31]).
وبعدما تقدم نقول:
إن الملاحظ هو: أن الكنجي الشافعي، وهو مشرقي، قد عبر بـ : «ابن العربي» وهذا هو نفس التعبير الذي ورد في الصواعق أيضاً..
فإذا صح ما قاله العدوي، فإن قائل هذين البيتين يكون هو ابن العربي، أي القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله، بن محمد المعافري، وليس محيي الدين محمد بن علي، ابن عربي الطائي..
ج ـ إن اللقب الذي أطلقه الهيتمي على قائل هذين البيتين هو «شمس الدين»، ومن الواضح أن لقب صاحب الفتوحات هو محيي الدين.. وهذه قرينة أخرى على أن المراد هو ابن عربي آخر، فإما أن يكون القاضي المعافري، وهو محمد ابن العربي، أو يكون شخصاً غير هذين الاثنين..
8 ـ سلمان منا أهل البيت:
استدلوا بما قاله في حق سلمان المحمدي (الفارسي)، وهو ما يلي:
«هذا شهادة من النبي لسلمان الفارسي بالطهارة، وحفظ الآل، حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: سلمان منا أهل البيت.
وشهد الله لهم بالتطهير، وذهاب الرجس عنهم. وإذا كان لا يضاف إليهم إلا مطهر مقدس، وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة، فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم، وهم المطهرون، بل عين الطهارة».
ونقول:
إنه لا يصح الاستناد إلى هذا القول وأمثاله لإثبات تشيع هذا الرجل، وذلك لما يلي:
أولاً: إن مدائحه لغير أهل البيت عليهم السلام، لا تقلُّ عن ذلك، إن لم تكن تزيد عليه..
بل هو يمدح نفسه، ويثبت لنفسه أموراً ومقامات عظيمة جداً. تفوق مقامات الأنبياء والأوصياء، كما أنه يمدح أولياء الصوفية، بما هو أعظم من ذلك بمراتب، أما مدحه لأبي بكر وعمر، وغيرهما.. فهو يتجاوز حدود الخيال.
ثانياً: إنه كما أثبت لأهل البيت عليهم السلام صفة العصمة بهذه الآية، فإنه قد أثبت لعمر بن الخطاب صفة العصمة أيضاً، ولكن من دون أن يحتاج إلى آية أو إلى دليل يستند إليه في ذلك، وسنقرأ ذلك في الفصل الخاص بعمر بن الخطاب..
ثالثاً: إن العصمة لا تلازم الإمامة، وقد كان سلمان ـ حسبما ذكره ـ معصوماً، ولم يكن إماماً..
رابعاً: إنه يرى أن المراد بأهل البيت عليهم السلام جميع أولاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام إلى يوم القيامة، ويُدْخِل فيهم جعفراً وسلمان الفارسي، مع أنهما ليسا من أولاد السيدة الزهراء عليها السلام.
ثم هو يفرق بين آل وأهل، فيقول: إن آل البيت هم العلماء والصالحون من أمته، كما سيأتي..
وبذلك يكون قد خرب ـ بزعمه ـ عقيدة التشيع، أو هو على الأقل قد خرج عنها بنفس كلامه هذا، إذ أن الشيعة يعتقدون اختصاص أهل البيت بالنبي والزهراء والأئمة الطاهرين عليهم السلام..
خامساً: إنه يصرح بأن تطهير أهل البيت عليهم السلام، لا يمنع من صدور المعاصي الظاهرية منهم، مثل الكذب، والسرقة، والزنا، وغير ذلك.. فتجري عليهم الحدود، والأحكام في الدنيا، أما في الآخرة، فإن المعاصي لا تضرهم، ولا تنقص من مقامهم هناك..
9ـ كتاب: دوازده إمام:
إن البعض ينسب إلى ابن عربي كتاباً باسم: «دوازده إمام» أي «اثنا عشر إماماً»، وقد اعتبر هذا دليلاً على تشيع هذا الرجل([32]).
ونقول:
أولاً: إن كثيرين غير ابن عربي أيضاً قد ألفوا كتباً في مناقب الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، مع أن أحداً لا يشك في أنهم من علماء أهل السنة، مثل الشبلنجي، وابن الصباغ، والشبراوي، والقندوزي، وابن طلحة، والكنجي، وغيرهم من علماء السنة.
بل إن بعض من ألَّف في الأئمة الاثني عشر قد كان من المعلنين بعداء الشيعة، والجادين في إطفاء نور الله، والمحاربين لأولياء الله.. مثل ابن حجر الهيتمي صاحب الصواعق المحرقة، والفضل بن رزوبهان صاحب كتاب: إبطال نهج الباطل، الذي رد فيه على كتاب: نهج الحق.. ودلس فيه وكذب، وافترى ما شاءت له قريحته..
ثانياً: إن تأليف هذا النوع من الكتب حول أهل البيت عليهم السلام، وفي خصوص الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، إنما كان يهدف إلى الحفاظ على مذهب التسنن، كما أوضحناه فيما سبق. إذ الحديث الذي يثبت أن الأئمة اثنا عشر، قد أعجز أهل السنة، فتشبثوا بكل حشيش لكي يجيبوا عنه، وكان الحل لدى هؤلاء المتعصبين، هو القول بأن المراد به أئمة لهم مقام رفيع في الهداية والتقوى والعلم، والصلاح، شرط أن لا يبلغ الأمر إلى إعطائهم مقام الخلافة، والإمامة بمعناها الصحيح.. وبعد هذا فلا مانع من تطبيق الحديث على أئمة أهل البيت عليهم السلام..
ثالثاً: إنه يُشَكُّ في صحة نسبة الكتاب المذكور إلى ابن عربي، فقد قال المرحوم الشيخ آقا بزرك الطهراني ما يلي:
«المناقب» مر بعنوان: «دوازده إمام»، منسوباً إلى محيي الدين بن العربي، ولعله من إنشاء العيّاني الخفري المذكور في ج9 ص777»([33]).
رابعاً: إنهم إذا كانوا يدَّعون أن ما ظهر من ابن عربي مما يدل على تسننه، وهو بهذه القوة والكثرة، والصراحة، إنما جاء على سبيل التقية.. أو أنه قد دس في كتبه..
فإننا نقول لهم: هل إن التقية تفرض أن تكون تأليفات هذا الرجل زاخرة بالشواهد والدلائل والمؤيدات للمذهب الذي لا يؤمن به، وأن تكون جميعها مبنية في مختلف فصولها، ومطالبها على قواعد المذهب السني، ومسوقة لتأكيده، وتشييده؟!
وأية ضرورة تفرض عليه التصدي لأصل التأليف، إذا كانت جميع مؤلفاته سوف تكون في خدمة وتأكيد صحة مذهب لا يرى المؤلف صحته، ولا يعتقد به؟!..
ولماذا يستعمل التقية بهذا المستوى، وبمثل هذا الإغراق والاستغراق في جميع مؤلفاته، ثم ينسى التقية هنا، فيؤلف كتاباً في الأئمة الاثني عشر؟! وهو أمر قد يودي بحياته، لا سيما إذا كان عملاً متكاملاً، ومستقلاً، وظاهراً!!
10 ـ ذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام:
وقد استدلوا على تشيعه بذكره مناقب أهل البيت عليهم السلام في كتبه، فقد قال الطهراني:
«بالرغم من أن كتب محيي الدين مشحونة بمناقب أهل البيت عليهم السلام، ككتاب: «محاضرة الأبرار، ومسامرة الأخيار»، إلا أن أساس مطالبه على أصول أهل السنة، كمثل هذا الفص الداودي الذي ذكره، أما في فتوحاته المكية، الذي ألفه في مكة، فليس فيه ما يوافق أصول السنة»([34]).
وأقول:
أولاً: إن جميع ما ذكره في كتبه من مناقب العترة إذا كان أساسه هو أصول أهل السنة، فهو دليل على تسننه.
لأن المائز بين التشيع والتسنن ليس هو رواية مناقبهم عليهم السلام، أو قبولها، أو إنكارها، بل هو القبول بأحقيتهم عليهم السلام بمقام الخلافة بعد رسول الله، وبطلان خلافة من تقدم عليهم..
ثانياً: إن قوله: إن كتاب الفتوحات لم يتضمن شيئاً يوافق أصول السنة.. لا يفيد في إثبات تشيعه. بل المفيد هو إثبات: أنه موافق لأصول مذهب الشيعة الإمامية، ليمكن الحكم بتشيع مؤلفه، حين تأليفه لذلك الكتاب على الأقل..
فإن كان قد ألف تلك الكتب الموافقة لأصول مذهب السنة بعد ذلك الكتاب، فيحكم بتسننه من أجل ذلك.
وإن كان ذلك الكتاب هو آخر مؤلفاته، فإنه يحكم بتشيعه في آخر حياته. على فرض تضمن ذلك الكتاب أي شيء يدل على تشيعه..
ثالثاً: إنه ليس صحيحاً قوله: إنه ليس في كتاب الفتوحات ما يوافق أصول أهل السنة.. والصحيح هو أن كل ذلك الكتاب مبني على أصولهم في الاعتقادات، وفي الفقه، والتاريخ، والرجال، و.. و.. الخ.. وأدنى مراجعة له خير شاهد على ما نقول، وتتضمن دراستنا الموجزة هذه، عشرات الموارد من ذلك الكتاب بالذات، وكلها قد جاءت مبنية على أصول السنة..
رابعاً: إن ذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام، في المواقع المناسبة، لهو مما يلتزم به كل مسلم، ولكن المهم هو التصريح بلوازم ومعاني تلك المناقب. وهو دلالتها على بطلان خلافة المتقدمين على الإمام علي عليه السلام، وعلى أنهم كانوا معتدين عليه، وغاصبين لحقه..
وقد ذكر مؤلفوا كتب الصحاح وغيرها، مثل صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وأبي داود، وصحيح البخاري، وغير ذلك.. الكثير من مناقبهم عليهم السلام، مع الالتزام الشديد منهم بأصول التسنن ومناهجه..
11ـ علي إمام العالم:
وقد استدلوا على تشيعه بكلمة نسبوها إليه، يصرح فيها ـ بحسب قولهم ـ بأن الإمام علياً عليه السلام: «إمام العالم».
وقالوا: إن الفيض والشعراني يقولان: إن صاحب الفتوحات بعد أن ذكر أن نبينا صلى الله عليه وآله أول ظاهر في الوجود، قال:
«وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب، إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين»([35]).
ونقول:
أولاً: قد ذكرنا في فصل: «هكذا يدافعون عن ابن عربي»، تحت عنوان: «الدس في كتاب الفتوحات» وغيره: أن كتب ابن عربي قد تعرضت للدس والتحريف، فزادوا فيها ما يخالف مذهب أهل السنة، فإذا صح قولهم هذا، فلا بد أن تكون هذه الكلمة من أوضح مصاديق هذا المدسوس عليه.. لأن أهل السنة لا يرضون بمضمونها حتماً وجزماً، ويسعون إلى تكريس هذا الأمر في أبي بكر..
إلا إذا أريد منها معنى يتناسب مع اعتقاداتهم ومناهجهم.
ثانياً: إن الشعراني وغيره يدَّعون: أنه قد زيد في كتاب الفتوحات المكية ما يخالف مذهب أهل السنة، ولا يدعون وجود نقيصة فيه. ورغم ذلك، فإن هذه العبارة المنسوبة إليه لا توجد في الفتوحات، وهذا معناه: أن التحريف بالنقيصة حاصل أيضاً.. والظاهر: أنها عبارة مستنبطة بصورة خاطئة سنشير إليها بعد صفحات يسيرة..
ثالثاً: إن ما ذكره ابن عربي حول أبي بكر، وعمر، وطلحة، والزبير، وعائشة، وحتى معاوية، والمتوكل، فضلاً عن الحجاج، لا يبقي مجالاً لاعتقاد: أنه يقصد بالإمامة للعالم هو الإمامة بمعناها الشيعي، بل هو ـ لو صحت نسبة هذه الكلمة إليه ـ يقصد إمامة لا تتعارض مع جلوس أبي بكر على العرش، ومع عصمة عمر، ومع تعظيم المتوكل، والحجاج، وما إلى ذلك..
رابعاً: قد ذكرنا: أنه قد صرح بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحداً من بعده..([36])، وأن تأويل كلامه بإرادة الخلافة الصوفية، لا يصار إليه إلا بدليل. والدليل قائم على خلافه، كما أشرنا إليه غير مرة..
فإن صح أن يكون ابن عربي قد قال: إن علياً عليه السلام، إمام العالم، فلا بد أن لا يكون مقصوده الإمامة الدينية بالمعنى الشيعي، بل مراده إمامة صوفية ـ لا تصل إلى مستوى ما يدّعيه لنفسه ولغيره ممن يطلق عليهم اسم الأولياء ـ أو إمامة بمعناها اللغوي حيث يراد بها مجرد التعظيم، ولا تتعارض مع خلافة خلفائهم، بل تكون كإمامة الغزالي، والرازي، وما إلى ذلك..
وإنما قلنا: لا تصل إلى مستوى ما يدّعيه لنفسه ولغيره من أولياء الصوفية، لأنه يدّعي لنفسه درجات النبوة من دون تشريع، ويصر على ذلك أيما إصرار.. كما سنرى..
خامساً: من أين جاء القطيفي والفيض بعبارة «إمام العالم»، فإن الموجود في «الفتوحات المكية» غير ذلك، فقد قال ابن عربي:
«قال تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}([37])، فشبه نوره بالمصباح، فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه وآله، المسماة بالعقل، فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، ومن الهباء، والحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه، وعين العالم من تجليه..
وأقرب الناس إليه، علي بن أبي طالب، وأسرار الأنبياء أجمعين..»([38]).
وليس في هذه عبارة: أن علياً «إمام العالم».. بل الموجود هو أن النبي صلى الله عليه وآله هو سيد العالم بأسره..
كما أن الشعراني قد نقل هذه الفقرة عن الفتوحات، ولم يذكر أن هذه الكلمة منسوبة إلى الإمام علي عليه السلام، وإن كانت عبارته تختلف عن عبارة الفتوحات أيضاً، فقد قال: «فكان صلى الله عليه [وآله] وسلم مبدأ ظهور العالم، وأول موجود. قال الشيخ محيي الدين. وكان أقرب الناس إليه في ذلك الهباء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين..([39]).
سادساً: وكما أنه ليس في هذه الفقرة: أن علياً عليه السلام إمام العالم. ليس فيها أيضاً: إنه الجامع لأسرار الأنبياء، بل فيها: إن القريب من النبي صلى الله عليه وآله هو علي وأسرار الأنبياء. وشتان ما بينهما..
سابعاً: أضف إلى ذلك: أن مجرد قرب علي عليه السلام من حيث الظهور في الوجود لا يعني أنه الأفضل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.. فإن النبي آدم عليه السلام كان أباً للبشر كلهم، ولم يكن أفضل من النبي إبراهيم، أو من نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وعلى النبي إبراهيم وآله..
ويضاف إلى ذلك: أن الأفضلية بعد رسول الله ـ بنظر ابن عربي ـ هي لأبي بكر، لأنه يصرح بأنه ليس بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أبي بكر رجل، كما أن سائر ما ذكره عن أبي بكر مما سنورده في فصل مستقل يدل على أن مقصوده بالعبارة المشار إليها آنفاً هو قربه منه صلى الله عليه وآله من حيث النسب، لا الفضل..
وأخيراً نقول:
إن الظاهر هو أنهم قد استنبطوا هذه الكلمة استنباطاً، فإن ابن عربي قد وصف النبي صلى الله عليه وآله بأنه سيد العالم بأسره، ثم قال: إن أقرب الناس إليه هو علي، فاستفادوا من قربه إليه إمامته وسيادته للعالم أيضاً مثله صلى الله عليه وآله..
مع أن استفادة ذلك غير ظاهرة، ولا صحيحة، فإنه إذا وصف النبي بالنبوة، فإن هذا الوصف لا يثبت لأقرب الناس إليه أيضاً..
12ـ التنويه بحديث الغدير:
وقد استدلوا أيضاً بكلام ابن عربي حول الغدير، فقالوا:
«وقد أعرض في رسالته المشهودة عن ذكر إيمانه بإمامة الخلفاء، ونوه بلطف إلى وجوب الاعتقاد بالأمور الواقعة في يوم الغدير، ومن جملتها تعيين خلافة الأمير عليه السلام، حتى يصل إلى قوله:
«ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكَّر، وخوف وحذَّر، ووعد وأوعد.. إلى أن قال: هل بلغت؟!
فقالوا: بلغت يا رسول الله.
فقال: اللهم اشهد»([40]).
ونقول:
أولاً: قد يكون سبب إعراضه عن ذكر إيمانه بإمامة الخلفاء هو عدم وجود مناسبة تقتضي ذلك، لا لأجل وجود تحفظ لديه على إمامتهم.
ثانياً: إن ذكر واقعة الغدير بكل دقائقها وتفاصيلها في كتاب لا يدل على التزام مؤلفه بمضمونها وفق التفسير الشيعي الإمامي لها. فإن كثيراً من علماء أهل السنة، قد أوردوها في كتبهم، وبقوا على تسننهم، وحاولوا تأويلها، والخروج من تبعات الالتزام بها..
وقد تقدم التصريح من قبل الراغبين بإثبات تشيع ابن عربي: بأنه قد شحن بعض كتبه بمناقب أهل البيت عليهم السلام، ولكن أساس مطالبه قد جرى وفق أصول أهل السنة..
ونحن نتيقن: أنه قد جرى في هذا المورد ـ أي في حديثه عن الغديرـ على نفس هذا النهج، وهو نهج التسنن أيضاً؟! وذلك لما نجده من دلائل وشواهد على تسننه، تعد بالمئات، وربما تزيد..
ثالثاً: هل صرح ابن عربي، وهو يتحدث عن قضية الغدير بالمضامين الصحيحة، الدالة على أمر الإمامة، فلم يتصرف بها بالحذف والتشويه؟!! ـ كما فعل بالنسبة لحديث الثقلين، وكما فعل في غيره؟!..
والجواب: إنه لم يفعل ذلك، ولم يصرح باسم علي عليه السلام، وأقحم في كلامه جملة لا ربط لها بموضوع الإمامة.. فراجع النص الذي ذكره المستدل آنفاً..
ويبقى السؤال حائراً وتائها، عن أنه، كيف رأوا خصوص تلك الإيحاءات الضعيفة والواهية كافية للدلالة على تشيعه؟ ولم يروا هذا الحشد العظيم، والكم الهائل مما هو صريح في رسوخ قدمه في التسنن؟!.. كافياً للتشكيك في دلالة وصحة تلك الشواهد الواهية والمريضة!!
رابعاً: إنه هو نفسه ـ كما تقدم ـ قد صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يستخلف أحداً من بعده، فكيف تكون إشارته لحديث الغدير دللى الله عليه وآله، لم يستخلف أحداً من بعده، فراجع كلامه.. يد هؤلاء إثبات تشيعه استناداً إلى تلك يلاً على تشيعه؟!
إلا أن يدعى أن مراده: أنه صلى الله عليه وآله لم يستخلف ولياً صوفياً، كما ألمحنا إليه وقلنا: إنه تأويل بارد، والمتاجرة به متاجرة بكاسد، والإعتماد عليه اعتماد على أمر فاسد. بعد ما أوردناه في هذه الدراسة من دلائل وشواهد، على أن ابن عربي، عن التشيع حائد، وبه زاهد.
13ـ يكني عن علي عليه السلام، بفلان:
وقالوا: إن ابن عربي قال في معرفة أسرار {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.. وأسرار الفاتحة.
«فالياء في الرحيم ترمز لليالي العشر، والنقتطتان الشفع، والألف الوتر.. والاسم الرحيم، مالكيته: الفجر. ومعناه الباطن الجبروتي: والليل إذا يسر، وهو الغيب الملكوتي. وترتيب النتقطتين الواحدة مما يلي الميم، والثانية مما يلي الألف: وجود العالم الذي بعث إليهم، والنقطة التي تليه (أي الميم) فلان.. والنقطة التي تلي الألف محمد..»([41]).
قالوا: أراد بفلان علياً عليه السلام، لأنه هو الذي يناسب التقية فيه..
ونقول:
أولاً: إن النص الموجود في الفتوحات المكية ج1 ص110 ط دار صادر أوفست عن دار الكتب العربية الكبرى بمصر. هكذا:
«والنقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه الخ..».
وليس هذا من موارد الدس المدعى، لأن الدس المدعى حصوله، إنما هو لما يخالف عقيدة أهل السنة فقط..
ثانياً: إن تقدير كلمة (علي) تأباه القرينة الموجودة في الكلام نفسه، فإن العبارة هكذا:
«والنقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه، والنقطة التي تلي الألف محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم. وقد تقببت الباء عليهما كالغار {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}([42]).. فإنه واقف مع صدقه، ومحمد عليه السلام واقف مع الحق، في الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت، فهو الحكيم، كفعله يوم بدر في الدعاء والإلحاح، وأبو بكر عن ذلك صاح، فإن الحكيم يوفي المواطن حقها..
ولما لم يصح اجتماع صادقين معاً، لذلك لم يقم أبو بكر في حال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، وثبت مع صدقه به..
فلو فقد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في ذلك الموطن، وحضره أبو بكر، لقام في ذلك المقام الذي أقيم فيه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، لأنه ليس ثم أعلى منه يحجبه عن ذلك، فهو صادق ذلك الوقت وحكيمه، وما سواه تحت حكمه..
فلما نظرت نقطة أبي بكر إلى الطالبين أسف عليه، فأظهر الشدة وغلب الصدق، وقال: {لاَ تَحْزَنْ} لأثر ذلك الأسف {إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} كما أخبرتنا!»
ويستمر الكلام على هذا المنوال ومحوره، أبو بكر، لا الإمام علي عليه السلام، فراجع..([43]).
فكيف يكون المراد من كلمة فلان هو علي، وليس أبا بكر؟!
14ـ بركة أهل البيت عليهم السلام:
وقد يستدل على ذلك بأنه يرى: أن الموحدين لا يبقون في النار، ولو بقوا فيها لعادت عليهم برداً وسلاماً ببركة أهل البيت عليهم السلام..([44]).
فهذا يدل أن قلبه مملوء بحب أهل البيت عليهم السلام، وعلى أنه يعتقد فيهم هذا المستوى من التأثير، حتى إن النار تكون برداً وسلاماً ببركتهم..
ونقول:
أ ـ إنه يثبت لأبي بكر، وعمر، وسواهما، ولأولياء الصوفية بركات ومقامات أعظم. وبعضها لم يثبته لأهل البيت عليهم السلام ولا لغيرهم..
ب ـ إن حبه لأهل البيت عليهم السلام هو المفروض على كل مسلم بنص القرآن، ولكن، ليس هذا هو كل المطلوب، بل المطلوب هو أن يعتقد إمامتهم، وأن يصرح بعدم صحة إثبات الإمامة لغيرهم، ممن غصب هذا الحق منهم.. وليس في إثبات هذه البركات العظيمة لهم ما يدل على اعتقاده بهذا، أو بذاك..
ج ـ إن الشفاعة في يوم القيامة تكون لكل مؤمن، حتى إن المؤمن الواحد قد يشفع لأمم كبيرة، حتى لو كانت مثل قبيلتي ربيعة ومضر.. ولكن ذلك لا يعني ثبوت الإمامة لهذا الشافع.
والسيدة الزهراء عليها السلام أيضاً، تشفع لشيعتها ومحبيها، مع أنها ليس لها مقام الإمامة الظاهرية، وإن كان لها مقام من نوع آخر، يقتضي شراكتها في حفظ الدين، وصيانة الأمة، وهدايتها، ورعايتها..
وقد ورد أيضاً في إمام الجماعة: أن أئمتكم شفعاؤكم..
والأحاديث في الشفاعة كثيرة ومتنوعة..
الفصل الثاني
من هم أهل البيت عليهم السلام..
وحقيقة عصمتهم.
بداية وتوطئة:
إن أعظم وأهم ما يستدلون به على تشيع ابن عربي هو ما قاله حول آية التطهير، وما قاله بالنسبة لاعتبار سلمان المحمدي (الفارسي) من أهل البيت عليهم السلام.
وحين نراجع كلماته هذه بالذات نجد أنه لم يكن بصدد إثبات العصمة لأهل البيت عليهم السلام، بقدر ما كان بصدد نفيها عنهم، وهو يمارس أعظم الكيد لإسقاط دلالة هذه الآية المباركة عن التأثير في تقوية عقيدة الشيعة، وذلك بتقديمه ادعاءين باطلين، يخالفان البداهة، ويضحكان حتى الثكلى. وهما:
الأول: أن المقصود بأهل البيت ليس هو الأئمة الطاهرون، بل ما يعمُّ جعفراً وسلمان الفارسي، وجميع أولاد فاطمة إلى يوم القيامة.
وهو أيضاً يسعى للتفريق بين أهل البيت وآل البيت، فيدعي: أن المراد بآل البيت هم جميع ذرية رسول الله إلى يوم القيامة، أو الصالحون من جميع الأمة.. أو.. أو.. مع حرص ظاهر على أن لا يتوهم أحد خلاف ذلك..
الثاني: إن آية التطهير لا تعصم عن ارتكاب المعاصي، حتى السرقة والزنا، وشرب الخمر، فيستحق فاعلها العقاب في الدنيا، لكنها لا أثر لها في الآخرة بل تكون مفغورة كذنوب أهل بدر.. حيث نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله قوله للبدريين: إفعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
ولكنه في المقابل، يدعي العصمة الحقيقية لأصغر ولي من أولياء الصوفية، ويدعيها لعمر بن الخطاب..
بل هو يثبت لمناوئي أهل البيت أعظم مراتب الكرامة والطهارة..
والنصوص التي نوردها في هذا الفصل توضح هذه الحقيقة. نحاول أن نذكرها من دون تعليق، فنقول:
معاصي المعصوم مغفورة:
1ـ قال: «اعلم: أن من عباد الله من يطلعهم الله على ما قدر عليهم من المعاصي، فيسارعون إليها من شدة حيائهم من الله، ليسارعوا بالتوبة، وتبقى خلف ظهورهم، ويستريحون من ظلمة شهودها. فإذا تابوا رأوها عادت حسنة، على قد ما تكون..
ومثل هذا لا يقدح في منزلته عند الله. فإن وقوع ذلك من مثل هؤلاء، لم يكن انتهاكاً للحرمة الإلهية، ولكن بنفوذ القضاء والقدر فيهم. وهو قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}([45]).. فسبقت المغفرة وقوع الذنب..
فهذه الآية قد يكون لها في حق المعصوم وجه: وهو أن يُسْتَر عن الذنوب، فتطلبه الذنوب فلا تصل إليه، فلا يقع منه ذنب أصلاً، فإنه مستور عنه..
أو يُستر عن العقوبة فلا تلحقه، فإن العقوبة ناظرة إلى محال الذنوب، فيستر الله من شاء من عباده، بمغفرته عن إيقاع العقوبة له، والمؤاخذة عليه.
والأول أتم.
فتقدمت المغفرة من قبل وقوع الذنب، فعلاً كان أو تركاً، فلا تقع منه إلا حسنة، يشهدها وحسنها.
ومن عباد الله من لم يأت في نفس الأمر إلا ما أبيح له أن ياتيه، بالنظر إلى هذا الشخص على الخصوص.. وهذا هو الأقرب في أهل الله. فإنه قد ثبت في الشرع أن الله يقول للعبد، لحالة خاصة: «إفعل ما شئت، فقد غفرت لك» فهذا هو المباح، ومن أتي مباحاً لم يؤاخذه الله به، وإن كان في العموم في الظاهر معصية، فما هو عند الشرع في حق هذا الشخص، معصية.
ومن هذا القبيل هي معاصي أهل البيت عند الله، قال عليه السلام في أهل بدر: «وما يدريكم! لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»..
وفي الحديث الثابت: «أن عبداً أذنب فيقول: رب اغفر لي.
فيقول الله: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب.
ثم عاد فأذنب.
إلى أن قال: في الرابعة، أو في الثالثة: إفعل ما شئت فقد غفرت لك».
فأباح له جميع ما كان قد حجره عليه، حتى لا يفعل إلا ما أبيح له فعله، فلا يجري له عند الله لسان ذنب، وإن كنا لجهلنا بمن هذه صفته وهذا حكمه عند الله أن نعرفه، فلا يقدح ذلك في منزلته عند الله..
فمن هذه حالته ما فعل إلا ما أبيح له فعله أو تركه.. فإن الحكم يترتب بجميع الأحوال.
فحال أهل الكشف، على اختلاف أحوالهم، ما هو حال من ستر عنه حاله.
فمن سوى بينهما فقد تعدى فيما حكم به.. ألا ترى «المضطر» ما حرمت الميتة عليه قط، متى وجد الإضطرار. وغير «المضطر» ما أحلت له الميتة قط؟ هذا ظاهر الشرع، فأحكام الشرائع مرتبة على الأحوال، ونحن، فيما جهلنا حاله، أن نحسن الظن به ما وجدنا لذلك سبيلاً..»([46])
من هم آل البيت:
2ـ وقال: «واعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه. وخاصة الأنبياء، وآلهم، هم الصالحون، العلماء بالله، والمؤمنون»([47]).
3ـ وقال: «ومعلوم: أن آل إبراهيم، من النبيين والرسل (هم) الذين كانوا بعده، مثل إسحاق، ويعقوب، ويوسف، ومن انتسل منهم، من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة، الدالة على أن لهم النبوة عند الله.
أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يلحق أمته، وهم آله العلماء الصالحون، ومنهم بمرتبة النبوة عند الله، وإن لم يشرعوا.. ولكن أبقى لهم من شرعه ضرباً من التشريع».
إلى أن قال:
«.. فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند الله، لا في التشريع..».
إلى أن قال:
«فأكرم الله رسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء، كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم.
ثم إنه خص هذه الأمة ـ أعني علماءها ـ بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام، وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم، وتعبدهم به، وتعبد من قلدهم به، كما كان حكم الشرايع للأنبياء ومقلديهم.
ولم يكن مثل هذا لأمة نبي، ما لم يكن نبي بوحي منزل.
فجعل الله وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم، كما قال لنبيه صلى الله عليه [وآله] وسلم: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ}([48]).. فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه الله في اجتهاده..
فهذه نفحات من نفحات التشريع، ما هو عين التشريع..
فلآل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهم المؤمنون من أمته مرتبة النبوة عند الله، تظهر في الآخرة، وما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم، فلم يجتهدوا في الدين والأحكام إلا بأمر مشروع من عند الله..
فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه المثابة، من العلم والاجتهاد، ولهم هذه المرتبة ـ كالحسن، والحسين، وجعفر، وغيرهم ـ فقد جمعوا بين الأهل والآل..
فلا تتخيل أن آل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، هم أهل بيته خاصة، ليس هذا عند العرب، وقد قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ}([49]) يريد خاصته»..([50]).
عصمتهم.. لا تنافي إرتكابهم للكبائر:
وحول عصمة أهل البيت عليهم السلام، وتطهيرهم بالآية، يقول:
4 ـ «فدخل الشرفاء، أولاد فاطمة [عليهم السلام] كلهم، ومن هو من أهل البيت [عليهم السلام]، مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله، وعناية بهم، لشرف محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وعناية الله به.
ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت [عليهم السلام] إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا، فمن أتى منهم حداً أقيم عليه، كالتائب إذا بلغ أمره، وقد زنى، أو سرق، أو شرب، أقيم عليه الحد مع تحقق المغفرة، كما عزروا أمثاله، ولا يجوز ذمه.
وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما أنزله أن يصدق الله تعالى عليهم السلام في قوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([51]).. فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت [عليهم السلام]: أن الله قد عفا عنهم فيه، فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم الخ..([52]).
خلاصة لما تقدم:
وقد ظهر من النصوص المتقدمة أمور كثيرة، نكتفي منها بذكر ما يلي:
أولاً: إنه يقول: إن المراد بأهل البيت عليهم السلام هم جميع أبناء فاطمة إلى يوم القيامة، ثم هو يدخل فيهم جعفراً وسلمان الفارسي، مع أنهما ليسا من أبنائها، ثم هو يفرق بين كلمتي أهل وآل.. ويقول: إن المراد بآل البيت عليهم السلام هم المؤمنون من أمته صلى الله عليه وآله كلها، تارة..
وأنهم العلماء والمخلصون تارة أخرى..
وأن أهل بيته من كان موصوفاً بصفته، تارة ثالثة..([53]).
ثانياً: إنه يدعي: أن عصمة أهل البيت لا تمنع من صدور الكذب، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر منهم.. ويقرر أنه لا بد في هذه الصورة من إقامة الحدود عليهم، ومجازاتهم في الدنيا.. ولكنها تكون ذنوباً مغفورة لهم في الآخرة..
ثالثاً: إنه كما يقول بعصمة الأئمة، فإنه يقول بعصمة الأولياء الذين يعتبرهم أنبياء أيضاً، وقد أشار إلى أنهم هم آل النبي..
ولكنه يطلق الكلام في حق عمر بن الخطاب، فيقول بعصمته، ولا يورد احتمالات ارتكابه لأي ذنب، كبيراً كان أم صغيراً.. مع أنه قد كان لعمر موقف معروف من النبي صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه، حيث قال عنه: إنه يهجر، أو غلبه الوجع..([54]).
وله موقف وسلوك معروف أيضاً، تجاه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والاعتداء عليها بالضرب، ثم إسقاط جنينها، وغير ذلك.. وقد ماتت وهي مهاجرة له.. بالإضافة إلى مواقفه من الإمام علي عليه السلام، فإنه لم يشر إلى أي شيء من ذلك كله وسواه. مع أنه كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار..
تجاهل أهل البيت عليهم السلام:
إنه برغم ما يدعونه من تشيع ابن عربي لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، فإننا نقول:
إن عد هذا الرجل ممن يتجاهل أهل البيت عليهم السلام في مؤلفاته أولى من عده من شيعتهم وأتباعهم، إذ لا مجال لمقايسة تعظيمه للمناوئين لأهل البيت عليهم السلام، الذي يصل إلى حد الغلو.. بما يذكره من كلمات متواضعة في حق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم..
ومراجعة كتبه مثل «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» تكفي لبيان إهماله الظاهر لذكرهم عليهم السلام، بالقياس إلى من عداهم..
بل هو قد ذكر أن أهل البيت بما فيهم علي، والحسن، والحسين، و.. عليهم السلام قد يرتكبون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، و.. و.. ولم يذكر أن ذلك ممكن في حق غيرهم من الخلفاء..
لمجرد رفع العتب:
وبديهي أن الإهمال التام لذكر علي والحسن والحسين والزهراء عليهم السلام، غير مستساغ عند جميع المسلمين، فإنهم على رأس من يرى جميع المسلمين أن الله قد أوجب مودتهم، ومحبتهم.. فقد كان لا بد له ولغيره من ذكر هؤلاء في المواقع المقتضية لذلك، للخروج من حالة الإحراج في أمر ألزم به القرآن، وصرحت به الأحاديث المتواترة..
ولكن ابن عربي لم يهتم كثيراً لهذا الأمر، فأهمل ذكرهم.. إلى حد أنك لا تكاد تشعر بوجودهم، ولا بأي دور، أو مقام لهم صلوات الله عليهم فراجع موسوعته الأهم، وهي فتوحاته المكية، وفصوص الحكم، ورسائله، وغيرها، رغم أنك تجد إغراقاً، بل واستغراقاً في الثناء والتعظيم، لمن عداهم، وعاداهم.. وهو يبادر إلى تسطير الفضائل والكرامات والمقامات لمن خاصمهم وناواهم، بمناسبة وبدونها..
أما ذكر باقي الأئمة، مثل الإمام العسكري، والهادي، والجواد، والرضا، والكاظم، و.. صلوات الله وسلامه عليهم، فذلك ـ لو حصل ـ فسيكون نادرة الدهر، وغريبة العمر..
في سياق الانتقاص لأهل البيت عليهم السلام:
وبعد أن عرفنا كيف أن ابن عربي قد حوَّل آية التطهير من فضيلة كبرى لأهل البيت عليهم السلام، إلى سبب ذم، ووسيلة انتقاص، فإننا نذكر ها هنا طائفة من كلامه الذي يرتبط بهم عليهم السلام. وقد ضمّنه بعض ما يمكن أن يدخل في دائرة الانتقاص لهم، والسعي لتصغير شأنهم، لكي يضاف إلى سائر النصوص التي تؤكد حقيقة أن هذا الرجل أبعد ما يكون عن التشيع، وعن رموزه، وأعلامه، فضلاً عن أن يلتزم بعقائده، أو بشرائعه وأحكامه..
فنقول:
انتقاص مبطن للسيدة الزهراء عليها السلام:
6ـ قال ابن عربي: «ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثيرون، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية»..([55]).
7ـ وقال: «كما قال في الكمال، فذكر أنه يكون أيضاً في النساء، وعيَّن منهن مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون..»([56]).
8 ـ وقال: «وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وآله، بالكمال لمريم وآسية..»([57]).
فلو كان ابن عربي شيعياًَ لم يعتمد هنا على رواية البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، التي أريد منها الانتقاص من سيدة نساء العالمين بصورة مبطنة.. ثم يقرر على أساسها أن الكمال محصور بالسيدة مريم، وبآسية بنت مزاحم، ولا يشير بشيء، لا إلى السيدة خديجة، ولا إلى السيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام.
مع أن روايات أهل البيت عليهم السلام تؤكد على حقيقة أن أفضل نساء أهل الجنة أربع، هن: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة.. وتؤكد النصوص المتواترة على أن فاطمة سيدة نساء العالمين، من الأولين والآخرين. أما مريم فهي سيدة نساء عالمها فقط..
علي يحرش على فاطمة عليها السلام:
9ـ ويقول: «قدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فوجد فاطمة ممن حلَّ، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت. فأنكر ذلك عليها، فقالت: إني أمرت بهذا.
قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم محرّشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فيما ذكرت عنه: فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها..
فقال: صَدَقَتْ، صَدَقَتْ.. الخ..»([58]).
حديث الثقلين عند ابن عربي:
10ـ ثم هو يروي حديث الثقلين بطريقة يتجاهل فيها أهل البيت عليهم السلام بالكلية، فهو يقول: إنه صلى الله عليه [وآله] وسلم خطب الناس بنمرة في عرفة، فكان مما قال:
«.. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت الخ»..([59]).
فأين هم أهل البيت عليهم السلام في حديث الثقلين يا ترى؟!..
الإمام من غير أهل البيت عليهم السلام:
وحين يتكلم عن الإمامة والإمام، يقرر أمرين:
11ـ أحدهما: أن النبيصلى الله عليه وآله لم ينص على الخليفة من بعده([60]).
ولا تنفع احتمالات إرادته الإمامة الصوفية، بعد تضافر القرائن في مختلف كتبه على تسننه، وعلى شدته في ذلك، وعلى سعيه لإسقاط مقام أهل البيت عليهم السلام، ونقض فضائلهم..
والثاني: إنه يصرح بأن المطلوب في الإمام والحاكم هو اختيار من له أوصاف خاصة، وان الإختلاف يقع في تحديد الشخص، لا في أوصافه.
12ـ فهو يقول: «.. ولذلك يقع الاختلاف في الإمام المعين، لا في الوصف المتبين، فقلَّ خليفة تجمع القلوب عليه، ولاسيما إن اختل ما بين يديه، فقد صحت المبايعة للخليفة، وفاز بالرتبة الشريفة».
وقال: «ولما كان الحق تعالى الإمام الأعلى، والمتبع الأول، قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}([61]).. ولا ينال هذا المقام الأَجْسَم، بعد النبي المصطفى الأعظم، إلا ختم الأولياء الأطول الأكرم، وإن لم يكن من بيت النبي، فقد شاركه في النسب العلوي. فهو راجع إلى بيته الأعلى، لا إلى بيته الأدنى..»([62]).
وقوله: «وإن لم يكن من بيت النبي»، يشير إلى أن الإمام لا يجب أن يكون منتسباً إلى النبي صلى الله عليه وآله، ومن أهل بيته عليهم السلام مباشرة، باستثناء الإمام المهدي عليه السلام الذي يعتقد أهل السنة أنه من ذرية فاطمة عليها السلام..
فتراه يمهد لتصحيح خلافة أبي بكر بقوله: «ولا ينال هذا المقام الأجسم بعد النبي..».
إلى أن قال:
«ولكن لم يكن من بيت النبي.. الخ..».
وهو سيصرح بذلك في نفس الكتاب بعد صفحات يسيرة..([63]).
لم يسأل الله معرفة إمام زمانه:
13ـ وقال في الفتوحات: «إني لم أسأل الله أن يعرفني إمام زماني، ولو كنت سألته لعرفنيٍ».
قال إسماعيل الخواجوئي والفيض الكاشاني:
«فاعتبروا يا أولي الأبصار، فإنه لما استغنى عن هذه المعرفة، مع سماعه حديث: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، المشهور بين العلماء كافة، كيف خذله الله، وتركه نفسه، فاستهوته الشياطين»([64]).
الجرأة على الإمام علي عليه السلام:
14ـ ويقول: «رأيت في المعراج درجة علي أسفل من درجة أبي بكر، وعمر، وعثمان. ورأيت أبا بكر في العرش.
فلما رجعت قلت لعلي: كيف كنت تدّعي في الدنيا: أنك أفضل من هؤلاء، وقد رأيت أنك أسفل درجة منهم؟!»([65]).
مراعاة الحكام في قضية الإمام المهدي؟!:
وقد تكلم في كتابه: «عنقا مغرب، في ختم الأولياء، وشمس المغرب» عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف..
ولكنه رغم أنه لم يخرج فيه عما يعتقده أهل السنة في هذا الأمر. فقد ادعى في أول كتابه: «أنه قد تردد في كتابة بعض موارده، مما كان يوضحه تارة، ويخفيه أخرى، ثم عاد وصمم على البوح بتلك الأسرار!! فهو يقول:
15ـ «.. لكني خفت من نزعة العدو والشيطان، أن يُصَرَّح بي في حضرة السلطان، فيقول علي ما لا أنويه، وأحصل من أجله في بيت التشويه، فسترت الشة بالعززان (كذا)، صيانة لهذا الجسمان، ثم رأيت ما أودع الحق من هذه الأسرار لديه، وتوكلت في إبرازه عليه، فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين الخ..»([66]).
ونقول:
إننا بعد المراجعة وجدنا: أنه لم يذكر في هذا الكتاب ما يستحق أن يقال عنه: إنه من الأسرار، بل ذكر فيه ما يتوافق مع اعتقادات أهل السنة وحسب..
فإذا كانت الأسرار التي يخفيها خوفاً من السلطان، هي هذه.. فذلك يدل على أنه إنما كان يخشى من أن يفهم الحكام من حديثه حول الإمام المهدي: أنه يرى عدم شرعية حكوماتهم.. وأن أولئك الحكام من أهل الظلم والجور، لا سيما وأنه يستند إلى الحديث القائل: عن الإمام المهدي عليه السلام أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً([67])..
مع أنه لم يكن يقصد ـ حسب تصريحه ـ التعريض بأي شيء من هذا القبيل..
وهذا معناه: أن خوفه من السلطان ليس من أجل اتهامه بالتشيع أو نحوه.. إذ إن ما باح به في ذلك الكتاب، وفي جميع كتبه هو جوهر عقيدة أهل السنة، ومحض تقرير لمذاهبهم الفقهية، ولجميع توجهاتهم الإعتقادية، والثقافية وغيرها، فإذا خالفهم في شيء فإنما يخالفهم بما يدخل في دائرة الفكر الصوفي، لا في دائرة التشيع..
الفصل الثالث
ما يذم به الشيعة..
بداية:
إن ابن عربي قد خص الشيعة بأوصاف، وأتحفهم بأوسمة مميزة، تعبر عن شعوره نحوهم، وعن القيمة التي لهم لديه، ونذكر في هذا الفصل النصوص التالية من دون أي تعليق..
«الرافضي» بصورة «كلب»:
1ـ قال عن الجماعة الذين يسميهم بالرجبيين: «وقد اجتمعنا برجل منهم في شهر رجب، وهو محبوس في بيته، قد حبسته هذه الحالة، وهو بائع للجزر والخضر العامة، غير أني سألته عن حالته، فأخبرني بكيفيتها على ما كان علمي منها، وكان يخبر بعجائب..
فسألته: هل يبقى لك علامة في شيء؟
قال: نعم، لي علامة من الله في الرافضة خاصة، أراهم في صورة الكلاب، لا يستترون عني أبداً.
وقد رجع منهم على يده جماعة مستورون، لا يعرفهم أهل السنة، إلا أنهم منهم عدول. فدخلوا عليه، فأعرض عنهم، وأخبرهم بأمرهم، فرجعوا وتابوا، وشهدوا على أنفسهم بما أخبر عنهم، مما ليس عند أحد من غيرهم خبره»([68]).
«الرافضي» بصورة «خنزير»:
2ـ وقال وهو يتحدث عن الرجبيين أيضاً:
«لقيت واحداً منهم بدنيسير. من ديار بكر، ما رأيت منهم غيره، وكنت بالأشواق إلى رؤيتهم، ومنهم من يبقى عليه في سائر السنة أمر ما، مما كان يكاشف به في حاله في ردب، ومنهم من لا يبقى عليه شيء من ذلك.
وكان هذا الذي رأيته (في دنيسير) قد أُبْقِي عليه كشف الروافض، من أهل الشيعة، سائر السَنَة. فكان يراهم خنازير.
فيأتي الرجل المستور، الذي لا يُعرف منه هذا المذهب قط ـ وهو في نفسه مؤمن به، يدين به ربه ـ فإذا مرَّ عليه يراه في صورة خنزير، فيستدعيه، ويقول له: «تب إلى الله! فإنك شيعي رافضي».
فيبقى الآخر متعجباً من ذلك.
فإن تاب، وصدق في توبته، رآه إنساناً، وإن قال له بلسانه: «تبت!» وهو يضمر مذهبه ـ لا يزال يراه خنزيراً. فيقول له: «كذبت في قولك: تبت».
وإذا صدق، يقول له: «صدقت»..
فيعرف ذلك الرجل صدقه في كشفه. فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضي..([69]).
3ـ وقد جرى لهذا مثل هذا مع رجلين عاقلين، من أهل العدالة من الشافعية، ما عرف منهما قط التشيع، ولم يكونا من بيت التشيع. غير أنهما أداهما إليه نظرهما. وكانا متمكنين من عقولهما، فلم يظهرا ذلك، وأصرا عليه بينهما وبين الله، فكانا يعتقدان السوء في أبي بكر وعمر، ويتغالون في علي.
فلما مرا به، ودخلا عليه، أمر بإخراجهما من عنده. فإن الله كشف له عن بواطنهما في صورة خنازير، وهي العلامة التي جعل الله له في أهل هذا المذهب.
وكانا قد علما من نفوسهما أن أحداً من أهل الأرض ما اطلع على حالهما.
وكانا شاهدين عدلين، مشهورين بالسُّنة. فقالا له في ذلك. فقال:
«أراكما خنزيرين، وهي علامة بيني وبين الله فيمن كان مذهبه هذا».
فأضمرا التوبة في نفوسهما، فقال لهما:
«إنكما الساعة قد رجعتما عن ذلك المذهب، فإني أراكما إنسانين» فتعجبا من ذلك، وتابا إلى الله..([70]).
وبالمناسبة نقول:
ذُكِر: أن بعض العلماء سئل عن قول ابن عربي حول رؤية الرافضة بصورة خنازير، فأجاب:
إن هذا جار على قاعدة المؤمن مرآة أخيه، فإن المرآة تعكس حال من يمر أمامها، فيرى المار نفسه فيها، سواء أكان كلباً، أو خنزيراً، أو إنساناً، أو غير ذلك..
والظاهر: أن الشيخ قد رأى نفسه في المرآة، ولم ير الرافضي أصلاً!!..
خداع الشيطان للشيعة:
4ـ قال الحر العاملي عن ابن عربي: إنه يدعي في الفتوحات: أن الشيطان قد خدع الشيعة، خصوصاً الإمامية، بحب أهل البيت ليتجاوزوا الحد فيه، فأبغضوا بعض الصحابة، وسبوهم، وتوهموا أن أهل البيت يرضون بهذا..» ([71]).
5ـ ذكر الشيعة في جملة من ضل عن الطريق، وأضل..»([72]).
ولعل الحر العاملي ناظر في هذين الموردين إلى عبارته التالية:
الإمامية أهل بدع:
6ـ ويقول: «وعلى هذا جرى أهل البدع، والأهواء، فإن الشياطين ألقت إليهم أصلاً صحيحاً لا يشكون فيه، ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم، حتى ضلوا، فينسب ذلك إلى الشيطان بحكم الأصل، ولو علموا: أن الشيطان في تلك المسائل تلميذ له (أي لصاحب البدعة والهوى) يتعلم منه.
وأكثر ما ظهر ذلك في الشيعة، ولا سيما في الإمامية منهم، فدخلت عليهم شياطين الجن أولاً بحب أهل البيت، واستفراغ الحب فيهم، ورأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى الله، وكذلك هو لو وقفوا ولا يزيدون عليه. إلا أنهم تعدوا من حب أهل البيت إلى طريقين:
منهم من تعدى إلى بغض الصحابة وسبهم، حيث لم يقدموهم، وتخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية، فكان منهم ما قد عرف واستفاض.
وطائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي جبرئيل عليه السلام، وفي الله جل جلاله، حيث لم ينصوا على رتبتهم وتقديمهم في الخلافة للناس، حتى أنشد بعضهم:
ما كان من بعث الأمين أميناً..
وهذا كله واقع من أصل صحيح ـ وهو حب أهل البيت ـ أنتج في نظرهم فاسداً، فضلوا وأضلوا..
فانظر ما أدى إليه الغلو في الدين، أخرجهم عن الحد، فانعكس أمرهم إلى الضد، قال تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}([73])..»([74]).
الفصل الرابع
هكذا يدافعون عن ابن عربي
توطئة وتمهيد:
قلنا: إن من يراجع كتب ابن عربي يجدها حافلة بالنصوص الكثيرة كثرة هائلة، والدالة على تسننه العميق، وتشدده في هذا التسنن، إلى حد أنه يحول السيئات إلى حسنات، بل هو يجعلها من أعظم الفضائل التي تنال بها أجلَّ المراتب وأعلاها، وأرقى المقامات، وأسماها، وأكرمها، وأسناها.
ولعلنا نذكر بعضاً من ذلك في فصل مستقل، ولكننا نشير قبل ذلك إلى ما دافعوا به عنه، وذلك في المطالب التالية:
الدس في كتاب الفتوحات:
قال الطهراني: ذكر الشعراني في «مختصر الفتوحات» ما نصه:
وقد توقفت حال الاختصار لكتاب «الفتوحات» في مواضع كثيرة منه، لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة، فحذفتها من هذا المختصر، وربما سهوت، فتبعت ما في الكتاب، كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري([75]).
ثم لم أزل كذلك، أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين، وقد حذفتها لعدم موافقتها مع العامة، حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبي الطيب المدني، المتوفي سنة 955، فذاكرته في ذلك، فأخرج إلي نسخة من الفتوحات، التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئاً مما توقفت فيه وحذفته..
فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب «الفصوص» وغيره..([76]).
يشهد على هذا الكلام: أنه قد ذكر في هذه الطبعة من «الفتوحات»: أن إمام العصر هو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام..
مضافاً إلى ذلك: أن المحقق الفيض قد أورد في كتابه «كلمات مكنونة» في شأن أمير المؤمنين عليه السلام، نقلاً عن الفتوحات: أنه ذكر نبينا صلى الله عليه وآله، وأنه أول ظاهر في الوجود، قال: وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب، إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين([77]).
بينما لا يوجد هذا المطلب في النسخة الحالية من الفتوحات.
بيد أن الشعراني قد ذكرها في «اليواقيت» بهذه العبارة:
وإيضاح ذلك: أن الله تبارك وتعالى لما أراد بدء ظهور العالم على حد ما سبق في علمه، انفعل العالم عن تلك الإرادة المقدسة بضرب من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية.
فحدث الهباء، وهو بمنزلة طرح البناء الجص ليفتتح فيه من الأشكال والصور ما شاء. وهذا أول موجود في العالم.
ثم إنه تعالى تجلى بنوره إلى ذلك الهباء، والعالم كله فيه بالقوة، فقبل منه كل شيء في ذلك الهباء على حسب قربه من النور، كقبول زوايا البيت نور السراج، فعلى حسب قربه من ذلك النور يشتد ضوءه وقبوله.
ولم يكن أحد أقرب إليه من حقيقة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، فكان أقرب قبولاً من جميع ما في ذلك الهباء. فكان صلى الله عليه [وآله] وسلم مبدأ ظهور العالم، وأول موجود.
قال الشيخ محيي الدين: وكان أقرب الناس إليه في ذلك الهباء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين. انتهى..([78]). (انتهى كلام الطهراني)..
وقال الشعراني:
«أخبرني العارف بالله تعالى، الشيخ أبو طاهر المزني الشاذلي (رضي الله عنه): أن جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين، مما يخالف ظاهر الشريعة، مدسوس»..
إلى أن قال:
«فلهذا تتبعت المسائل التي أشاعها الحسدة عنه، وأجبت عنها، لأن كتبه المروية لنا عنه بالسند الصحيح ليس فيها ذلك»..([79]).
ونقول:
إن لنا مع هذا الكلام عدة وقفات، نقتصر منها على ما يلي:
أولاً: إن قسماً كبيراً مما ذكرنا أنه يوضح لنا توجهات ابن عربي، وعقائده، ومذهبه، ليس مأخوذاً من كتاب الفتوحات، بل هو مأخوذ من كتاب «فصوص الحكم»، ومن كتاب «الوصايا»، ومن رسائله المختلفة.. وهو في حد نفسه كاف وواف في تبرئة ابن عربي من نسبة التشيع إليه، وإثبات أنه ملتزم بمذهب أهل السنة إلى حد التصلب والتعصب غير المبرر، خصوصاً حينما يصل الأمر إلى حد الخروج عن دائرة التوازن والصدق، في إعطاء المقامات لمن لا مبرر لنسبة أي شيء من ذلك إليهم..
ثانياً: لنفترض: أن كتاب الفتوحات قد حرف، وزيد عليه، ونقص منه، فمن الذي قال: إن يد التحريف، والزيادة أو النقيصة قد نالت خصوص المواضع التي تثبت تسننه، وتصلبه في نحلته التي ينتمي إليها.. أو نالت خصوص المواضع التي تثبت تشيعه.. وانتقاله عن مذهبه السابق إلى هذا المذهب الجديد..
إن إثبات ذلك يتوقف على اكتشاف وتحديد هوية ومذهب، وتوجهات من تولى تحريف ذلك الكتاب، ليمكن معرفة نوع التحريفات التي أعملها في كتابه، ولصالح من كانت تلك التحريفات؟.. فإنها إن كانت لا توافق مذهب الشعراني، وابن عربي، فليس بالضرورة أن تكون موافقة لمذهب الشيعة الإمامية..
ثالثاً: إنه إذا صح ما ذكروه، وإذا لم يمكن تحديد هوية من ارتكب جريمة التزوير، أو التحريف، وإذا كانت أغراض التحريف لا يمكن حصرها، فإن ذلك لا بد أن يستتبع سقوط جميع كتاب «الفتوحات» عن الاعتبار، ويستتبع أيضاً أن لا يصح نسبة شيء من مطالب الكتاب إلى ابن عربي على نحو الجزم والقطع.
فلا يصح بعد هذا أن يتمسك لإثبات تشيعه بالفقرة التي نقلها الفيض والشعراني، وفيها: أن الإمام علياً عليه السلام كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، والجامع لأسرار الأنبياء أجمعين..
رابعاً: إن الشعراني يدعي: أنه رأى في كتابه «الفتوحات المكية» ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة..
وكون علي عليه السلام إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين، مما يخالف عقائد أهل السنة، وهو مدسوس ـ عند الشعراني ـ في كتاب الفتوحات..
وقال: إنه ذاكر محمد بن أبي الطيب المدني، المتوفي سنة 955 في ذلك. قال:
«فأخرج لي نسخة من الفتوحات، التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئاً مما توقفت فيه، وحذفته..
فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة.. كما وقع ذلك في كتاب الفصوص وغيره» انتهى.
وهذا معناه: أن كل ما يوافق مذهب الشيعة قد دس في كتاب الفتوحات، وكتاب فصوص الحكم وغيرهما، وليس العكس.
واللافت هنا: أن ما ورد في كتاب الفتوحات، مما أزعج الشعراني، لا يشتمل على شيء من شأنه أن يحرج أهل السنة حسبما أوضحناه، إلا ما كان من خصوصيات مذهب التصوف، مثل قولهم بوحدة الوجود، أو بالحلول.. ونحو ذلك..
فلعل نكير الشعراني قد كان على هذا..
وما عدا ذلك، فإنه موافق لأهل السنة، فلا معنى للتوقف فيه إلا إن كان الشعراني ناصبياً، لا يطيق ذكر أهل البيت حتى في أدنى مستوى يذكرهم فيه أهل السنة، وليس هذا الأمر مما يعرف عنه، أو يعهد منه..
خامساً: حول ما ذكروه آنفاً من التحريف في نسبة إمام العصر، إلى الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، مع أن الصحيح أنه من ولد الحسين عليه السلام.
نقول: إن سقوط النقط من تحت الياء يجعل رسم الخط متشابهاً بين الحسن والحسين..
سادساً: بالنسبة للكلمة المنسوبة إلى ابن عربي حول أن النبي صلى الله عليه وآله هو أول ظاهر في الوجود، وأقرب الناس إليه علي عليه السلام إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين، نقول:
قد ذكرنا في فصل: تشيع ابن عربي دليل ونقد، ما يدل على أن ثمة شكوكاً كبيرة تحوم حول هذه الكلمة، وأن الظاهر هو أنهم قد استنتجوا ذلك من كلام ابن عربي، وأن هذه الاستفادة لم تكن موفقة.. فراجع جميع ما ذكرناه في ذلك الفصل، خصوصاً الفقرة التي بعنوان: «علي إمام العالم»..
الرافضي: إما كلب أو خنزير!!
واللافت: أن بعض المدافعين عن هذا الرجل، قد حاول التخلص من ورطة رؤية الرافضي بصورة خنزير، بلطائف وظرائف لا تكاد تخطر على قلب بشر.
بل إن الإنسان الأريب ليخجل من أن يحدث بها نفسه، فضلاً عن يوردها في كتابه كدليل يريد من خلاله إثبات مطلوبه!!
ونحن نذكر من ذلك: ما كان الأجدر بنا أن نغض الطرف عنه، لولا أننا نخشى أن يثير ذلك شبهة لدى البعض، بأن يثور لديه احتمال أن يكون لبعض ما ذكره حظ من الصحة، أو نصيب من المعقولية، فنقول:
إنه قد حاول الدفاع عن ابن عربي بالنسبة لكلامه هذا، من عدة وجوه، هي:
1 ـ الرافضة هم الخوارج!!
قد زعم هذا المدافع عن ابن عربي: أن مراد ذلك الناصبي بالروافض، ليس هو الشيعة، لا عموماً، ولا خصوص الإمامية منهم، بل المراد هو الخوارج!.. واستدل على ذلك بقوله:
«إنه يُشَاهَدُ في الكثير من عبارات العامة استخدامهم عبارة الروافض في خصوص الخوارج. لا في خصوص الشيعة، وهي حقيقة مشهودة لكل من يملك اطلاعاً على كتبهم في التاريخ والسير»([80]).
ونقول:
أولاً: ليتكرم علينا صاحب الفضيلة بشواهد من عبارات أهل السنة، قد أطلقوا فيها كلمة «الروافض» على الخوارج.
إننا نطالبه بذلك، لأننا لم نسمع في كل ما مضى من حياتنا ـ ولو لمرة واحدة ـ أن أحداً أطلق كلمة الروافض على الخوارج، ولاسيما في خلال الست مئة سنة التي كانت قد مضت على ظهور الخوارج والروافض، من أول الإسلام إلى ظهور ابن عربي..
نعم.. قد ي