الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

5- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية - الباب الخامس الإسم الذي يخص الإمام وصفاته وأحواله

http://www.ibnalarabi.com/video جرت الحكمة الإلهيّة في العالم أن يكون للخليفة عليه اسم يختصّ به وحده دون غيره لا سبيل إلى أن يتسمّى به أحد حتّى إذا ذكر تميّز وعرف ولم يعط اللفظ على مجرى العادة أن يفهم منه غير الإمام ولا عليه من بقيّة أسمائه ولو كانت ألفا بوقوع الاشتراك تأسّي بمن استخلفه وهو اللّه تعالى فإنّه سبحانه اختصّ باسم الألوهيّة حتّى إذا قال أحد اللّه لم يفهم من هذا الإطلاق سوى الفاعل سبحانه ألا ترى لمّا أنزل تعالى قوله اُعْبُدُوا اَللّهَ * لم يقولو وما اللّه ولمّا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُو ومَا اَلرَّحْمنُ قلنا إن ننظر أيّ اسم يختصّ به هذا الإمام نطلقه عليه فلم نجد شيئا إلاّ ما سمّاه به اللّه تعالى في قوله وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً وقد منع سبحانه أن يوجد منه في زمان واحد اثنان فحسم ذلك بقوله إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فلا تصحّ إقامة ملك بين مدبّرين وإن اتّخدت إرادتهما قال اللّه تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّهُ لَفَسَدَتا لأنّه قد يأمر أحد الخليفتين بعين ما ينهى عنه الآخر ولابدّ من امتثال أمر أحدهما إذ لا يسوغ امتثال الأمرين فإن تركوا عوقبو وإن أطاعوا أحدهما عاقبهم الآخر إذ بنفس ما يطيعون الواحد عصوا الآخر فعاقبهم من عصوه فوجب على من أطاعوه نصرتهم فأدّى ذلك إلى حروب وفتن تشغل عن تدبير الملك فيخرب فلهذا نصّ على خليفة واحدا عتراض فإن قيل قد سمعنا اللّه تعالى يقول وهُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلئِفَ اَلْأَرْضِ وقد قلت أنّه واحد شرعا فكيف الجمع فنقول إنّ سرّ الخلافة واحد وهو متوارث تتوارثه هذه الأشباح فإن ظهرت في شخص ما ما دام ذلك الشخص متّصفا به من المحال شرعا أن يوجد لذلك القبيل في ذلك الزمان بعينه في شخص آخر وإن ادّعاه أحد فهو باطل ودعواه مردودة وهو دجّال ذلك الزمان فإذا فقد ذلك الشخص انتقل ذلك السرّ إلى شخص آخر فانتقل معه اسم الخليفة فلهذا قيل خلائف فانظر في هذا الفصل فقد نبّهت فيه على أسرار لم أجرم على إيضاحها
تنبيه فإذا تقرّر هذا وثبت فينبغي لهذا الخليفة أن يتخلّق بأسماء من استخلفه حتّى يظهر ذلك في أخلاق رغيّته وفي أفعالهم وقد ذكرنا معنى التخلّق بالأسماء الربّانيّة في كتابنا المترجم بكشف المعنى عن سرّ أسماء اللّه الحسنى، يا أيّها السيّد الكريم حافظ على شريعتك واجعل ملكك خادما له ولا تعكس فيعكس عليك ولا تغفل عن النظر في كلّ حين في رعاية الأحكام الظاهرة والأسرار الباطنة المتولّدة عنها الّتي وهبها اللّه تعالى لك على طبقات العوالم الّذين ذكرناهم في الإنسان ثمّ يتدرّج الأمر إلى وزيرك فيكون على هذه الحالة إلى كتّابك إلى كلّ وال في مملكتك فعليك بكظم الغيظ وتوقير الكبير ورحمة الصغير ورؤية إحسان المحسن والغضّ عن إساءته والتغافل عن الزلّة والسّقطة ...
يا أيّها السيّد الكريم أصغ إلى سياسة مدنيّة من أخ شفيق عليك رفيق بك بل ينبغي لك عند ما تريد أن تبرز لأهل مملكتك وتظهر في عالمك المتّصل والمنفصل من عالم الملكوت والجبروت والشهادة فلتقدّم وزيرك العقل إلى جميع مملكتك يقم فيهم مقامك ويعرّفهم بتجلّيك لهم ويوقّر في نفوسهم من هيبتك وجلالك وعظيم سطوتك ما لا تنفر نفوسهم به عنك ويقرّر أيضا في قلوبهم من حنانك ولطفك ورحمتك وجودك وجسيم منّتك ما لا يؤدّيهم إلى الإدلال عليك فيلقونك في حدّ الاعتدال لا قانطين ولا مدلّين بل معتدلين إن أرادوا الانبساط عليك قبضهم ما وقر في نفوسهم من جبروتك وعظيم سطوتك وإن أرادوا الانقباض بسطهم ما وقر في نفوسهم من حنانك ورأفتك فهم في شهودك بين الخوف والرجاء في مقام الهيبة والأنس قد أمنوا العقاب وخافوا الإجلال، شعر:
كأنّما الطير منهم فوق أرؤسهم لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وهذا مقام لا يصحّ إلاّ في الطائفة الملكوتيّة والكروبيّة وأمّا من دونهم فمشاهدة العقاب تمنعهم من الإدلال قال اللّه تعالى يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ واَلْأَبْصارُ وقال يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، يا أيّها السيّد واجعل عقوبة من عصاك على قدر مرتبته منك وقرب منزلته ألا ترى أبا يزيد البسطاميّ رضه كيف أقام سنة ما سقى نفسه شربة ماء عقوبة لها حين امتنعت عليه لأمر أراده منها للّه تعالى تكملة حكميّة أيّها السيّد الكريم نزّه نفسك عن الدني وأوضارها واجعلها خادمة لك ولرعيّتك وما الدنيا إلى جانب منصبك الّذي أهلك اللّه إليه المقدّس عن تعلّق الكونين به فكيف عن الدنيا الّتي مقتها اللّه تعالى وما نظر إليها من حين خلقه وناهيك من تشبيه النبىّ صلعم إيّاها بالجيفة والمزبلة مع إخباره أنّها لا تساوى عند اللّه جناح بعوضة وأنّها ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ما كان من ذكر اللّه فيحمل بهمّة خليفة مثلك قد خلقه اللّه نورا جوهرة يتيمة أن يلحظ ببصره وبطرفه إلى جيفة ومزبلة ويتكالب عليه وقد قال تعالى يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمى من خدمك فالدنيا وفّقك اللّه تطلبك حتّى توفّيك ما قدّره لك من استخلفك من جاهك ورزقك وأرزاق رعيّتك
... فإذا تقرّر هذا فإنّى أضرب لك مثالا لمن لم يفهم من عمّالك وولاتك فيما تقدّم من طلب الرزق الّذي لا بدّ منه مثلك في طلب الدني والإعراض عنه والقوت منه والحقّ سبحانه وللّه المثل الأعلى رجل صرف وجهه للشمس فرجع ظلّه خلفه فقصد نحو الشمس فاتّبعه ظلّه ولم يلحقه ولا نال منه إلاّ ما حصل تحت قدميه وفي الاستواء أعنى استواء الشمس في قبّة الفلك على رأس الرجل سرّ لا ينكشف ولا نودعه كتاب وهو موجود في قوله تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ثمّ نرجع إلى المثال فنقول ثمّ هذا الرجل إن أقبل بوجهه على ظلّه واستدبر الشمس وجرى ليلحق ظلّه فلا هو يلحق الظلّ وقد فاته حظّه من الشمس وهم الّذين قال اللّه جلّ اسمه فيهم اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وما لحق من الظلّ إلاّ ما تحت قدميه وهو الحاصل له في استدباره الظلّ فأنت ذلك الرجل والشمس وجود الحقّ والظلّ الدني وما حصل تحت قدميك القوت الّذي لا بدّ منه
...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163396 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889501 مرة منذ .