الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية - من فصوص الحكم وخصوص الكلم للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية – وهو آخرالفصوص
إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بُدِئَ به الأمر وختم : فكان نبي وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين.
وأولُ الأفراد الثلاثةُ، وما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها.
فكان عليه السلام أدلَّ دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسمّيات أسماء آدم، فأشبه الدليل في تثليثه، والدليل دليل‏ لنفسه .
ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة ، لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات «حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث» بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة.
فابتدأ بذكر النساء وأخَّر الصلاة، وذلك لأن‏ المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها.
ومعرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه.
لذلك قال عليه السلام «من عرف نفسه عرف‏ ربه».
فإن شئت قلت بمنْع المعرفة في هذا الخبر والعجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، و إن شئت قلت بثبوت المعرفة.
فالأول أن تعرفَ أنَّ نفسك لا تعرفها فلا تعرف ربك: والثاني أن تعرفها فتعرف ربك.
فكان محمد صلى اللَّه عليه وسلم أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه فافهم .
فإنما حُبِّب إليه النساء فحنَّ إليهن لأنه من باب حنين‏ الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»*.
ثم وصف‏ نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين‏ «يا داود إني أشد شوقاً إليهم» يعني المشتاقين إليه.
وهو لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدَّجَّال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلا بد من الشوق لمن هذه صفته.
فشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم فيحبُ‏ أن يروه ويأبى المقام ذلك.
فأشبه قوله‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» مع‏ كونه عالماً.
فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لا وجود لهألا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التردد وهو من هذا الباب «ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي‏ المؤمن يكره الموت وأكره‏ مساءته ولا بد له من لقائي». فَبشَّرَه‏ وما قال له لا بد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت.
...
فحركة الإنسان مستقيمة، وحركة الحيوان أفقية، وحركة النبات منكوسة، وليس للجماد حركة من ذاته: فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره.
وأما قوله «و جعلت قرة عيني في الصلاة- ولم‏ ينسب الجعل إلى نفسه- فإنَّ تجلي الحق للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي: فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه لأمره بالصلاة على غير تجل منه له.
فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان، كانت المشاهدة بطريق الامتنان. فقال وجعلت قرة عيني في الصلاة.
وليس إلا مشاهدة المحبوب‏ التي تقرُّ بها عين المحب، من الاستقرار : فتستقر العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شي‏ء غيره في شي‏ء وفي غير شي‏ء .
ولذلك نُهِيَ عن الالتفات في الصلاة، وأن الالتفات شي‏ء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه. بل لو كان محبوبَ هذا الملتفت، ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه.
والإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا، فإن «الإنسان‏ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ولَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ».
فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه، لأن الشي‏ء لا يجهل حاله فإن حاله له ذوقي.
ثم إن مسمى الصلاة له قسمة أخرى، فإنه تعالى أمرنا أن نصلي له وأخبرنا أنه يصلي علينا. فالصلاة من ومنه.
فإذا كان هو المصلي فإنما يصلي باسمه الآخِر، فيتأخر عن وجود العبد: وهو عين الحق الذي يخلقه‏ العبد في قلبه بنظره الفكري وبتقليده وهو الإله‏ المعتَقَد.
ويتنوع بحسب ما قام بذلك المحل من الاستعداد كما قال الجنيد حين سئل عن المعرفة باللَّه والعارف فقال لون الماء لون إنائه.
وهو جواب سادّ أخبر عن الأمر بما هو عليه. فهذا هو اللَّه الذي يصلي علينا. وإذا صلينا نحن كان لنا الاسم الآخر فكنا فيه‏ كما ذكرنا في حال من له هذا الاسم، فنكون عنده‏ بحسب حالنا، فلا ينظُرُ إلينألا بصورة ما جئناه‏ بها فإن المصلي هو المتأخر عن السابق في الحلبة .
وقوله‏ «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ» أي رتبته في التأخر في عبادته ربه، وتسبيحه الذي يعطيه من التنزيه استعداده، فما من شي‏ء إل وهو يسبح بحمد ربه الحليم‏ الغفور.
ولذلك لا يُفْقَه‏ تسبيح العالم على التفصيل واحداً واحداً.
وثمَّ مرتبة يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بحمد ذلك الشي‏ء.
فالضمير الذي في قوله «بحمده» يعود على الشي‏ء أي بالثناء الذي يكون عليه كما قلنا في المعتقد إنه إنما يثني على الإله الذي في معتقده وربط به نفسه.
وما كان من عمله فهو راجع إليه، فما أثنى إلا على نفسه، فإنه مَنْ مَدَحَ الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك، فإن حسنه وعدم حسنها راجع إلى صانعها. وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه، فهو صنعه: فثناؤه على ما اعتقده ثناؤه على نفسه.
ولهذا يَذُمُّ معتَقَد غيره، ولو أنصف لم يكن له ذلك.
إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه على غيره فيما اعتقده‏ في اللَّه، إذ لو عرف ما قال الجنيد لون الماء لون إنائه لسلّم لكل ذي اعتقاد ما اعتقده، وعرف اللَّه في كل صورة وكل مُعتَقَد.
فهو ظان‏ ليس بعالِم، ولذلك‏ قال‏ «انا عند ظن عبدي بي» لا أظهر له إلا في صورة معتقده: فإن شاء أطلق وإن شاء قيَّد. فإله‏ المعتقدات تأخذه الحدود وهو الإله الذي وسعه قلب عبده، فإن الإله المطلق لا يسعه شي‏ء لأنه عين الأشياء وعين نفسه: والشي‏ء لا يقال فيه يسع نفسه ولألا يسعها فافهم‏ واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
تم بحمد اللَّه وعونه وحسن توفيقه، والحمد للَّه وحده وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وكان الفراغ منه في عاشر شهر جمادي الآخرة سنة تسع وثلاثين وثمانمائة أحسن اللَّه عاقبتها بمحمد وآله آمين.

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163364 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889455 مرة منذ .