الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

16- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية - الباب السادس عشر الغذاء الروحاني على فصول السنة

اعلم أن الغذاء سبب إلهى موضوع لبقاء كل متغذ لا غناء له عنه وما بقي بينن وبين الطبيعيين إلا في الأشياء التي اعتدت غذاء فنحن نجوز عدمه وترك استعمالها الشهور والسنين مع بقاء الحياة في المتغذى ببقاء الحرارة والرطوبة الذي هو طبع الحياة بصورة ما فما دام الحق يغذيه بخلق الحياة فيه بقي وهم يرون هذه الأطعمة التي هي عندهم أسباب وجود الحياة وهذا الفصل لا يحتاج إلى الكلام مع المخالفين فيه فإن طريق التصوف ليس مبنيا على مجادلة المخالفين لأنهم في عين الجمع مشغولين بقلوبهم مع الله كيف ينبغي أن يكون فاعلم أن فصل الربيع حار رطب وهو طبع الحياة وأن النفس تنشط فيه للحركة والإسفار والفرج والنزهات فإن ذلك زمان الحركة الطبيعية في جميع الحيوانات والنباتات فتهتز النفس الحيوانية لذلك فإن سامحها المريد أخطأ فالله الله أيها السيد الكريم إذا أعطى الزمان شيئا بطبعه ورأيت بعض أهل مملكتك يشاكل طبعه ذلك فلا تتركه وطبعه ولكن مر وزيرك العقل يأمر خديمه الفكر يأخذ من القوة الحافظة ما عندها من الأمور الشرعية مثل قوله تعالى إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقوله تعالى فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج وقوله حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وجعل ذلك حياتها فتكون حركة المريد في هذا الفصل الربيعى في طلب الغذاء الذي يوافق هذا الزمان فيأخذ من أسرار المعاملات ما ليس للنفس فيها تلك المجاهدة الشاقة فتشرع في السنن والشرعيات التي تعطيها المقامات العلمية مع عدم الشدة والضيق كالاعتبارات والأفكار في المصنوعات وإجالة البصيرة على شهود الصانع عند إجالة البصر في المصنوعات فإذا تحققت بهذا النظر سامحها في الخروج إلى الفرج والأنهار والمروج ومواضع النواوير والأزهار من الجبال والغياض فلا تزال تجنى ثمرة الاعتبار والفكر والاستبصار على كثرة ما شاهدته من عوالم الأزهار والنوار في الجبال والقفار وشواطئ الأنهار والتفكر في الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه فإن زمان الربيع زمانه وهي الدار الحيوان فهي حارة رطبة طبع الحياة فإذا فكر في هذا كله حرصه على الأعمال وهون عليه شدائدها لعظيم ما يرجوه من النعيم الدائم عند الله فهذا هو زمان الشباب والاقتبال وليس آخره كأوله وأما زمان القيظ فهو حار يابس طبع النار فينبغي لك أن يكون الغالب عليك أيها السيد في هذا الفصل الفكر في حال الشيخوخة والضعف عن الأعمال التي لا يقدر عليها من كبر سنه والفكر في جهنم وشدته وسعيره وتنظر في آية قوله وإذا الجحيم سعرت وتفكر في حر القيمة وعطشه وطرد الناس عن الحوض وإلجام العرق فأمثال هذا ينبغي أن يكون غذاء نفسك في هذا الفصل فإنه يلائمه للالتحاق بالعالم السعادى هذه حالة جيدة وأما زمان الخريف وهو الفصل الثالث فهو بارد يابس وهذا طبع الموت فينبغي أن يكون الغالب عليك في هذا الفصل في غذائك التفكر في الموت وسكراته وغمراته وهل يختم لك بالتوحيد وبالشرك وما تلقاه من خصميك ومن نزع الملك روحك الطيبة والخبيثة وهل يفتح لك باب السماء ول وهل تكون عند موتك في عليين وفي سجين وأن ذلك أول موطن من ولادة الآخرة وأن الدنيا اليوم حاملة بك وهذا الجسم كالمشيمة للمولود وبالموت تقع الولادة لهذا قال والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ل تعلمون شيئا وكذلك أنت اليوم بالإضافة إلى ما يفتح لك من علوم الآخرة وما تعاينه وما أعد الله لعبيده من الوعد والوعيد فمثل هذا الفكر يكون الغالب عليك في زمان الخريف وأما زمان الشتاء فإنه بارد رطب وهو طبع البرزخ فينبغي أن يكون غذاؤك في هذا الزمان التفكر في البرزخ بين المنزلتين هل أنت ممن يعرض على النار غدوا وعشيا كآل فرعون وممن يعرض على الجنان تعلف من رياض الجنة وتتبوأ منها حيث شئت كالمؤمنين وتفكر في الحسرة المستصحبة لك في البرزخ على ما ضيعت من الأنفاس والأوقات إما في المخالفات وفي المباحات فتتمنى في ذلك الوقت أن يردك الله إلى الدني وليس ذلك التمني بنافع وليس الله برادك فتكثر حسراتك وتتوالى عليك زفراتك فإذا تيقنت بالفكر الصحيح والعلم الراسخ أن ذلك وقت الحسرة والتغابن ولا ينفعك فيحرضك على الجد والاجتهاد في هذا الوقت في حياتك الدنيا حيث ينفعك حسرتك إن حسرت وتوبتك إن تبت وندمك إن ندمت كما قال تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وقال تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن فإن ذلك الجزء من الحياة الدنيا ليس منه وإنما هو من البرزخ من الدار التي لا ينفع فيها ما عمل فيها فليكن غذاء نفسك هذا الغذاء في هذا الفصل فإنه نافعك إن شاء الله فإذا جمعت بين الغذاءين فقد صح جسمك للمعاملات وصح عقلك للواردات وكنت في كل زمان صاحب علم وعمل وهو الذي حرضك الشرع عليه وأمرك به وندبك إليه فإسع أيها السيد في نجاة نفسك ونجاة رعيتك واعلم أن أهل دولتك إن عاشرتهم في الدنيا بالحق والعدل والإنصاف وتمشيت بهم على الطريقة الواضحة الشرعية فإن الله تعالى يقيمهم يوم القيمة شهداء لك بالعدل وحسن النقيبة والسيرة والمعاشرة وإن عدلت بهم إلى طريق المخالفات والمحظورات انعكس عليك وأوقفهم الحق يوم القيمة شهداء عليك بقبح السيرة وسوء المعاشرة فالله الله تحفظ قال الله تعالى اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون وقال يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقال إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وكما أنه لكل فصل من فصول السنة علل وأمراض تحدث فيها في الأبدان وعلى حسب السن كذلك يكون في الروحانيين علل فلتنظر إلى الأغذية الروحانية التي رسمنا لك في كل فصل فإن الشيء الذي يحول بينك وبين تناوله والأخذ فيها فهو علتك في ذلك كائنا ما كان من غير تعيين أنت تعينه لنفسك فإنك تدري السبب الذي حال بينك وبين أخذ هذا الغذاء الذي فيه حياتك وصحتك وبقاؤك وإنما ذكرنا العلوم في الأغذية وسكتنا عن الأعمال ولم نجعل العمل غذاء فإن العمل لا يجي ء به الروح وإنما يجي ء بالعلم الإلهي والعلم الإلهي لا يظهر إلا بالعمل فإذا أمرتك باكتساب هذه العلوم الإلهية ...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194428 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1138946 مرة منذ .