الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

17- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية - الباب السابع عشر خواص الأسرار المودعة في الإنسان

اعلموا يا أصحاب القلوب المتعطشة إلى أسرار الغيوب أنه لا أضيف شيء إلى شيء بأي وجه كان من وجوه الإضافات من إضافة تشريف واختصاص وملك واستحقاق ولا دل دليل على مدلول ولا رأى راء لمرئى ولا سمع سامع لسموع إلا لمناسبة غير أنه قد تظهر فتعرف لقربه وقد تخفى فتجهل لبعده وهي على قسمين ظاهرة وباطنة فالظاهرة يعرفها أهل الظاهر إذا نظروا وحققوا والباطنة لا تعرف أبدا بالنظر فإن معرفتها موقوفة على الوهب الإلهي وهذا هو طورالنبوة والولاية والفصل بينهما لا خفاء به فإن النبى صلعم متبوع تابعه الولى ومقتبس من مشكاته وبظاهر من ضرب المناسبة الظاهرة ووقوع الخطاب تثبت العقائد التي تعمد الخلق بها فقالوا االله موجود ونحن موجودون فلو لا معرفتنا بوجودنا ما عرفتنا معنى الوجود حتى نقول أن الباري موجود وكذلك لما خلق فينا صفة العلم أثبتنا له العلم وأنه عالم وهكذا الحياة بحياتنا والسمع والبصر والكلام بكلام نفوسنا لا بأصواتنا وحروفنا والقدرة والإرادة وكذلك سائر الأسماء كلها من الغنى والكرم والجود والعفو والرحمة كلها موجودة عندنا فلما سمى لنا نفسه بها عقلناها فما عقلنا منها غير ما أوجده فين وما عدا ذلك فعلمنا به من جهة السلب وهو ليس كالقدم ليس بصفة إثبات وإنما معناه لا أول له في وجوده فتعلق العلم بنفي الأولية عنه وعلمناها أيضا فإن الأولية موجودة عندنا حقيقة والنفي عندنا معلوم منا بفقد أشياء منا بعد وجوده فينا أوضحها انتقالها من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان ومن نظر إلى نظر فقد عرفنا حقيقة النفي وحقيقة الأولية ثم حملنا النفي على الأولية ووصفنا الحق به وهي صفة سلب وقد يعلم الشي ء بنظيره وبضده وقال عم من عرف نفسه عرف ربه فأثبت له من الصفات ما خلق فى لا غير فهذه معرفة و نفيه معرفة السلب التي بها امتاز عنا فأخذنا الصفات التي ثبت بها حدوثنا وعبوديتنا وإخراجنا من العدم إلى الوجود ونفيناها عنه ولم نجد له صفة إثبات معينة ليست عندنا نعرفه بها لكن نعرف أنه على حكم ليس نحن عليه ثابت له فلو لا هذه المناسبة ما صحت لنا عقيدة وما عرفناه أصلا ثم بعد هذ وإن عرفناه بما وصفنا فإن هذه الصفات في حقنا تعقبها الآفات والأضداد وهي له باقية لا يعقبها ضد ولا آفة وعرفنا هذا ببقائنا عليها زمانين فصاعدا فقد عرفنا صفة البقاء فأصحبناه تلك الصفة النزيهة المقدسة وهذا الباب يطول وأوضحناه بيناه في كتاب إنشاء الجداول وهو كتاب شريف بينت فيه المعارف بالأشكال ليقرب إلى الأفهام فهذا ضرب من المناسبة الظاهرة والمضاهاة في الحضرة الإلهية و أما المناسبة الباطنة فوكلناك فيها إلى نفسك فإنها تدرك بالمجاهدات في المشاهدات وبقيت لنا المضاهاة الثانية التي بين الإنسان والعالم وقد بسطنا القول فيه في أكثر كتبن ولنذكر منه هاهنا فصلا قريب جامعا يحوى على كلياته وأجناسه وأمرائه الذين لهم التأثير في غيرهم ولو ما قصدنا في كتابنا هذا طريق الإشارة والتنبيه لضربنا له دوائر على صور الأفلاك وترتيبه ونجعل لكل فلك في العالم ما يقابلها من الإنسان بخاصية ذلك الفلك ويدور الخلق كله على أربعة عوالم العالم الأعلى وعالم الاستحالة وعالم عمارة الأمكنة وعالم النسب ولكل واحدمن هؤلاء العوالم غاية فجميع ما يحتوي عليه العالم الأعلى من العالم الكبير عشرون حقيقة وعالم الاستحالة خمس عشرة حقيقة وعالم عمارة الأمكنة أربع حقائق وعالم النسب عشر حقائق وهي كلها في الإنسان موجودة وهذه هي الأمهات وهي تسع وأربعون حقيقة و كذلك الإنسان فالعالم محصور في ثمان وتسعين حقيقة مما يقتضيه خلقه ثم زاد الإنسان على العالم بالسر الإلهي المبثوث فيه الذي صح له به الاستخلاف وتسخير ما في السموات وما في الأرض فجاء الأمر كله تسع وتسعين حقيقة من أحصاها دخل الجنة و الموفى مائة المهيمن على كل شي ء وهو الحق فالوجود كله مائة الموفى مائة منها الاسم الأعظم وكذلك الجنة مائة درجة الموفى مائة منها جنة الكثيب الذي ليس فيه نعيم إلا الرؤية وليس لمخلوق فيه الدخول إلا وقت النظر هو حضرة الحق وهذه أسرار عجيبة نبهناك عليها لتعرف منزلتك من الموجودات وإن النار مائة درك والموفي مائة منها درك الحجاب وهو محل المشاهد إذا ارتد ورجع فإنه يهوى في جهنم وينزل في دركاتها على مقابلة الدرج التي سقط منها فأعلى عليين يقابل أسفل سافلين قال الله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فما بعده أحسن منه ثم رددناه أسفل سافلين فما بعده أسفل منه ثم نرجع ونقول فأما العالم الأعلى فأعلاه لطيفة الاستواء وهي الحقيقة الكلية المحمدية وفلكها الحياة ينظر إليها من الإنسان لطيفته والروح القدسى ثم في العالم العرش ينظر إليه من الإنسان الجسم ثم في العالم الكرسى بنجومه ينظر إليه من الإنسان النفس بقواه وكما كان موضع القدمين فكذلك النفس محل الأمر والنهى والمدح والذم ثم في العالم البيت المعمور ينظر إليه من الإنسان القلب ثم في العالم الملائكة ينظر إليها من الإنسان أرواحه والمراتب كالمراتب ثم في العالم زحل وفلكه ينظر إليهما من الإنسان القوة الذاكرة ومؤخر الدماغ ثم في العالم المشترى وفلكه ينظر إليهما من الإنسان القوة العاقلة واليافوخ ثم في العالم الأحمر وفلكه ينظر إليهما من الإنسان القوة الغضبية والكبد ثم في العالم الشمس وفلكها ينظر إليهما من الإنسان القوة المفكرة ووسط الدماغ ثم في العالم الزهرة وفلكها ينظر إليهما من الإنسان القوة الوهمية والروح الحيوانى ثم في العالم عطارد وفلكه ينظر إليهما من الإنسان القوة الخيالية ومقدم الدماغ ثم في العالم القمر وفلكه ينظر إليهما من الإنسان القوة الحسية والحواس فهذه طبقات العالم الأعلى ونظائره من الإنسان وأما عالم الاستحالة فمنه الفلك الأثير وروحه الحرارة واليبوسة ينظر إليهما من الإنسان الصفراء وروحها القوة الهاضمة ثم في العالم فلك الهواء وروحه الحرارة والرطوبة ينظر إليهما من الإنسان الدم وروحه القوة الجاذبة ثم في العالم فلك الماء وروحه البرودة والرطوبة ينظر إليهما من الإنسان البلغم وروحه القوة الدافعة ثم في العالم فلك التراب وروحه البرودة واليبوسة ينظر أيهما من الإنسان السوداء ...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194473 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1139233 مرة منذ .