الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

3-4- قراءة في كتاب الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي - المقدمة - اعتقاد أهل الاختصاص

الجزء الأخير من المقدمة – تتضمن المسائل الأساسية في علم الكلام من وجهة نظر أهل التحقيق
مسألة (1) (حدود العقل)
أما بعد فإن للعقول حدا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة (فالعقل محدود في إبراز المعقول وغير محدود في الشهود وسماع المنقول)، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا قد لا يستحيل نسبة إلهٰية، كما نقول فيما يجوز عقلا قد يستحيل نسبة إلهٰٰية (لأن العقل لا يحكم إلا على ما دونه).
مسألة (2) (أية مناسبة بين الحق والخلق)
أية مناسبة بين الحق الواجب الوجود بذاته وبين الممكن، وإن كان واجبا به، عند من يقول بذٰلك لاقتضاء الذات أو لاقتضاء العلم ومآخذها الفكرية إنما تقوم صحيحة من البراهين الوجودية، ولا بد بين الدليل والمدلول والبرهان والمبرهن عليه من وجه به يكون التعلق له نسبة إلى الدليل ونسبة إلى المدلول عليه بذٰلك الدليل، ولولا ذٰلك الوجه ما وصل دال إلى مدلول دليله أبدا. فلا يصح أن يجتمع الخلق والحق في وجه أبدا من حيث الذات، لكن من حيث أن هذه الذات منعوتة بالألوهة فهٰذا حكم آخر تستقل العقول بإدراكه، وكل ما يستقل العقل بإدراكه عندنا يمكن أن يتقدم العلم به على شهوده، وذات الحق تعالى بائنة عن هٰذا الحكم؛ فإن شهودها يتقدم على العلم بها، بل تشهد ولا تعلم، كما أن الألولهة تعلم ولا تشهد، والذات تقابلها.
وكم من عاقل ممن يدعي العقل الرصين من العلماء النظار يقول أنه حصل على معرفة الذات من حيث النظر الفكري وهو غالط في ذٰلك، وذٰلك لأنه متردد بفكره بين السلب والإثبات؛ فالإثبات راجع إليه، فإنه ما أثبت للحق الناظر إلا ما هو الناظر عليه من كونه عالما قادرا مريدا إلى جميع الأسماء، والسلب راجع إلى العدم والنفي لا يكون صفة ذاتية، لأن الصفات الذاتية للموجودات إنما هي ثبوتية؛ فما حصل لهٰذا المفكر المتردد بين الإثبات والسلب من العلم بالله شيء.
مسألة (3) (معرفة المطلق)
أنى للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه! وكيف يمكن أن يصل الممكن إلى معرفة الواجب بالذات وما من وجه للممكن إلا ويجوز عليه العدم والدثور والافتقار، فلو جمع بين الواجب بذاته وبين الممكن وجه لجاز على الواجب ما جاز على الممكن من ذٰلك الوجه من الدثور والافتقار، وهٰذا في حق الواجب محال؛ فإثبات وجه جامع بين الواجب والممكن محال، فإن وجوه الممكن تابعة له، وهو في نفسه يجوز عليه العدم، فتوابعه أحرى وأحق بهٰذا الحكم، وثبت للممكن ما ثبت للواجب بالذات من ذٰلك الوجه الجامع، وما ثم شيء ثبت للممكن من حيث ما هو ثابت للواجب بالذات؛ فوجود وجه جامع بين الممكن والواجب بالذات محال.
مسألة (4) (أحكام الألوهة)
لكني أقول إن للألوهة أحكاما وإن كانت (هي نفسها) حكما، وفي صور هذه الأحكام يقع التجلي في الدار الآخرة حيث كان؛ فإنه قد اختلف في رؤية النبي عليه السلام ربه كما ذكر، وقد جاء حديث النور الأعظم في رفرف الدر والياقوت، وغير ذٰلك.
....
مسألة (62) (علم الممكن بموجده)
أعلم الممكنات لا يعلم موجده إلا من حيث هو (الممكن)، فنفسه علم، و(علم) من هو موجود عنه (أي علم نفسه هو وعلم أنه موجود عن موجده، ولكن لم يعلم موجده) غير ذٰلك لا يصح لأن العلم بالشيء يؤذن بالإحاطة به والفراغ منه، وهٰذا في ذٰلك الجناب محال، فالعلم به محال. ولا يصح أن يعلم (بعضا) منه لأنه لا يتبعض، فلم يبق العلم إلا بما يكون منه، وما يكون منه هو أنت، فأنت المعلوم. فإن قيل: علمنا بـ"ليس هو كذا" (من النعوت السلبية، هو) علم به، قلنا (إنها فقط) نعوتك (هي التي) جردته عنها لما يقتضيه الدليل من نفي المشاركة (في الصفات بينك وبينه) فتميزت أنت عندك عن ذات مجهولة لك من حيث ما هي معلومة لنفسها، ما (أي ليست) هي (التي) تميزت لك لعدم الصفات الثبوتية التي لها في نفسها. فافهم ما علمت ﴿وقل رب زدني علما﴾ [20-طه: 114].
لو علمته لم يكن هو (ضمير الغائب)، ولو جهلك لم تكن أنت (المخاطب، لأنك موجود في علمه تعالى)؛ فبعلمه أوجدك وبعجزك عبدته. فهو هو لهو (أي لذاته) لا لك، وأنت أنت لأنت وله، فأنت مرتبط به ما هو مرتبط بك. (ومثال ذٰلك: ) الدائرة مطلقة مرتبطة بالنقطة (سواء التي في مركزها أو النقاط التي على محيطها، حيث لا تكون دائرة بدون ذٰلك)، (و)النقطة مطلقة ليست مرتبطة بالدائرة، (بل) نقطة الدائرة (عند إضافتها لها) مرتبطة بالدائرة. كذٰلك الذات مطلقة ليست مرتبطة بك، (بل) ألوهية الذات (هي التي تكون) مرتبطة بالمألوه (وليست الذات نفسها من حيث ذاتها) كنقطة الدائرة. (فنحن لا نعلم الله تعالى إلا من كونه إلهٰا، لا من حيث ذاته سبحانه وتعالى).
مسألة (63) (الرؤية والعلم)
متعلق رؤيتنا الحق ذاته سبحانه، ومتعلق علمنا به إثباته إلهٰا بالإضافات والسلوب؛ فاختلف المتعلق، فلا يقال في الرؤية أنها مزيد وضوح في العلم لاختلاف المتعلق، وإن كان وجوده عين ماهيته، فلا ننكر أن معقولية الذات غير معقولية كونها موجودة.
مسألة (64) (الخير المحض والشر المحض)
إن العدم هو الشر المحض. لم يعقل بعض الناس حقيقة هٰذا الكلام لغموضه، وهو قول المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين، لكن أطلقوا هذه اللفظة ولم يوضحوا معناها. وقد قال لنا بعض سفراء الحق في منازلة في الظلمة والنور أن الخير في الوجود والشر في العدم، في كلام طويل، علمنا (منه) أن الحق تعالى له إطلاق الوجود من غير تقييد، وهو الخير المحض الذي لا شر فيه، فيقابله إطلاق العدم الذي هو الشر المحض الذي لا خير فيه. فهٰذا هو معنى قولهم أن العدم هو الشر المحض.
مسألة (65) (إطلاق الجواز على الله)
لا يقال من جهة الحقيقة أن الله جائز أن يوجد أمرا ما وجائز أن لا يوجده، فإن فعله (تعالى) للأشياء ليس بممكن (فعله أو عدم فعله) بالنظر إليه، ولا بإيجاب موجب (عليه)، ولكن يقال: ذٰلك الأمر (الممكن) جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد؛ فيفتقر (الممكن) إلى مرجح وهو الله تعالى. وقد تقصينا الشريعة فما رأينا فيها ما يناقض ما قلناه.
فالذي نقول في الحق إنه تعالى يجب له كذا ويستحيل عليه كذا، لا نقول: يجوز عليه كذا.
فهذه عقيدة أهل الاختصاص من أهل الله.
...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194654 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1139909 مرة منذ .