الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

7- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية - الباب السابع في الوزير وهو العقل وصفاته

جرى التدبير الربّانىّ الحكمىّ في العادة أن لا يستقيم أمر ملك في ملكه إلاّ بوزير يدبّره يكون واسطة بين المالك والمملوك ولذلك اقتضت الحكمة لمّا أبرزنا هذا الخليفة المذكور أن نجعل له وزيرا يسمّى عقل وعليه يتوجّه الخطاب من اللّه تعالى إذ هو مدبّر المملكة قال اللّه تبارك وتعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي اَلْأَلْبابِ ولِأُولِي اَلنُّهى*،إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي عقل وأَلْقَى اَلسَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ أي عقيل فأوجد اللّه سبحانه لهذا الإمام هذا الوزير الّذي يقال له العقل
...
وهذا موجود في سرّ روحانيّة القمر والشمس ألا ترى القمر إذا حصل في قبضة الشمس ليس له نور ولا ظهور لاستيلاء الشمس عليه فإذا كانت الليالي البيض كان له الظهور التامّ بمغيب الشمس عن مرأى أعين الناظرين فالقمر في ذلك الوقت يشاهد الشمس والعالم والناس لا يشاهدون إلاّ القمر وهذا سرّ عجيب وهذا باب عظيم للحقائق فيه مجال وانفساح ولأرباب القلوب فيه اعتبار بيّن اندماج واتّضاح لأنّ الحكمة غريبة في إبداره عملى قدر سراره ثلثا بثلث وقد ذكرنا هذا السرّ في غير هذا الموضع مستوفى في كتاب المثلّثات لن وحظّه من الكتاب العزيزقُلْ أَعُوذُبِرَبِّ اَلنّاسِ `مَلِكِ اَلنّاسِ `إِلهِ اَلنّاسِ وكان شيخنا أبو مدين رضه ما حصل له من سرّ الوجود عند التجلّى المحمّدىّ إلاّ مقام مَلِكِ اَلنّاسِ ولهذا كان يصرّح بأنّ سورته من القرآن تبارك الّذي بيده الملك ومقام إِلهِ اَلنّاسِ انفرد به القطب ولذلك كان أبو مدين أحد الإمامين الموجودين في العالم ثمّ نرجع ونقول فلمّا أبدع بنيته وسوّى جوهريّته أودع فيه حسن التدبير والسياسة وجميع الأمور الائقة بالمملكة من مقامه إلى أدنى موجود من رعيّته وعلى هذا المهيع وردت الشرائع ثمّ نقش سبحانه جميع العلوم في جوهر ذاته فصار محلاّ للعلوم مع أنّه لا يدرى أين يصرّفه ولا الحالات الّتي يصرّفها فيهاو ذلك حكمة منه تعالى ليكون مضطرّا إلى الخليفة كما فعل بالخليفة فيما تقدّم عارفا بنفسه وقدره وعارفا بمخدومه الّذي أوجده من أجله ثمّ أقعد سبحانه الخليفة على عرش الوحدانيّة وردّاه برداء الفردانيّة وحلاّه بالصفات الإلهيّة فاكتسى من الإجلال والهيبة والعظمة ما لو ظهر لعالم الشهادة منها مقدار سمّ الخياط لبهرهم وصعقوا من حسّهم وسلبوا عن نفوسهم وهذا مقام الخليفة فكيف بنا بمشاهدة الحقّ سبحانه في دار الكرامة فانظر وفّقك اللّه ما أعظم هذه القوّة العجيبة الّتي يؤيّدنا اللّه بها في إدراكنا عند النظر إليه جلّ جلاله في الدار الآخرة فلمّا قام الخليفة في هذا المقام أدخل عليه العقل فلمّا دخل عليه تجلّت صورة العقل في جوهريّته في ذات الخليفة فلاحت له الأسرار والعلوم المنقوشة فيه والناس يغلطون في هذا المقام فيطلبون من خارج ما هو فيهم فيتعبون ولو وقفوا عند قوله تعالى وفِي أَنْفُسِكُمْ فَل تُبْصِرُونَ لاستراحوا، شعر قد يرحل المرء لمطلوبه والسبب المطلوب في الراحل فإذا أراد العقل معرفة شي ء في تدبير الملك وإصلاحه افتقر عند ذلك إلى مشاهدة الإمام فعند المشاهدة يلوح له المراد فيه فيقوم له التجلّى منزلة الخطاب من الملك إلى الوزير إذ المراد حصول العلم وبهذا يعبّر عن مخاطبة المعقولات فإنّهم ليسوا بأجسام تكون فيها أصوات وحروف وإذا لم تكن أصوات وحروف ورقوم إلى غير ذلك من الدلائل فلك أن تنظر إلى ما يؤدّى إليه تلك الأدلّة من الأصوات وغيرها في قلب السامع فهو حصول المعنى وهو أثر الكلام من المخاطب فكذلك إذا حصل للعقل آثار العلوم في قلبه من فيض الروح الكلّى عبّرنا عنه بالكلام والقول والخطاب فلمّا أوجده على هذه الصفة جعل مسكنه الدماغ ليشرف على أقطار المملكة وأن يكون قريبا من خزانة الخيال الّتي هي مستقرّ جبايات البادية وقريبا من خزانة الفكر والحفظ حتّى يقرب عليه النظر في جميع مهمّاته فينبغي لك أيّها الخليفة الأكرم أن تحافظ على وزيرك وتسايسه وتتحبّب إليه فإنّ في بقاءه صلاح ملكك ومدينتك ألا ترى إذا اتّفق في العقل شي ء وهلك بفساد محلّه كيف تخرب مدينة الجسم ولا يقدر الروح على تلفيقها فحافظ على الوزير حفظك على نفسك فهو يدك الّتي بها تبطش وعينك الّتي بها تبصر فمتى هممت بإمضاء أمر في ملكك فقرّب العقل وتدبّر معه وشاوره وانظر إلى ما يصدر عنه فيه واعمل بما يشير به عليك فإنّ اللّه تعالى قد أودع الصواب في رأيه وتحفّظ من الوهم فإنّ الوهم موجود يبرز للنفس على صورة العقل فقد يلتبس عليك وهو وزير مطاع له في الإنسان تأثير عظيم وهو المستولى على الناس والباعث على الأفكار الرديئة وهو يورث الوسوسة فتحفّظ منه وميّز وزيرك عين واسم ولا تستبدّ بنفسك فلا خير في أمر ولا ملك لا يدبّره عقل ولمّا كان الوزير قد يشبه به من أكثر وجوهه وصفاته لا من كلّها اضطررنا إلى نعته بالنعوت الكاملة الّتي لا يمكن للوهم أن يتشبّه بها على الكمال فانظر إلى النعوت الّتي أنا أذكرها لك إن شاء اللّه فإذا رأيتها قد قامت بموجود ما فذلك وزيرك وهو المراد فاحفظها وحصّله وحصّنها تغتبط إن شاء اللّه تعالى. تفصيل خلق الوزير وصفاته فاعلم رحمك اللّه أنّ العدل شخصه والهمّة رأسه والجمال وجهه والحفظ حاجباه والحياء عيناه والطّلاقة جبينه والعزّة أنفه والصدق فمه والحكمة لسانه والنيّة عنقه والسعة واحتمال الأذى صدره والشّجاعة عضده والتوكّل مرفقه والعصمة معصمه والكرم كفّه والإيثار بنانه والجود يده واليمن يمينه واليسر يساره والورع بطنه والعفّة فرجه والاستقامة ساقه والرجاء والخوف قدماه والفطنة قلبه والعلم روحه والأمانة حياته والزّهد لباسه والتواضع تاجه والخشية إكليله والحلم خاتمه والأنس بيته والهدى طريقه والشريعة مصباحه والفهم دثاره والنّصح شعاره والفراسة علمه والفقر كسبه والعقل اسمه والحقّ سمعه فإذا رأيت هذه الأوصاف فاتّخذه وزير ولليلك سميرا قال المؤلّف ولمّا كانت الفراسة علم هذا الوزير المذكور ومحلّ كشفه واطّلاعه على ممكنات الخواطر ومغيّبات الأمور احتجانا إلى أن نسوق منها طرفا مختصرا عقيب هذا الباب حكميّة وشرعيّة إن شاء اللّه

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163307 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889345 مرة منذ .