الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

قراءة كتاب الأزل للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

http://www.ibnalarabi.com/video بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.
الحمد لله الدائم، الذي لم يزل عاطفَ الأبد المعقول على الأزل.
الذي أنطق ألسنة عباده بالأزلية، فتنة، فثبت بها من ثبت، وزلَّ بها من زلّ.
وأظهرها بين سماواته أمراً يرقى ويتنزَّل.
والصلاة على من آثر ربَّه على هوى نفسه فاعتزل (في غار حراء)، فأسرى به إليه، وأنزله لديه خير منزِل.
فخلع عليه خِلع الاختصاص المخصوص بالنسيب (وفي نسخ: التشبيب) والغزل، وعهد إليه أن يكون بينه وبين ربِّه صورة الجمال سفيراً، ثم نزل.
فكانت الصورة الدحيية، التي كان جبريل فيها عليه ينزل.
والسلام عليه ما عدلت الكواكب السيارة عن النزول برامحٍ ونزلت بأعزل.

[المقدمة]
أما بعد...
فإن الناس قد أجرى الله على ألسنتهم لفظة الأزل، وينعتون بها الربَّ سبحانه. فيقول (أحدهم): "الأزلي"، و: "كان هذا في الأزل"، و: "علم هذا في أزله"، ومثل هذا التصريف. وأكثر اللافظين بها لا يعرفون معناها، ولو سئلوا وحُقِّق معهم البحثُ فيها، زالت من أيديهم!

[آراء الفلاسفة في معنى الأزل]
وطائفة من النظار (من الفلاسفة وعلماء الكلام) توهموا فيها، أعنى لفظة الأزل، أن نسبتها إلى الله نسبة الزمان إلينا: فهو في الأزل كما نحن في الزمان!

فيقولون: قد كان الله متكلما في الأزل، بكلامه الأزلي، وإنه قال في الأزل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12]، لموسى و: اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [الحجر:99]، لمحمد، عليهما السلام، وما أشبه ذلك.

وطائفة أخرى تخيلت فيه أنه مثل الخلاء (أي الفراغ)، امتداد معقول. كما الخلاء امتداد في غير جسم، كذلك الأزل امتداد من غير توالى حركات زمان، فكأنه تقدير زمان.

[معنى الأيام التي خلق الله تعالى فيها السماوات والأرض]
كما جعلوا أن السماوات والأرض وما بينهما، خلقهما الله في ستة أيام مُقدَّرة، لا موجودة، على تقدير: لو كانت ثَمَّ أيامٌ كان هذا المقدار.

وهذا كله خطأ، فإنَّ السماوات والأرض وما بينهما، إنما خلقهم الله في هذه الستة الأيام الموجودة المعلومة عندنا، وإنها كانت موجودة قبل خلق السماء والأرض.

فإن السماوات السبع، والأرضين، ليست الأيام لها، وإنما الأيام لفلك النجوم الثوابت، وقد كان (هذا الفلك) قبل السماوات دائراً، فاليومُ دورتُه. غير أن النهار والليل أمرٌ آخر معلوم في اليوم، لا نفس اليوم.

فحدث النهار والليل بحدوث السماوات والأرض، لا الأيام. والله ما قال إنه خلقها في ستَّة أنهارٍ ولا في ستِّ ليالٍ، وإنما ذكر الأيام.

[نسبة الأزل إلى الباري تعالى]
وأما الذين توهموا أنه تقدير زمان، والذين قالوا امتدادٌ إلى غير أول، فيقال لهم: لا يخلو هذا الأزل الذي نسبتموه إلى الله أن يكون: وجوداً، أو عدماً. فإن كان عدماً، فقد أرحتمونا، فإن العدم نفي محض، ويُلزمكم (هذا القول) شناعة، وهو أنكم نعتُّم الباري بالعدم، والعدم لا يُنعت به، وهو محال على الله.

وإن قالوا إنَّ الأزل وجودٌ، ليس بعدم، يُقال لهم: فلا يخلو إما أن يكون (هذا الوجود هو) نفسُ الباري، أو غيره. فإن قالوا: هو نفس الباري، فقد أخطأوا في الإسمية، حيث لم يطلقها الباري على نفسه.

وإن قالوا: هي غيره، فلا يخلو إما أن تكون قائمة، بنفسها، أو بغيرها. فإن كانت قائمة بنفسها بطلت الوحدانية لله تعالى!

وإن كانت قائمة بغيرها، فلا يخلو ذلك الغير: إما أن يكون نفسُ الباري أم لا. فإن كان نفسُ الباري فهي له كعلمه وقدرته؛ صفاتُ معنى، وتتصف بالأزلية كما يتصف عندكم العلم القديم وسائر الصفات بها. فيرجع الأزل منعوتاً بالأزل، والكلام في الأزل المنعوت به الأزل كالكلام في الأزل الأول، ويتسلسل (إلى غير نهاية).

وإن قالوا إنَّ الذي يقوم به الأزل غيرُ نفسِ الباري، فقد أثبتوا قديماً آخر، وبطل دليل الوحدانية، بما يقوم عليه من البرهان بعد السبر والتقسيم.

ومحال آخر (كذلك): وهو أن ذلك الموجود الذي قام به الأزل هو الموصوف بالأزلي لا الباري، لأن المعاني إنما توجب أحكامها لمن قامت به.

فبطل وصفهم الباري بالأزل، وثبت أن ما ثمَّ أزلٌ أصلا.

(ولتوضيح تسلسل هذه الحجج، نبينها في الشكل التالي:)


[الأزل مُزل]
وبعد هذا، فإني أرجع وأقول أنَّ الأزل موضع مزلة قدم النظَّار، وقد أغفلها أكثر الناس، وكان الواجب أن لا يُهملوا جناب الحق، ولا يطلقون عليه من الألفاظ والنعوت إلا ما أطلقها على نفسه، في كتابه أو على لسان نبيه.

[أصل كلمة أزل]
فانظر يا أخي، نوَّر الله بصيرتك، ما أعجب هذه اللفظة كيف صار معناها مطابقا لما اشتُقَّت منه: فإنَّ الأزل من أوصاف البهائم الذي يكون منهرقاً من خلف، سائلا، بحيث لا يَقبل الركوب، كالزرافة، وما قاربها. لأنه مشتق من زلَّ إذا زلق، ومعناه: لا يثبت. فكذلك الأزل مشتق من هذا، فإنه لا يثبت وتزلُّ فيه أقدام الناظرين، إلا من رحم ربك.

[القول بالأزل جهل]
فلكثرة ما تزل الأقدام فيه يُسمى: أزلا.
وأما الذين يقولون إنه تعالى تكلم في الأزل بكذا، فإنه يلزم القائلين به شناعات، ولا يحصل بها علم إلا بجهلهم.

[المعنى الصحيح للأزل]
وإنما ينبغي أن يُقال في مثل هذا أنَّ كلام الله صفة له قديمة لا تُكيَّف، فإنَّ الكيفية في هذا الفن من العلم محال، وإنما يقع العلم بهذا الفن بعد تعلق الإدراك: إن كان من قبيل المرئيات فبالرؤية، أو من قبيل المسموعات فبالسمع، أو من قبيل المشمومات فبالشم، وهكذا سائر الكيفيَّات.

فاذا ثبت أن الله موصوف بالكلام، وأن الكلام غيرُ مُحدَث، فلا يحتاج ذلك إلى أزل ولا إلى غير أزل.

[متى كلم الله موسى؟]
فنقول: لما خلق الله موسى، عليه السلام، وكان من أمره ما كان، وأبصر النار، وقصده، ناداه الحق في ذلك الوقت - في حق موسى عليه السلام، لأنه يتقيد بالزمان - والباري غير متصف بالوقت والزمان، وقال له بكلامه القديم: اخلع نعليك، وغير ذلك، وسمع موسى عليه السلام الكلام المنعوت بنفي الأولية، من غير تكييف لنا، ولا تحديد، بل كما ينبغي أن يكون عليه القديم من الجلال.

فالمتكلم في لا زمان والسامع في زمان.

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194598 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1139832 مرة منذ .