الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

16- فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية - من فصوص الحكم وخصوص الكلم للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

http://www.ibnalarabi.com/video «إِنَّهُ» يعني الكتاب‏ «مِنْ سُلَيْمانَ، وإِنَّهُ» أي مضمون الكتاب‏ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ».

فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم اللَّه تعالى ولم يكن كذلك .
وتكلموا في ذلك بمألا ينبغي ممألا يليق بمعرفة سليمان عليه السلام بربه.
وكيف يليق‏ ما قالوه‏ وبلقيس تقول فيه‏ «أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ» أي يكْرم عليها .
وإنما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى كتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، و ما مزقه حتى قرأه كله وعرف مضمونه. فكذلك كانت تفعل بلقيس لو لم توفق لما وقفت له.
فلم يكن يحمي الكتابَ عن الإحراق لحرمة صاحبه تقديم اسمه عليه السلام على اسم اللَّه عز وجل ولا تأخيره.
فأتى سليمان بالرحمتين: رحمة الامتنان ورحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم .
فامتن بالرحمن وأوجب بالرحيم.
وهذا الوجوب من الامتنان. فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن. فإنه‏ كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد، حقاً على اللَّه تعالى أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة- أعني رحمة الوجوب.
ومن كان من العبيد بهذه المثابة فإنه يعلم مَنْ هو العامل منه .
والعمل مقسَّم على ثمانية أعضاء من الإنسان.
وقد أخبر الحق أنه تعالى هُوِيّة كل عضو منها، فلم يكن العامل غير الحق، والصورة للعبد، والهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر.
....
ثم إنه كيف يقدِّم سليمانُ اسمه على اسم اللَّه كما زعمو وهو من جملة من‏ أوجدته الرحمة: فلا بد أن يتقدم الرحمنُ الرحيم ليصح استناد المرحوم.

هذا عكس الحقائق: تقديم من يستحق التأخير وتأخير من يستحق التقديم في الموضع الذي يستحقه.
ومن حكمة بلقيس وعلو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب، وما عملت‏ ذلك إلا لتعلِّم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها، وهذا من التدبير الإلهي في الملك، لأنه إذا جُهِلَ طريق الإخبار الواصل للمَلِك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف.
فلو تعين لهم على يدي مَنْ تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه‏ وأعظموا له الرِّشا حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم. فكان قولها «أُلْقِيَ إِلَيَّ» ولم تسم من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكته وخواص‏ مدبّريها ، وبهذا استحقت التقدم‏ عليهم.
وأما فضل العالِم من الصنف الإنساني على العالِم من الجن بأسرار التصريف وخواص الأشياء، فمعلوم بالقدر الزماني : فإن رجوع الطرف إلى الناظر به‏ أسرعُ من قيام القائم من مجلسه، لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من حركة الجسم فيما يتحرك منه، فإن الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي يتعلق بمبْصَره مع بعد المسافة بين الناظر والمنظور : فإن زمان فتح البصر زمان تعلقه بفلك الكواكب الثابتة، وزمان رجوع طرفه إليه هو عين زمان عدم إدراكه.
والقيام من مقام الإنسان ليس كذلك: أي ليس له هذه السرعة.
فكان آصف ابن برخيا أتم في العمل من الجن، فكان‏ عين قول آصف بن برخيا عين الفعل في الزمن الواحد. فرأى‏ في ذلك الزمان بعينه سليمانُ عليه السلام عرشَ بلقيس مستقراً عنده لئلا يتخيل أنه أدركه وهو في مكانه من غير انتقال، ولم يكن عندنا باتحاد الزمان انتقال، وإنما كان إعدام وإيجاد من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرَّفه و هو قوله تعالى‏ «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ .
ولا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راءون له. وإذا كان هذا كما ذكرناه، فكان‏ زمان عدمه (أعني عدم العرش) من مكانه عين وجوده عند سليمان، من تجديد الخلق مع الأنفاس.
ولا علم لأحد بهذا القدر، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نَفَس لا يكون ثم يكون .
ولا تقل «ثُم» تقتضي المهلة، فليس ذلك بصحيح‏ ، وإنما «ثم» تقتضي‏ تقدم الرتبة العِليَّة عند العرب في مواضع مخصوصة كقول الشاعر:
كهز الرديني ثم اضطَرَبْ‏
وزمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك. وقد جاء بثم ولا مهلة.
كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس: زمان العدم زمان وجود المثل كتجديد الأعراض في دليل الأشاعرة.
فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكال المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفاً في قصته.
فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه السلام. فما قطع العرشُ مسافة، ولا زويت له أرض ولا خرقها لمن فهم ما ذكرناه.
...
وكذلك لما أُسْرِيَ‏ به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللبن فقال له المَلَك أصبت الفطرة أصاب اللَّه بك أمتك. فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم، فهو العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل‏ في صورة بشر سويٍ لمريم.

ولما قال عليه السلام «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » نبَّه على أنه كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم: خيال فلا بد من تأويله.
إنما الكون خيال‏ ... وهو حق في الحقيقة
والذي يفهم هذا‏ ... حاز أسرار الطريقة
فكان صلى اللَّه عليه وسلم إذا قدَّم له لبن قال «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» لأنه كان يراه صورة العلم، وقد أُمِرَ بطلب الزيادة من العلم، وإذا قدم له غير اللبن قال اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه.
فمن أعطاه اللَّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإن اللَّه لا يحاسبه به في الدار الآخرة، ومن أعطاه اللَّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى اللَّه، إن شاء حاسبه وإن شاء لم يحاسبه.
وأرجو من اللَّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به.
فإنَّ أمره لنبيه عليه السلام يطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته: فإن اللَّه يقول‏ «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ».
وأي أسوة أعظم من هذا التأسِّي لمن عقل عن اللَّه تعالى.
ولو نبَّهنا على‏ المقام السليماني على تمامه لرأيت أمراً يهولك الاطلاع عليه فإن أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة سليمان ومكانته وليس الأمر كما زعموا.

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163360 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889447 مرة منذ .