الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار - للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار - - للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
بسم الله الرحمن الرحيم --- الحمد لله واهب العقل ومبدعه، وناصب النقل ومشرّعه، له المنّة والطَّوْل، وله القوّة والحوْل، لا إله إلا هو ربُّ العرش العظيم، وصلّى اللّه على من أقام به أعلام الهدى، وأنزله بالنور الذي أضلَّ به من شاء وهدى، وسلَّم، وعلى آله الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أجبت سؤالك أيها المولى الكريم، والصفي الحميم، في كيفية السلوك إلى ربِّ العزة، تعالى، والوصول إلى حضرته، والرجوع به من عنده إلى خلقه، من غير مفارقة؛ فإنه ما ثَمَّ في الوجود إلا اللّه تعالى وصفاته وأفعاله، فكلٌّ هو وبه ومنه وإليه، ولو احتجب عن العالم طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة؛ فبقاؤه بحفظه ونظره إليه، غير أنه من اشتد ظهوره في نوره بحيث أن تضعف الإدراكات عنه، فيُسمي ذلك الظهور حجابًا. فأوّل ما أبيّنه لك، وفّقك اللّه، كيفية السلوك إليه ثم كيفية الوصول والوقوف بين يديه، والجلوس في بساط مشاهدته وما يقوله لك، ثم كيفية الرجوع من عنده إلى حضرة أفعاله، به وإليه، والاستهلاك فيه، وهو مقام دون الرجوع.
اعلم أيها الأخ الكريم: أنّ الطرق شتّى، وطريق الحق مفردة، والسالكون طريق الحق أفراد.
ومع أن طريق الحق واحدة، فإنه يختلف وجوهه باختلاف أحوال السالكين، من اعتدال المزاج وانحرافه، وملازمة الباعث ومعيته، وقوة روحانيته وضعفها، واستقامة همته وميلها، وصحة توجهه وسقمه؛ فمنهم من يجتمع له، ومنهم من تكون له بعض هذه الأوصاف: فقد يكون مطلب الروحانية شريفًا ولا يساعده المزاج، وكذلك ما بقي.
فأوّل ما يتعين علينا أن نبينه لك معرفة المواطن كم هي وما يقتضي ما أريد منها هنا، والموطن عبارة عن محلّ أوقات الأوراد الذي يكون فيه.
وينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن، فتبادر إليه من غير تثبّط ولا كلفة، والمواطن وإن كثرت فإنها ترجع إلى ستة: الأوّل موطن "ألست بربكم" وقد انفصلنا عنه. والثاني موطن الدنيا التي نحن الآن فيها. والثالث موطن البرزخ الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر. والرابع موطن الحشر بأرض الساهرة والردّ في الحافرة. والخامس موطن الجنة والنار. والسادس موطن الكثيب خارج الجنة. وفي كل موطن من هذه المواطن مواضع هي مواطن في المواطن، ليس في القوة البشرية الوفاء بها لكثرتها، ولسنا نحتاج في هذا الموضوع منها إلا إلى موطن الدنيا الذي هو محلّ التكليف والابتلاء والأعمال. فاعلم أن الناس مذ خلقهم اللّه تعالى والمكلفين وأخرجهم من العدم إلى الوجود لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة والنار، وكل جنة ونار بحسب أهلها. فالواجب على كل عاقل أن يعلم أن السفر مبني على المشقة وشظف العيش، والمحن والبلايات، وركوب الأخطار والأهوال العظام؛ فمن المحال أن يصح فيه نعيم أو أمان أو لذة، فإن المياه مختلفة الطعم، والأهوية مختلفة التصريف، وأهل كل منهلة يخالف طبع أهل المنهلة الأخرى، فيحتاج المسافر لما يصلح بتلقي كل عالم في منزله فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف فأنّى تُعقل الراحة فيمن هذه حالته!
و ما أوردنا هذا ردًّا على أهل النعيم في العاملين لها والمكبين على جمع حطامها فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم أو نلتفت إليهم وإنما أوردنا لذة لمن استعجل لذة المشاهدة في غير موطنها الثابت وحالة الفنا في غير منزلها والاستهلاك في الحق بطريق المحق عن العالمين، فإن السادة منا أنفوا من ذلك لما فيه من تضييع الوقت ونقص المرتبة ومعاملة الموطن بما لا يليق، فإن الدنيا سجنه
وتعلق الهمة والذكر في استجلابه تجليه، وهو سوء أدب في حقه، وفاته أمر كبير منه، فإن زمان الفناء في الحق زمان ترك مقام أعلى مما هو فيه، لأن التجلي على قدر العلم وصورته فما حصل لك من العلم به منه في مجاهدتك وتهيُّؤك في الزمان الأوّل مثلا ثم أشهدت في الزمان الثاني فإنما تشهد منه صورة علمك المقدّر في الزمان الأوّل فما زدت سوى انتقالك من علم إلى عين، والصورة واحدة، فقد حصّلتَ ما كان ينبغي لك أن تؤخّره لموطنه، وهو الدار الآخرة التي لا عمل فيها، وإن زمان مشاهدتك لو كنت فيه صاحب عمل ظاهر وتلقِّي علم باللّه باطن كان أوّلى بك، لأنك تزيد حسنًا وجمالا في روحانيتك الطالبة ربّها، وفي نفسانيّتك الطالبة حسنها، فإنّ اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة علمها (*)، والأجسام تنشر على صور أعمالها، من الحسن والقبح، وهكذا إلى
آخر نَفَس، فإذا انفصلت من عالم التكليف، وموطن المعارج والارتقاءات، حينئذ تجني ثمرة غرسك!
فإذا فهمت هذا فاعلم وفقنا اللّه وإيّاك، إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق والأخذ منه بترك الوسائط والأنس به، أنه لا يصح لك ذلك وفي قلبك ربّانية لغيره! فإنّك لمن حكم عليك سلطانه، هذا لا شك فيه؛ فلابدَّ لك من العزلة عن الناس وإيثار الخلوة عن الملأ، فإنه على قدر بُعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرًا وباطنًا.
فأوّل ما يجب عليك طلب العلم الذي به تقيم طهارتك وصلاتك وصيامك وتقواك وما يفرض عليك طلبه خاصة، لا تزيد على ذلك، وهو أوّل باب السلوك، ثم العمل به، ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، وفي حال من أحوال التوكل يحصل لك أربع كرامات هي علامة وأدلة على حصولك في أوّل درجة التوكل، وهي: طيّ الأرض، والمشي على الماء، واختراق الهواء،
والأكل من الكون، وهو الحقيقة في هذا الباب، ثم بعد ذلك تتوالى المقامات والأحوال والكرامات والتنزلات إلى الموت. فاللّه، اللّه! لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوّتك من سلطان الوهم!
فإن كان وهمك حاكما عليك فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يدي شيخ مميِّز، عارف.
وإن كان وهمك تحت سلطانك، فخذ الخلوة ولا تبالي، وعليك بالرياضة قبل الخلوة، والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق، وترك الرعونة، وتحمّل الأذى؛ فإنَّ الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه رجلٌ أبدًا، إلا في حكم النادر، فإذا اعتزلت عن الخلق فاحذرهم عن قصدهم إليك وإقبالهم عليك، فإنه من اعتزل عن الناس لم يَفتح بابه لقصد الناس إليه، فإنّ المراد من العزلة ترك ...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194424 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1138909 مرة منذ .