الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

الفرق بين القلب والعقل في تلقي العلوم - رسالة الشيخ محي الدين ابن العربي إلى الشيخ فخر الدين الرازي

http://www.ibnalarabi.com/video الفرق بين طريق العقل وطريق القلب فب تقلي العلوم والمعارف بسْم اللّه الرّحْمن الرّحيم الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى وليي في اللّه تعالى فخر الدين محمد أعلى اللّه همته، وأفاض عليه رحمته وبركاته. أما بعد فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إذا أحبّ أحدكم أخاه فليُعلمه إيّاه"، وأنا أحبك! ويقول اللّه تعالى (و تواصوْا بالْحقّ). وقد وقفت على بعض تواليفك وما أيدك اللّه به من القوة المتخيلة وما تتخيله من الفكر الجيد. ومتى ما تغذت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب وتكون ممن أكل من تحته، والرجل من أكل من فوقه كما قال تعالى: (ولوْ أنّهُمْ أقامُوا التّوْراة والْإنْجيل وما أُنْزل إليْهمْ منْ ربّهمْ لأكلُوا منْ فوْقهمْ ومنْ تحْت أرْجُلهمْ) . وليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه لا من بعضها، والعلماء ورثة الانبياء، فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثًا من جميع الوجوه ولا يكون ناقص الهمة. وقد علم وليي وفقه اللّه تعالى أنّ حسن اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية، وقبحها بضدّ ذلك! وينبغي للعالي الهمّة أن لا يقطع عمره في المحدثات وتفاصيلها، فيفوته حظه من ربه. وينبغي له أيضًا أن يسرّح نفسه من سلطان فكره، فإن الفكر تُعلم مآخذه، والحق المطلوب ليس ذلك، وإن العلم باللّه خلاف العلم بوجود اللّه. فالعقول تعرف اللّه من حيث كونه موجودًا، ومن حيث السلب لا من حيث الإثبات، وهذا خلاف الجماعة من العقلاء والمتكلمين، إلا سيّدنا أبا حامد، قدس اللّه روحه، فإنّه معنا في هذه القضية. ويجلُّ اللّه سبحانه وتعالى أن يعرفه العقلُ بفكره ونظره! فينبغي للعاقل أن يُخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة اللّه تعالى، من حيث المشاهدة، وينبغي للعالي الهمّة أن لا يكون تلقّيه عند هذا من عالم الخيال وهي الانوار المتجسدة الدالة على معان وراءها، فان الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والقرآن في صورة الحبل والدين في صورة القيد. و ينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه وشاهده مؤنثا متعلقا بالاخذ من النفس الكلية كما ينبغي له أن لا يتعلق بالاخذ من فقير اصلا وكل ما لا كمال له الا بغيره فهو فقير، فهذا حال كل ما سوى اللّه تعالى فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما الا من اللّه تعالى على الكشف فان عند المحققين أن لا فاعل الا اللّه فاذن لا يأخذون الا عن اللّه لكن عقد الاكشفا وما فاز اهل اللّه الا بالوصول الى عين اليقين انفة من بقاء مع علم اليقين. و اعلم أن اهل الأفكار اذا بلغوا فيها الغاية القصوى اداهم فكرهم الى حال المقلد المصمم فان الأمر اعظم من أن يقف فيه الفكر فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن ويسكن فللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبه اللّه تعالى فاذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقى مأسورا في قيد نظره وكسبه فانه على شبهة من ذلك ولقد اخبرني من اثق به من اخوانك وممن له فيك نية حسنة جميلة انه رآك وقد بكيت يوما فسألك هو ومن حضر عن بكائك قلت مسئلة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي في الساعة بدليل لاح لي أن الامر على خلاف ما كان عندي فبكيت وقلت ولعل الذي لاح أيضًا يكون مثل الاول. فهذا قولك، ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن او يستريح ولا سما في معرفة اللّه تعالى، ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر، فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالى (عبْداً منْ عبادنا آتيْناهُ رحْمةً منْ عنْدنا وعلّمْناهُ منْ لدُنّا علْماً) ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة. و ليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أن كل موجود عند سبب- ذلك السبب محدث مثله فان له وجهين وجه ينظر به الى سببه ووجه ينظر به الى موجده وهو اللّه تعالى فالناس كلهم ناظرون الى وجوه اسبابهم والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم الا المحققين من اهل اللّه تعالى كالأنبياء والاولياء والملئكة عليهم السلام فانهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر الى موجدهم. و منهم من نظر الى ربه من وجه سببه لامن وجهه فقال حدثني قلبي عن ربى، وقال الآخر وهو الكامل حدثني ربي واليه يشير صاحبنا العارف بقوله اخذتم علمكم عن الرسوم ميتا عن ميت، واخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، ومن كان وجوده مستفادا من غيره فحكمه عندنا حكم لا شىء فليس للعارف معول غير اللّه البتة. و اعلم أن الوجه الالهي الذي هو اللّه تعالى اسم لجميع الاسماء مثل الرب والقدير والشكور وجميعها كالذت الجامعة لما فيها من الصفات فاسم اللّه مستغرق جميع الاسماء فتحفظ عند المشاهدة منه فانك لا تشاهده مطلقا فاذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة او تلك المشاهدة وانظر أي اسم من الاسماء الالهية ينظر اليه فذلك الاسم هو الذي يخاطبك أو شاهدت فهو المعبر عنه بالتحول في الصورة كالغريق اذا قال يا اللّه فمعناه يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ، وصاحب الالم اذا قال يا اللّه فمعناه يا شافي أو يا معافي وما اشبه ذلك، وقولي لك التحول في الصورة ما ذكره مسلم في صحيحه أن الباري تعالى يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيقرون بعد الانكار وهذا هو معنى المشاهدة هاهنا والمناجاة والمخاطبات الربانية. و ينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم الا ما يكمل فيه ذاته وينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك الا العلم باللّه تعالى من حيث الوهب والمشاهدة فان علمك بالطب مثلا انما تحتاج اليه في عالم الاسقام والامراض فاذا انتقلت الى عالم ما فيه مرض ولا سقم من تداوي بذلك العلم؟ فالعاقل لا يسعى من حيث انه يكون له خبره وان اخذه من طريق الوهب كطب الانبياء فلا يقف معه وليطلب العلم باللّه.

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 194604 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 1139843 مرة منذ .