الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

3- التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية - الباب الثالث في إقامة مدينة لجسم وتفاصيلها

http://www.ibnalarabi.com/video الباب الثالث في إقامة مدينة الجسم وتفاصيلها من جهة كونها ملكا لهذا الخليفة
اعلم أنّ اللّه سبحانه لمّا أوجد هذا الخليفة الّذي ذكرناه آنفا بنى له مدينة يسكنها رعيّته وأرباب دولته تسمّى حضرة الجسم والبدن وعيّن الخليفة منها موضعا إمّا أن يستقرّ فيه على مذهب من قال أنّه متحيّز ويحلّ فيه على من قال أنّه قائم بمتحيّز وإمّا أن يكون ذلك الموضع المعيّن له موضع أمره وخطابه ونفوذ أحكامه وقضاياه على من أثبته غير متحيّز ولا قائما بمتحيّز فأقام له سبحانه مدينة الجسم على أربعة أعمدة وهي الأسطقسات والعناصر وسمّى سبحانه الموضع المعيّن للخليفة منه القلب وجعله مسكن الخليفة أو موضع أمره على ما ذكرناه من الخلاف وقال قوم أنّ موضعه الدماغ والأظهر عندي من طريق التنبيه والاستقراء لا من جهة البرهان أنّه القلب شرعا لقوله صلعم مخبرا عن ربّه ما وسعني أرضى ولا سمائى ووسعني قلب عبدى المؤمن وقال إنّ اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم a ولا إلى أعمالكم a ولكن ينظر إلى قلوبكم وذلك أنّ المستخلف إنّما نظره أبدا إلى خليفته ما يفعله فيما قلّده واللّه سبحانه قد استخلف الأرواح على الأجسام وممّا يؤيّد ما ذهبنا إليه قوله تعالى ولكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ وليست الإشارة للقلب النباتىّ فإنّ الأنعام يشاركوننا في ذلك لكن للسرّ المودع فيه وهو الخليفة والقلب النباتىّ قصره وقال صلعم إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب فالقلب النباتىّ لا فائدة له إلاّ من حيث هو مكان لهذا السرّ المطلوب المتوجّه عليه الخطاب والمجيب إذا ورد السؤال والباقي إذا فنى الجسم والقلب النباتىّ فنقول كذلك إذا صلح الإمام صلحت الرعيّة وإذا فسد فسدت بذا جرت العادة وارتبطت الحكمة الإلهيّة سرّ فساده وصلاحه المرتبط بصلاح الرعيّة وفسادها سبب ذلك أنّ اللّه تعالى إذا ولىّ خليفة قوما فإنّه يعطيه أسرارهم وعقولهم فيكون إذ ذاك مجموع رعيّته فمتى خانهم في أسرارهم وعقولهم ظهر ذلك عليهم وإن اتّقى اللّه في ذلك ظهر ذلك عليهم a وقد تكون أسرار رعيّته حين تعطاه رذلة ناقصة ولهذه الإشارة مثل ما تكونون يولّى عليكم فإن غلب عليها صلاح الإمام صلحت وظهر آثار ذلك في الرعيّة وأرباب الدولة تمشية غيبيّة إلهيّة يجدها الإنسان في نفسه بعد أن لم تكن ولا يدرى من أين وردت عليه ولا كيف حصلت له فهذا سرّ قوله صلعم إذا صلحت صلح لها سائر الجسد قال المؤلّف ثمّ بنى له متنزها مشرفا عجيبا عاليا في أرفع مكان في هذه المدينة سمّاه الدماغ وفتح له فيه طاقات وخوخات يشرف منها على ملكه وهي الأذنان والعينان والأنف والفم ثمّ بنى له في مقدّم ذلك المتنزّه خزانة سمّاها خزانة الخيال جعلها مستقرّ جباياته وموضع رفع ولاة الحسّ وفيها تخزن جبايات المبصرات والمسموعات والمشمومات والمطعومات والملموسات وما يتعلّق به ومن تلك الخزانة تكون المرائى والأحلام الّتي يراها النائم وكما أنّ في الجبايات حلال وحراما كذلك في المرائى مبشّرات وأضغاث أحلام وبنى في وسط هذه المتنزّه خزانة الفكر الّذي ترتفع إليه المتخيّلات فيقبل منها الصحيح ويردّ الفاسد وبنى له في أخر هذا المتنزّه خزانة الحفظ وجعل هذا الدماغ مسكن الوزير الّذي هو العقل وله باب في داخل الكتاب يخصّه فأضربنا هنا عن ذكره ثمّ أوجد له النفس وهي محلّ التغيير والتطهير ومقرّ الأمر والنّهى وهي اللّيلة المباركة الّتي فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وحظّها من العالم العلوىّ الكرسىّ كما أنّ الروح محلّه العرش من ذلك العالم والنفس هي كريمة هذا الخليفة وحرّته وقد أشار إلى ذلك الإمام أبو حامد في قوله أنّ الروح نكح النفس فتولّد ما بينهما الجسم فقال مشيرا إلى ذلك في خطبة لباب الحكمة له ربّنا و ربّ آبائنا العلويّات وأمّهاتنا السّفليّات ...
ثمّ أوجد اللّه من تمام النعمة على الإنسان وإكمال النسخة على الاستيفاء في هذه المملكة أميرا قويّا مطاعا كثير الرّجل والخول قوىّ العدد والعدد منازعا لهذا الخليفة سمّاه الهوى ووزير اسمّاه شهوة فبرز يوما في أجناده وخوله يتنزّه في بعض بساتينه فأشرفت النفس الّتي هي حرّة الخليفة عليه فتراءت ونظر كلّ واحد منهما لصاحبه فعشقها الهوى فأعمل الحيلة في الاجتماع بها فما زال يستنزله ويستعطفه ويبسط لها حضرته ويهاديه بأحسن ما عنده ولم تزل رسل الأمانىّ وسفراء الغرور تمشي بينهما حتّى مالت إليه وانقادت له وملكها الإحسان والخليفة غافل عن هذا والعقل الّذي هو وزيره قد يشعر بذلك وهو يسوس الأمرو يخفيه عسى لا يشعر بذلك الخليفة وترجع عمّا هي عليه فصارت النفس بين أميرين قويّين مطاعين هذا يناديه وهذا يناديها والكلّ بإذن اللّه تعالى الأصلي قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ ،وكُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ،فَأَلْهَمَها فُجُورَه وتَقْواها في إثر قوله ونَفْسٍ وما سَوّاه ولهذا جعلناها محلّ التطهير والتغيير فإن أجابت الهوى كان التغيير وحصل لها اسم الأمّارة بالسوء وإن أجابت العقل كان التطهير وصحّ لها اسم المطمئنّة شرعا لا توحيد ووقوع هذا الامر لحكمة لطيفة وسرّ وهو أنّ اللّه سبحانه لمّا أوجدهذا الخليفة على ما وصفناه من الكمال أراد أن يعرّفه سبحانه مع ذلك أنّه فقير ولا حول ولا قوّة إلاّ لسيّده الربّ تعالى فلهذا أوجدله منازعا ينازعه فيما قلّده
.... فلمّا رجع الروح بالشكوى إلى ربّه صار سبحانه واسطة بينه وبينه فقال لها يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ `اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً `فَادْخُلِي فِي عِبادِي `وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي فلمّا أتاها النداء برفع الوسائط جنّت وأنت واشتاقت فأجابت وأنابت بالعناية الإلهيّة
... فأمّا العصاة فإنّ سلطان الهوى مالك باديتهم وسلطان العقل مالك حاضرتهم وأمّا المنافقون فإنّ العقل مالك باديتهم والهوى مالك حاضرتهم وأمّا المؤمنون المعصومون والمحفوظون فالعقل مالكهم بادية وحاضرة وأمّا الكافرون فالهوى مالكهم بادية وحاضرة...

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163356 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889439 مرة منذ .