الصفحة 274
أرادوا استراق السمع من كلّ جانب *** فيحرقهم منها شهاب تبسّما
ويجعل ما يعلو على الأرض زينة *** لها فالذي يبدو إلى العين منه ما
يغذي به الرحمن جسما مروحنا *** كما قد يغذي منه روحا مجسّما
فقلت ومن غذاها من سمائه *** فقيل لنا عيسى المسيح بن مريما
له الامتزاج الصرف من روح كاتب *** بديوانه لما تحلّى بآدما
فروحن أجساما وجسم أنفسا *** وكان له التحكيم أيان يمما
فلم أرسبطا كان يشبه جدّه *** سواه كما قال المهيمن معلما2يريد قوله تعالى:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اَللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
.
و قال أيضا:إذا ما ذكرت اللّه في غسق الدجى *** دجى الجسم لو عند الصباح إذا بدا3
صباح الذي يحيى به الجسم عند ما *** هو الروح لكن بالمزاج تبلّدا
فلا يأخذ الأشياء من غير نفسه *** ولكن بآلات بها سرّه اهتدى
فأمسى فقيرا بعد أن كان ذا غنى *** وأصبح عبدا بعد أن كان سيّدا
لقد خلته روحا كريما منزها *** فأصبح ريحا عنصريا مجسّدا
وكان جليسا للخضارمة العلى *** بمقعد صدق للنفوس مؤيدا4
لقد كان فيهم ذا وقار وهيبة *** فلما ارتدى الجسم الترابيّ ألحدا
وأجرى له نهرا من الخمر سائغا *** فلما تحسي شربة منه عربدا
وكان له فوق السموات مشهد *** فلما رأى الأرض الأريضة أخلدا5
وكان لما يلقاه بالذات قائلا *** وكان إذا ما جاءه الوحي أسجدا
وقد كان موصوفا فأصبح واصفا *** كما كان ذا قصد فأصبح مقصدا
كما كان فيما نال منه موعدا *** فأصبح فيما نيل منه موحدا
وفي عالم البعد الذي قد رأيته *** رأيت له في حضرة القرب مقعدا
ولما تجلّى من تجلى بنعتهم *** رأيتهم خرّوا بكيا وسجّدا
وأصعقهم وحي من اللّه جاءهم *** فلما أفاقوا قلت: ماذا فقال: دا
حواشي الطبعة
1) صدى لقوله تعالى: ولَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّماءَ اَلدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ سورة الملك، آية: 5.2) السّبط: الحفيد.3) غسق الدجى: ظلمة الليل.4) الخضارمة: جمع الخضرم: السيد الحمول.
5) أرض أريضة: أرض زكية معجبة للعين.
الطبعة والمصدر
تُعرض النصوص وفق المصادر المعتمدة في الموقع دون إعادة تحرير.

