الجزء الثاني • الصفحة 607 • الباب 279
فى معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدى
قد ذكرنا أنه يتجلى في صور المعتقدات فمن عرف أن أفعال نفسه وغيره مخلوقة لله مع أنه يشاهدها عن قدرته ويعلم أنها عن القدرة الإلهية مع أنه لا يشهد تعلق قدرته أو قدرة غيره بمقدوره حالة إيجاده وإبرازه من العدم إلى الوجود يمنع إن يتجلى الحق في الأفعال إلا على حد ما وقع هنا فمنع وقوع هذا التجلي ومن عرف أن أفعال نفسه مخلوقة له لا للقدرة القديمة مع أنه أيضا لا يعرفها مشاهدة إلا حال وجودها ولا يرى صاحب هذا الاعتقاد إذا أنصف تعلق قدرته بإيجادها وإنما يشهد تعلق الجارحة بالحركة القائمة قال بوقوع هذا التجلي ففيه خلاف بين أهل هذا الشأن لا يرتفع دنيا ولا آخرة غير أن الدنيا تقتضي بحالها أن يتنازعوا في هذا الأمر وغيره وفي الجنة لا نزاع في ذلك لأن كل واحد قد قرره الحق على اعتقاده وأبقى عليه وهمه في تلك الدار أنه متجل له في أفعاله وأبقى على الآخر علمه أنه لا يتجلى في أفعاله مع حصول تجلى من أبقى عليه وهمه لمن أبقى علمه عليه بالمنع فصاحب المنع يشاهد من الحق ما يشاهده من يقول بوقوع التجلي في الأفعال فيعرف ما يشهد في ذلك التجلي كما يعرف هنا من يعقل معقولاته الصادرة عنه وذلك الآخر لا يعلم من الله هذا الذي يعلمه من يقول بالمنع فحصل من هذا أن الأمر مشكل فهو سبحانه المثبت لذلك والنافي له فيما خاطبنا به هنا في كتبه وعلى ألسنة رسله وقرره في أفكار النظار لتاخذه العقول على حد ما قرره في الأفكار من المنع لذلك أو وقوعه وهذا الحجاب لا يرتفع أبدا والتكليف محقق من حيث إن الأفعال مكتسبة بلا خلاف بين الطائفتين وإنما الخلاف في الإيجاد عن أي القدرتين كان قال تعالى وتبين لكم كيف فعلنا بهم وهو أقوى حجة للقائلين بالوقوع وهو أقوى حجة للقائلين بالمنع أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فقرن الرؤية بإلى وجعل المرئي الكيف فيقول صاحب المنع لما لم نشهد هنا ذات الحق وهو يكيف مد الظل ولا رأيناه وإنما رأينا مد الظلال عن الأشخاص الكثيفة التي تحجب الأنوار أن تنبسط على الأماكن التي تمتد فيها ظلال هذه الأشخاص علمنا إن الرؤية في هذا الخطاب إنما متعلقها العلم بالكيف المشهود الذي ذكرناه وأن ذلك من الله سبحانه لا من غيره أي أنه لو أراد أن تكون الأشخاص الكثيفة منصوبة والأنوار في جهة منها بمنع تلك الأشخاص انبساط النور على تلك الأماكن فيسمى منعها ظلالا أو يقبض تلك الظلال عن الانبساط على تلك الأماكن ولا يخلق فيها نورا آخر ولا ينبسط ذلك النور المحجوب على تلك الأماكن لما قصرت إرادته عن ذلك كما قال تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وهو رجوع الظل إلى الشخص الممتد منه ببروز النور حتى يشهد ذلك المكان فجعل المقبوض إنما كان قبضه إلى الله لا إلى الجدار وفي الشاهد وما تراه العين إن سبب انقباض الظل وتشميره إلى جهة الشخص الكثيف إنما هو بروز النور فما في المسائل الإلهية ما تقع فيها الحيرة أكثر ولا أعظم من مسألة الأفعال ولا سيما في تعلق الحمد والذم بأفعال المخلوقين فيخرجها ذلك التعلق أن تكون أفعال المخلوقين لغير المخلوقين حال ظهورها عنهم وأفعال الله كلها حسنة في مذهب المخالف الذي ينفي الفعل عن المخلوق ويثبت الذم للفعل بلا خلاف ولا شك عنده في تعلق الذم بذلك الفعل من الله وسببه الكسب لما وقع مخالفا لحمد الله فيه مأمورا كان يفعله فلم يفعله أو منهيا عن فعله ففعله وهذا فيه ما فيه وفي مثل هذه المسائل قلت
حيرة من حيرة صدرت *** ليت شعري ثم من لا يحار
أنا إن قلت أنا قال لا *** وهو إن قال أنا لا يعار
أنا مجبور ولا فعل لي *** والذي أفعله باضطرار
والذي أسند فعلي له *** ليس في أفعاله بالخيار
فإنا وهو على نقطة *** ثبتت ليس لها من قرار
فقد أوقفناك بما ذكرناه في هذا الباب على ما يزيدك حيرة فيه وبعد أن ذكرنا ما ذكرنا
[منزل حيرة ومقام غيرة]
فاعلم أن هذا المنزل هو على الحقيقة منزل حيرة ومقام غيرة ومن علوم هذا المنزل وهو داخل في باب الحيرة اتصاف العدم بالكينونة وهي تقتضيه واتصاف الحق بجعل الموجودات في العدم وخلق العدم بحيث أن يقال فعل الفاعل لا شيء ولا شيء لا يكون فعلا وقد نسبه الحق إليه فقال إن يشأ يذهبكم أن يلحقكم بالعدم ويأت بخلق جديد فانظر كيف أضاف الإلحاق بالعدم إلى المشيئة ولم
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

