المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (582)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (582)]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ الْقَعْنَبِيُّ بِرِوَايَتِهِ إِيَّاهُ فِي الْمُوَطَّأ مَوْصُولًا عَنْ مَالِك , وَلَمْ يَذْكُر غَيْرُهُ مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ فِيهِ اِبْنَ عُمَرَ , وَوَافَقَهُ عَلَى وَصْلِهِ عَنْ مَالِكٍ - خَارِجَ الْمُوَطَّأ - عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَأَبُو قُرَّةَ وَكَامِل بْن طَلْحَة وَآخَرُونَ , وَوَصَلَهُ عَنْ الزُّهْرِيّ جَمَاعَة مِنْ حُفَّاظ أَصْحَابِهِ. قَوْله : ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ , وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اِبْتِدَاءَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمَأْمُور بِهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْت الَّذِي كَانَ يُؤَذِّن فِيهِ مِنْ اللَّيْل بَعْدَ بَابٍ. قَوْله : ( فَكُلُوا ) ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَذَان كَانَ عَلَامَة عِنْدَهُمْ عَلَى دُخُول الْوَقْت فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ أَذَانَ بِلَال بِخِلَافِ ذَلِكَ. قَوْله : ( اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) ) اِسْمه عَمْرو كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الصِّيَام وَفَضَائِلِ الْقُرْآن , وَقِيلَ : كَانَ اِسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ , وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ اِسْمَانِ , وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ , أَسْلَمَ قَدِيمًا , وَالْأَشْهَرُ فِي اِسْم أَبِيهِ قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ. وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُهُ وَيَسْتَخْلِفهُ عَلَى الْمَدِينَة , وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّة فِي خِلَافَة عُمَر فَاسْتُشْهِدَ بِهَا , وَقِيلَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَمَاتَ , وَهُوَ الْأَعْمَى الْمَذْكُور فِي سُورَةِ عَبَسَ , وَاسْم أُمّه عَاتِكَة بِنْت عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيَّة. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى فَكُنِّيَتْ أُمُّهُ أُمَّ مَكْتُومٍ لِانْكِتَامِ نُورِ بَصَرِهِ , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ عَمِيَ بَعْدَ بَدْر بِسَنَتَيْنِ. قَوْله : ( وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ) ظَاهِره أَنَّ فَاعِل قَالَ هُوَ اِبْن عُمَر , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الشَّيْخ الْمُوَفَّقُ فِي "" الْمُغْنِي "" لَكِنْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْن سِنَانٍ كِلَاهُمَا عَنْ الْقَعْنَبِيِّ فَعَيَّنَا أَنَّهُ اِبْن شِهَاب , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق وَمُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو مُسْلِم الْكَجِّيِّ الثَّلَاثَة عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ , وَالْخُزَاعِيُّ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخ , وَتَمَّامٌ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ , وَعُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ , كُلُّهُمْ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ. وَعَلَى هَذَا فَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ إِدْرَاجٌ. وَيُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ كَوْنُ اِبْن شِهَاب قَالَهُ أَنْ يَكُون شَيْخُهُ قَالَهُ , وَكَذَا شَيْخ شَيْخه , وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة الرَّبِيع بْن سُلَيْمَانَ عَنْ اِبْن وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَاللَّيْثِ جَمِيعًا عَنْ اِبْن شِهَاب وَفِيهِ "" قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَر "" فَفِي هَذَا أَنَّ شَيْخ اِبْن شِهَاب قَالَهُ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الصِّيَام عَنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ , وَسَنَذْكُرُ لَفْظه قَرِيبًا , فَثَبَتَتْ صِحَّةُ وَصْلِهِ. وَلِابْنِ شِهَاب فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَفِيهِ الزِّيَادَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : هُوَ حَدِيث آخَرُ لِابْنِ شِهَاب , وَقَدْ وَافَقَ اِبْن إِسْحَاق مَعْمَرًا فِيهِ عَنْ اِبْن شِهَاب. قَوْله : ( أَصْبَحْت أَصْبَحْت ) أَيْ دَخَلْت فِي الصَّبَاح , هَذَا ظَاهِره , وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَذَانَهُ غَايَةً لِلْأَكْلِ , فَلَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّبَاحِ لَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ الْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , وَالْإِجْمَاع عَلَى خِلَافه إِلَّا مَنْ شَذَّ كَالْأَعْمَشِ. وَأَجَابَ اِبْن حَبِيب وَابْن عَبْد الْبَرِّ وَالْأَصِيلِيُّ وَجَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح بِأَنَّ الْمُرَاد قَارَبْت الصَّبَاح وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَوَاب أَنَّ فِي رِوَايَة الرَّبِيع الَّتِي قَدَّمْنَاهَا "" وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاس حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغ الْفَجْر : أَذِّنْ "" وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَة الْمُصَنِّفِ الَّتِي فِي الصِّيَام "" حَتَّى يُؤَذِّنَ اِبْنُ أُمّ مَكْتُوم , فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ "" وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّهُ أَبْلَغُ لِكَوْنِ جَمِيعه مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَيْضًا فَقَوْله "" إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ "" يُشْعِرُ أَنَّ اِبْن أُمّ مَكْتُوم بِخِلَافِهِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الصُّبْح لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِلَال فَرْقٌ لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْت , وَهَذَا الْمَوْضِع عِنْدِي فِي غَايَة الْإِشْكَال , وَأَقْرَبُ مَا يُقَال فِيهِ إِنَّ أَذَانَهُ جُعِلَ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب , وَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْ يُرَاعِي الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَكُون أَذَانه مُقَارِنًا لِابْتِدَاءِ طُلُوع الْفَجْر وَهُوَ الْمُرَاد بِالْبُزُوغِ , وَعِنْدَ أَخْذِهِ فِي الْأَذَان يَعْتَرِضُ الْفَجْرُ فِي الْأُفُق , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِ الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ "" أَصْبَحْت "" أَيْ قَارَبْت الصَّبَاح وُقُوعُ أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلهمْ ذَلِكَ يَقَع فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْل وَأَذَانُهُ يَقَع فِي أَوَّل جُزْء مِنْ طُلُوع الْفَجْر , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَبْعَدًا فِي الْعَادَة فَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنْ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤَيَّدِ بِالْمَلَائِكَةِ , فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الصِّفَة , وَقَدْ رَوَى أَبُو قُرَّةَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر حَدِيثًا فِيهِ "" وَكَانَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يَتَوَخَّى الْفَجْر فَلَا يُخْطِئُهُ "". وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَازُ الْأَذَان قَبْلَ طُلُوع الْفَجْر , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ , وَاسْتِحْبَاب أَذَان وَاحِد بَعْدَ وَاحِد. وَأَمَّا أَذَان اِثْنَيْنِ مَعًا فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ , وَيُقَال إِنَّ أَوَّل مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ , وَقَالَ الشَّافِعِيَّة : لَا يُكْرَهُ إِلَّا إِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ تَهْوِيشٌ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اِتِّخَاذ مُؤَذِّنَيْنِ فِي الْمَسْجِد الْوَاحِد , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَأَمَّا الزِّيَادَة عَلَى الِاثْنَيْنِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَعَرُّضٌ لَهُ. اِنْتَهَى. وَنَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى جَوَازه وَلَفْظه : وَلَا يَتَضَيَّقُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ أَذَّنَ أَكْثَرُ مِنْ اِثْنَيْنِ , وَعَلَى جَوَاز تَقْلِيد الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي دُخُول الْوَقْت وَفِيهِ أَوْجُهٌ , وَاخْتُلِفَ فِيهِ التَّرْجِيح , وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ فِي كُتُبِهِ أَنَّ لِلْأَعْمَى وَالْبَصِير اِعْتِمَادَ الْمُؤَذِّنِ الثِّقَةِ , وَعَلَى جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى , وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي كِتَاب الشَّهَادَات. وَعَلَى جَوَاز الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد , وَعَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَجْر مِنْ حُكْم النَّهَار , وَعَلَى جَوَاز الْأَكْل مَعَ الشَّكّ فِي طُلُوع الْفَجْر لِأَنَّ الْأَصْل بَقَاءُ اللَّيْل , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِك فَقَالَ : يَجِبُ الْقَضَاء. وَعَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الصَّوْت فِي الرِّوَايَة إِذَا كَانَ عَارِفًا بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِد الرَّاوِي , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ شُعْبَة لِاحْتِمَالِ الِاشْتِبَاه. وَعَلَى جَوَاز ذِكْرِ الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْعَاهَة إِذَا كَانَ يَقْصِد التَّعْرِيف وَنَحْوَهُ , وَجَوَاز نِسْبَة الرَّجُل إِلَى أُمّه إِذَا اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ.



