موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6629)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6629)]

‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ‏ ‏فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏


‏ ‏قَوْله ( لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُب إِلَى الرُّوم ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة سِتّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي شَرْح حَدِيث أَبِي سُفْيَان الطَّوِيل الْمُذْكُو فِي بَدْء الْوَحْيِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم الْقَائِل بِعَيْنِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَاتَّخَذَ خَاتَمًا إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر اللِّبَاس , وَجُمْلَة مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَة بِآثَارِهَا ثَلَاثَة أَحْكَام : الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , "" وَكِتَاب الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي "" وَالشَّهَادَة عَلَى الْإِقْرَار بِمَا فِي الْكِتَاب. ‏ ‏وَظَاهِر صَنِيع الْبُخَارِيّ جَوَاز جَمِيع ذَلِكَ , فَأَمَّا الْحُكْم الْأَوَّل فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة لَا تَجُوز لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطّه إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ تِلْكَ الشَّهَادَة , فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظهَا فَلَا يَشْهَد , فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ اِنْتَقَشَ خَاتَمًا وَمَنْ شَاءَ كَتَبَ كِتَابًا , وَقَدْ فُعِلَ مِثْله فِي أَيَّام عُثْمَان فِي قِصَّة مَذْكُورَة فِي سَبَب قَتْله , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وَأَجَازَ مَالِك الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , وَنَقَلَ اِبْن شَعْبَان عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ قَالَ : لَا آخُذ بِقَوْلِ مَالِك فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : خَالَفَ مَالِكًا جَمِيع الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ وَعَدُّوا قَوْله فِي ذَلِكَ شُذُوذًا , لِأَنَّ الْخَطّ قَدْ يُشْبِه الْخَطّ , وَلَيْسَتْ شَهَادَة عَلَى قَوْل مِنْهُ وَلَا مُعَايَنَة. وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَارِث : الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ خَطَأ , فَقَدْ قَالَ مَالِك فِي رَجُل قَالَ : سَمِعْت فُلَانًا يَقُول رَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ طَلَّقَ اِمْرَأَته أَوْ قَذَفَ : لَا يَشْهَد عَلَى شَهَادَته إِلَّا إِنْ أَشْهَدَهُ. قَالَ : فَالْخَطّ أَبْعَد مِنْ هَذَا وَأَضْعَف , قَالَ : وَالشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ فِي الْحَقِيقَة اِسْتِشْهَاد الْمَوْتَى , وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم : لَا يُقْضَى فِي دَهْرنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطّ ; لِأَنَّ النَّاس قَدْ أَحْدَثُوا ضُرُوبًا مِنْ الْفُجُور. وَقَدْ قَالَ مَالِك : يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ عَلَى نَحْو مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُور. وَقَدْ كَانَ النَّاس فِيمَا مَضَى يُجِيزُونَ الشَّهَادَة عَلَى خَاتَم الْقَاضِي ثُمَّ رَأَى مَالِك أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز فَهَذِهِ أَقْوَال الْجَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة تُوَافِق الْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْكَرَابِيسِيُّ فِي "" كِتَاب أَدَب الْقَضَاء "" لَهُ أَجَازَ الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ قَوْم لَا نَظَر لَهُمْ , فَإِنَّ الْكُتَّاب يُشَبِّهُونَ الْخَطّ بِالْخَطِّ حَتَّى يُشْكِل ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمهُمْ اِنْتَهَى , وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْعَصْر فَكَيْف بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَهُمْ أَكْثَر مُسَارَعَة إِلَى الشَّرّ مِمَّنْ مَضَى وَأَدَقّ نَظَرًا فِيهِ وَأَكْثَر هُجُومًا عَلَيْهِ , وَأَمَّا الْحُكْم الثَّانِي فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفُوا فِي "" كُتُب الْقُضَاة "" فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الْجَوَاز , وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة الْحُدُود , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَاَلَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى الْحَنَفِيَّة قَوِيّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا إِلَّا بَعْدَ ثُبُوت الْقَتْل قَالَ : وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقُضَاة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ إِجَازَة ذَلِكَ حُجَّتهمْ فِيهِ ظَاهِرَة مِنْ الْحَدِيث , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى الْمُلُوك وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَشْهَدَ أَحَدًا عَلَى كِتَابه. قَالَ : ثُمَّ أَجْمَعَ فُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَوَّار وَابْن أَبِي لَيْلَى مِنْ اِشْتِرَاط الشُّهُود لِمَا دَخَلَ النَّاس مِنْ الْفَسَاد فَاحْتِيطَ لِلدِّمَاءِ وَالْأَمْوَال. وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ مَالِك قَالَ : كَانَ مِنْ أَمْر النَّاس الْقَدِيم إِجَازَة الْخَوَاتِيم حَتَّى أَنَّ الْقَاضِي لَيَكْتُب لِلرَّجُلِ الْكِتَاب , فَمَا يَزِيد عَلَى خَتْمه فَيُعْمَل بِهِ , حَتَّى اُتُّهِمُوا فَصَارَ لَا يُقْبَل إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ. ‏ ‏وَأَمَّا الْحُكْم الثَّالِث فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا كَتَبَهُ وَلَمْ يَقْرَأهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَرَّفَهُمَا بِمَا فِيهِ , فَقَالَ مَالِك : يَجُوز ذَلِكَ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ) قَالَ : وَحُجَّة مَالِك أَنَّ الْحَاكِم إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كِتَابه فَالْغَرَض مِنْ الشَّهَادَة عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ الْقَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا "" كِتَاب الْقَاضِي "" إِلَيْهِ , وَقَدْ يَثْبُت عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ أُمُور النَّاس مَا لَا يَجِب أَنْ يَعْلَمهُ كُلّ أَحَد كَالْوَصِيَّةِ إِذَا ذَكَرَ الْمُوصِي مَا فَرَّطَ فِيهِ مَثَلًا. قَالَ : وَقَدْ أَجَازَ مَالِك أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْوَصِيَّة الْمَخْتُومَة وَعَلَى الْكِتَاب الْمَطْوِيّ , وَيَقُولَانِ لِلْحَاكِمِ نَشْهَد عَلَى إِقْرَاره بِمَا فِي هَذَا الْكِتَاب , وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ كُتُب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَّاله مِنْ غَيْر أَنْ يَقْرَأهَا عَلَى مَنْ حَمَلَهَا ; وَهِيَ مُشْتَمِلَة عَلَى الْأَحْكَام وَالسُّنَن. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ الْكِتَاب إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَالْحُجَّة بِمَا فِيهِ قَائِمَة لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُب إِلَيْهِمْ , وَإِنَّمَا اِتَّخَذَ الْخَاتَم لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الْكِتَاب إِلَّا إِذَا كَانَ مَخْتُومًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ "" كِتَاب الْقَاضِي "" حُجَّة مَخْتُومًا كَانَ أَوْ غَيْر مَخْتُوم. وَاخْتُلِفَ فِي الْحُكْم بِالْخَطِّ الْمُجَرَّد كَأَنْ يَرَى الْقَاضِي خَطّه بِالْحُكْمِ فَيَطْلُب مِنْهُ الْمَحْكُوم لَهُ الْعَمَل بِهِ , فَالْأَكْثَر لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُم حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَاقِعَة كَمَا فِي الشَّاهِد وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; وَقِيلَ : إِنْ كَانَ الْمَكْتُوب فِي حِرْز الْحَاكِم أَوْ الشَّاهِد مُنْذُ حُكِمَ فِيهِ أَوْ تَحَمَّلَ إِلَى أَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْحُكْم أَوْ الشَّهَادَة جَازَ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّر وَإِلَّا فَلَا , وَقِيلَ : إِذَا تَيَقُّن أَنَّهُ خَطّه سَاغَ لَهُ الْحُكْم وَالشَّهَادَة وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّر , وَالْأَوْسَط أَعْدَل الْمَذَاهِب وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد رَجَّحَهَا كَثِير مِنْ أَتْبَاعه , وَالْأَوَّل قَوْل مَالِك وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَتَعَرَّض الشَّارِح لِمَقْصُودِ الْبَاب لِأَنَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَدَلَّ عَلَى الْخَطّ بِكِتَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّوم وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُول : إِنَّ مَضْمُون "" الْكِتَاب "" دُعَاؤُهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَمْر قَدْ اِشْتَهَرَ لِثُبُوتِ الْمُعْجِزَة وَالْقَطْع بِصِدْقِهِ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ , فَلَمْ يَلْزَمهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطّ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِل بِهِ إِنَّمَا يُفِيد ظَنًّا , وَالْإِسْلَام لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ إِجْمَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْم حَصَلَ بِمَضْمُونِ الْخَطّ مَقْرُونًا بِالتَّوَاتُرِ السَّابِق عَلَى الْكِتَاب , فَكَانَ الْكِتَاب كَالتَّذْكِرَةِ وَالتَّوْكِيد فِي الْإِنْذَار , مَعَ أَنَّ حَامِل الْكِتَاب قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَالْحَقّ أَنَّ الْعُمْدَة عَلَى أَمْره الْمَعْلُوم مَعَ قَرَائِن الْحَال الْمُصَاحِبَة لِحَامِلِ الْكِتَاب , وَمَسْأَلَة الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ مَفْرُوضَة فِي الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّدِ الْخَطّ , قَالَ : وَالْفَرْق بَيْن الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ وَبَيْن "" كِتَاب الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي "" فِي أَنَّ الْقَائِل بِالْأَوَّلِ أَقَلّ مِنْ الْقَائِل بِالثَّانِي تَطَرُّق الِاحْتِمَال فِي الْأَوَّل وَنُدُورهُ فِي الثَّانِي لِبُعْدِ اِحْتِمَال التَّزْوِير عَلَى الْقَاضِي وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ تُمْكِنُ الْمُرَاجَعَة , وَلِذَلِكَ شَاعَ الْعَمَل بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْقُضَاة وَنُوَّابهمْ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!