موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6830)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6830)]

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ‏


‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ السُّكَّرِيّ وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه ) ‏ ‏الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي "" كِتَاب الْأَدَب "" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله هُنَا "" وَيَرْزُقهُمْ "" وَقَوْله "" يَدْعُونَ "" بِسُكُونِ الدَّال وَجَاءَ تَشْدِيدهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : تَضَمَّنَ هَذَا الْبَاب صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى : صِفَة ذَات , وَصِفَة فِعْل , فَالرِّزْق فِعْل مِنْ أَفْعَاله تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَات فِعْله ; لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى كَانَ وَلَا مَرْزُوق وَكُلّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَاَللَّه سُبْحَانه مَوْصُوف بِأَنَّهُ الرَّزَّاق وَوَصَفَ نَفْسه بِذَلِكَ قَبْل خَلْق الْخَلْق , بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ , وَالْقُوَّة مِنْ صِفَات الذَّات وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَة , وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانه وَتَعَالَى ذَا قُوَّة وَقُدْرَة , وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَته مَوْجُودَة قَائِمَة بِهِ مُوجِبَة لَهُ حُكْم الْقَادِرِينَ. وَالْمَتِين بِمَعْنَى الْقَوِيّ وَهُوَ فِي اللُّغَة الثَّابِت الصَّحِيح وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْقَوِيّ التَّامّ الْقُدْرَة لَا يُنْسَب إِلَيْهِ عَجْز فِي حَالَة مِنْ الْأَحْوَال , وَيَرْجِع مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَة وَالْقَادِر , هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَة الشَّامِلَة وَالْقُدْرَة صِفَة لَهُ قَائِمَة بِذَاتِهِ , وَالْمُقْتَدِر هُوَ التَّامّ الْقُدْرَة الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء. وَفِي الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ قَادِر بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ ; لِأَنَّ الْقُوَّة بِمَعْنَى الْقُدْرَة , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( ذُو الْقُوَّة ) وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ذُو الْقُوَّة : الشَّدِيد الْقُوَّة وَالْمَعْنَى فِي وَصْفه بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَة أَنَّهُ الْقَادِر الْبَلِيغ الِاقْتِدَار , فَجَرَى عَلَى طَرِيقهمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَة نَفْسِيَّة , خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْل السُّنَّة إِنَّهَا صِفَة قَائِمَة بِهِ مُتَعَلِّقَة بِكُلِّ مَقْدُور وَقَالَ غَيْره : كَوْن الْقُدْرَة قَدِيمَة وَإِفَاضَة الرِّزْق حَادِثَة لَا يَتَنَافَيَانِ ; لِأَنَّ الْحَادِث هُوَ التَّعَلُّق وَكَوْنه رَزَقَ الْمَخْلُوق بَعْد وُجُوده لَا يَسْتَلْزِم التَّغَيُّر فِيهِ ; لِأَنَّ التَّغَيُّر فِي التَّعَلُّق فَإِنَّ قُدْرَته لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَة بِإِعْطَاءِ الرِّزْق بَلْ بِكَوْنِهِ سَيَقَعُ , ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ غَيْر أَنْ تَتَغَيَّر الصِّفَة فِي نَفْس الْأَمْر , وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الِاخْتِلَاف : هَلْ الْقُدْرَة مِنْ صِفَات الذَّات أَوْ مِنْ صِفَات الْأَفْعَال ؟ فَمَنْ نَظَرَ فِي الْقُدْرَة إِلَى الِاقْتِدَار عَلَى إِيجَاد الرِّزْق قَالَ هِيَ صِفَة ذَات قَدِيمَة , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَعَلُّق الْقُدْرَة قَالَ هِيَ صِفَة فِعْل حَادِثَة , وَلَا اِسْتِحَالَة فِي ذَلِكَ فِي الصِّفَات الْفِعْلِيَّة وَالْإِضَافِيَّة بِخِلَافِ الذَّاتِيَّة , وَقَوْله فِي الْحَدِيث "" أَصْبَر "" أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الصَّبْر وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى سُبْحَانه وَتَعَالَى : الصَّبُور وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعَاجِل الْعُصَاة بِالْعُقُوبَةِ , وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْحَلِيم , وَالْحَلِيم أَبْلَغ فِي السَّلَامَة مِنْ الْعُقُوبَة , وَالْمُرَاد بِالْأَذَى أَذَى رُسُله وَصَالِحِي عِبَاده لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّق أَذَى الْمَخْلُوقِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ صِفَة نَقْص وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلّ نَقْص , وَلَا يُؤَخِّر النِّقْمَة قَهْرًا بَلْ تَفَضُّلًا , وَتَكْذِيب الرُّسُل فِي نَفْي الصَّاحِبَة وَالْوَلَد عَنْ اللَّه أَذًى لَهُمْ , فَأُضِيفَ الْأَذَى لِلَّهِ تَعَالَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِعْظَام لِمَقَالَتِهِمْ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه وَرَسُوله لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاء اللَّه وَأَوْلِيَاء رَسُوله , فَأُقِيم الْمُضَاف مَقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ , قَالَ اِبْن الْمُنِير وَجْه مُطَابَقَة الْآيَة لِلْحَدِيثِ اِشْتِمَاله عَلَى صِفَتَيْ الرِّزْق وَالْقُوَّة الدَّالَّة عَلَى الْقُدْرَة , أَمَّا الرِّزْق فَوَاضِح مِنْ قَوْله ( وَيَرْزُقهُمْ ) وَأَمَّا الْقُوَّة فَمِنْ قَوْله ( أَصْبَر ) فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْقُدْرَة عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ مَعَ إِسَاءَتهمْ , بِخِلَافِ طَبْع الْبَشَر فَإِنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى الْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء إِلَّا مِنْ جِهَة تَكَلُّفه ذَلِكَ شَرْعًا , وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ خَوْف الْفَوْت يَحْمِلهُ عَلَى الْمُسَارَعَة إِلَى الْمُكَافَأَة بِالْعُقُوبَةِ , وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَادِر عَلَى ذَلِكَ حَالًا وَمَآلًا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَفُوتُهُ. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!