المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6908)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6908)]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ حَرْثِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ الْأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا
حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُؤَال الْيَهُود عَنْ الرُّوح , وَقَوْله ( قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْر رَبِّي ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرُّوح قَدِيمَة زَعْمًا أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ هُنَا الْأَمْر الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى ( أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر ) وَهُوَ فَاسِد فَإِنَّ الْأَمْر وَرَدَ فِي الْقُرْآن لِمَعَانٍ يَتَبَيَّن الْمُرَاد بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ سِيَاق الْكَلَام وَسَيَأْتِي فِي بَاب ( وَاللَّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) مَا يَتَعَلَّق بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّلَب الَّذِي هُوَ أَحَد أَنْوَاع الْكَلَام , وَأَمَّا الْأَمْر فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَأْمُور كَمَا يُقَال الْخَلْق وَيُرَاد بِهِ الْمَخْلُوق وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث فَفِي تَفْسِير السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ غَيْره فِي قَوْله تَعَالَى ( قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي ) يَقُول هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَمْر اللَّه , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالرُّوحِ الْمَسْئُول عَنْهَا هَلْ هِيَ الرُّوح الَّتِي تَقُوم بِهَا الْحَيَاة أَوْ الرُّوح الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْم يَقُوم الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ) وَفِي قَوْله تَعَالَى ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِأَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا يَقَع فِي الْعَادَة عَمَّا لَا يُعْرَف إِلَّا بِالْوَحْيِ , وَالرُّوح الَّتِي بِهَا الْحَيَاة قَدْ تَكَلَّمَ النَّاس فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا , بِخِلَافِ الرُّوح الْمَذْكُور فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا عِلْم لَهُمْ بِهِ بَلْ هِيَ مِنْ عِلْم الْغَيْب بِخِلَافِ الْأُولَى , وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ لَفْظ الرُّوح عَلَى الْوَحْي فِي قَوْله تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) وَفِي قَوْله ( يُلْقِي الرُّوح مِنْ أَمْره عَلَى مَنْ يَشَاء ) وَعَلَى الْقُوَّة وَالثَّبَات وَالنَّصْر فِي قَوْله تَعَالَى ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) وَعَلَى جِبْرِيل فِي عِدَّة آيَات وَعَلَى عِيسَى بْن مَرْيَم وَلَمْ يَقَع فِي الْقُرْآن تَسْمِيَة رُوح بَنِي آدَم رُوحًا بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْله : النَّفْس الْمُطَمْئِنَة , وَالنَّفْس الْأَمَارَة بِالسُّوءِ , وَالنَّفْس اللَّوَّامَة , وَأَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ , وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا , كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت , وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَة بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى ( وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي ) وَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِضَافَة تَقَع عَلَى صِفَة تَقُوم بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة , وَعَلَى مَا يَنْفَصِل عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّه وَنَاقَة اللَّه فَقَوْله : رُوح اللَّه , مِنْ هَذَا الْقَبِيل. الثَّانِي : وَهِيَ إِضَافَة تَخْصِيص وَتَشْرِيف وَهِيَ فَوْق الْإِضَافَة الْعَامَّة الَّتِي بِمَعْنَى الْإِيجَاد فَالْإِضَافَة عَلَى ثَلَاث مَرَاتِب : إِضَافَة إِيجَاد وَإِضَافَة تَشْرِيف وَإِضَافَة صِفَة , وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرُّوح مَخْلُوقَة عُمُوم قَوْله تَعَالَى : "" اللَّه خَالِق كُلّ شَيْء "" "" وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء "" "" رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ "" , وَالْأَرْوَاح مَرْبُوبَة وَكُلّ مَرْبُوب مَخْلُوق رَبّ الْعَالَمِينَ , وَقَوْله تَعَالَى لِزَكَرِيَّا : ( وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) وَهَذَا الْخِطَاب لِجَسَدِهِ وَرُوحه مَعًا , وَمِنْهُ قَوْله ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِينٌ مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) سَوَاء قُلْنَا إِنَّ قَوْله خَلْقنَا يَتَنَاوَل الْأَرْوَاح وَالْأَجْسَاد مَعًا أَوْ الْأَرْوَاح فَقَطْ , وَمِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ "" كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره "" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي "" كِتَاب بَدْء الْخَلْق "" وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاح , وَحَدِيث "" الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة "" وَالْجُنُود الْمُجَنَّدَة لَا تَكُون إِلَّا مَخْلُوقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحُهُ فِي "" كِتَاب الْأَدَب "" وَحَدِيث أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي : يَا رَسُول اللَّه أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك , وَالْمُرَاد بِالنَّفْسِ الرُّوح قَطْعًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث "" إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحكُمْ حِين شَاءَ "" الْحَدِيث , كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِين مَوْتهَا ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي سُورَة سُبْحَان , وَقَوْله فِي آخِره ( وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ "" وَمَا أُوتِيتُمْ "" عَلَى وَفْق الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله فِي بَقِيَّته : قَالَ الْأَعْمَش هَكَذَا فِي قِرَاءَتنَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : غَرَضه الرَّدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة فِي زَعْمهمْ أَنَّ أَمْر اللَّه مَخْلُوق , فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْر هُوَ قَوْله تَعَالَى لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُون بِأَمْرِهِ لَهُ وَأَنَّ أَمْره وَقَوْله بِمَعْنًى وَاحِد , وَأَنَّهُ يَقُول كُنْ حَقِيقَة , وَأَنَّ الْأَمْر غَيْر الْخَلْق لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي بَاب : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ).



