موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (1942)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (1942)]

‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏كُلُّ عَمَلِ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فَوَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ‏


‏ ‏قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّه تَعَالَى : كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) ‏ ‏اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ مَعَ كَوْن جَمِيع الطَّاعَات لِلَّهِ تَعَالَى , فَقِيلَ : سَبَب إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ , فَلَمْ يُعَظِّم الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ , وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقِيلَ : لِأَنَّ الصَّوْم بَعِيدٌ مِنْ الرِّيَاء لِخَفَائِهِ , بِخِلَافِ الصَّلَاة وَالْحَجّ وَالْغَزْوَة وَالصَّدَقَة وَغَيْرهَا مِنْ الْعِبَادَات الظَّاهِرَة , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّائِمِ وَنَفْسه فِيهِ حَظٌّ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّ الِاسْتِغْنَاء عَنْ الطَّعَام مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى , فَتَقَرُّب الصَّائِم بِمَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الصِّفَة وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه أَوْ تَضْعِيف حَسَنَاته وَغَيْره مِنْ الْعِبَادَات أَظْهَر سُبْحَانَهُ بَعْض مَخْلُوقَاته عَلَى مِقْدَار ثَوَابهَا , وَقِيلَ : هِيَ إِضَافَة تَشْرِيف , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { نَاقَة اللَّه } مَعَ أَنَّ الْعَالَم كُلّه لِلَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان عِظَم فَضْل الصَّوْم وَحَثّ إِلَيْهِ. ‏ ‏وَقَوْله تَعَالَى : ( وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) بَيَان لِعِظَمِ فَضْله , وَكَثْرَةِ ثَوَابه ; لِأَنَّ الْكَرِيم إِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْجَزَاء اِقْتَضَى عِظَم قَدْر الْجَزَاء وَسَعَة الْعَطَاء. ‏ ‏قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَخُلْفَةُ فَم الصَّائِم أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة : ( لَخُلُوف ) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ , هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِيهِ بِضَمِّ الْخَاء , ز,ڈ[,ڈa,ڈنَاهُ , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ أَهْل الْغَرِيب , وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي كُتُب اللُّغَة , وَقَالَ الْقَاضِي : الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِضَمِّ الْخَاء , قَالَ : وَكَثِير مِنْ الشُّيُوخ يَرْوِيهِ بِفَتْحِهَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ خَطَأٌ. قَالَ الْقَاضِي : وَحُكِيَ عَنْ الْفَارِسِيّ فِيهِ الْفَتْح وَالضَّمّ , وَقَالَ : أَهْل الْمَشْرِق يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ , وَالصَّوَاب : الضَّمّ , وَيُقَال : ( خَلَفَ فُوهُ ) بِفَتْحِ الْخَاء وَاللَّام , ( يَخْلُفُ ) بِضَمِّ اللَّام , وَ ( أَخْلَفَ يَخْلُف ) إِذَا تَغَيَّرَ , وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث : فَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا مَجَاز وَاسْتِعَارَة ; لِأَنَّ اِسْتِطَابَة بَعْض الرَّوَائِح مِنْ صِفَات الْحَيَوَان الَّذِي لَهُ طَبَائِع تَمِيل إِلَى شَيْء فَتَسْتَطِيبُهُ , وَتَنْفِرُ مِنْ شَيْءٍ فَتَسْتَقْذِرُهُ , وَاَللَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّسٌ عَنْ ذَلِكَ , لَكِنْ جَرَتْ عَادَتُنَا بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِح الطَّيِّبَة مِنَّا , فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ فِي الصَّوْم , لِتَقْرِيبِهِ مِنْ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْآخِرَة , فَتَكُون نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيح الْمِسْك , كَمَا أَنَّ دَم الشَّهِيد يَكُون رِيحه رِيح الْمِسْك. ‏ ‏وَقِيلَ : يَحْصُل لِصَاحِبِهِ مِنْ الثَّوَاب أَكْثَر مِمَّا يَحْصُل لِصَاحِبِ الْمِسْك. ‏ ‏وَقِيلَ : رَائِحَتُهُ عِنْد مَلَائِكَة اللَّه تَعَالَى أَطْيَب مِنْ رَائِحَة الْمِسْك عِنْدنَا , وَإِنْ كَانَتْ رَائِحَة الْخُلُوف عِنْدَنَا خِلَافَهُ. ‏ ‏وَالْأَصَحّ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيّ مِنْ الْمَغَارِبَة , وَقَالَهُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا : إِنَّ الْخُلُوف أَكْثَر ثَوَابًا مِنْ الْمِسْك , حَيْثُ نُدِبَ إِلَيْهِ فِي الْجَمْع وَالْأَعْيَاد وَمَجَالِس الْحَدِيث وَالذِّكْر وَسَائِر مَجَامِع الْخَيْر. ‏ ‏وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى كَرَاهَة السِّوَاك لِلصَّائِمِ بَعْد الزَّوَال ; لِأَنَّهُ يُزِيل الْخُلُوف الَّذِي هَذِهِ صِفَته وَفَضِيلَته , وَإِنْ كَانَ السِّوَاك فِيهِ فَضْل أَيْضًا ; لِأَنَّ فَضِيلَة الْخُلُوف أَعْظَم وَقَالُوا : كَمَا أَنَّ دَم الشُّهَدَاء مَشْهُود لَهُ بِالطِّيبِ , وَيُتْرَك لَهُ غُسْل الشَّهِيد مَعَ أَنَّ غُسْل الْمَيِّت وَاجِب , فَإِذَا تَرَكَ الْوَاجِب لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَقَاء الدَّم الْمَشْهُود لَهُ بِالطِّيبِ فَتَرْك السِّوَاك الَّذِي لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَقَاء الْخُلُوفِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!