المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (2062)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (2062)]
و حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ح و حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ فَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ نَاوِلُونِي السَّوْطَ فَقَالُوا وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَعَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي فَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأْكُلُوهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَامَنَا فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ
قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ يَقُول : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَة فَمِنَّا الْمُحْرِم وَمِنَّا غَيْر الْمُحْرِم ) إِلَى آخِره ( الْقَاحَة ) بِالْقَافِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة الْمُخَفَّفَة , هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَعْرُوف فِي جَمِيع الْكُتُب , وَاَلَّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاء مِنْ كُلّ طَائِفَة , قَالَ الْقَاضِي : كَذَا قَيَّدَهَا النَّاس كُلّهمْ , قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ الْبُخَارِيّ بِالْفَاءِ , وَهُوَ وَهْم , وَالصَّوَاب الْقَاف , وَهُوَ وَادٍ عَلَى نَحْو مِيل مِنْ السُّقْيَا , وَعَلَى ثَلَاث مَرَاحِل مِنْ الْمَدِينَة. قَوْله : ( فَمِنَّا الْمُحْرِم وَمِنَّا غَيْر الْمُحْرِم ) قَدْ يُقَال : كَيْف كَانَ أَبُو قَتَادَةَ وَغَيْره مِنْهُمْ غَيْر مُحْرِمِينَ وَقَدْ جَاوَزُوا مِيقَات الْمَدِينَة , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَة لَا يَجُوز لَهُ مُجَاوَزَة الْمِيقَات غَيْر مُحْرِم ؟ قَالَ الْقَاضِي - فِي جَوَاب هَذَا - : قِيلَ إِنَّ الْمَوَاقِيت لَمْ تَكُنْ وُقِّتَتْ بَعْد , وَقِيلَ : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا قَتَادَةَ وَرُفْقَته لِكَشْفِ عَدُوّ لَهُمْ بِجِهَةِ السَّاحِل , كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة , بَلْ بَعَثَهُ أَهْل الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِيُعْلِمهُ أَنَّ بَعْض الْعَرَب يَقْصِدُونَ الْإِغَارَة عَلَى الْمَدِينَة , وَقِيلَ : إِنَّهُ خَرَجَ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَة , قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا بَعِيد. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي , فَقُلْت لِأَصْحَابِي - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - : نَاوَلُونِي السَّوْط , فَقَالُوا : وَاَللَّه لَا نُعِينك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَان مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ ؟ قَالُوا : لَا. قَالَ : فَكُلُوهُ ) هَذَا ظَاهِر فِي الدَّلَالَة عَلَى تَحْرِيم الْإِشَارَة وَالْإِعَانَة مِنْ الْمُحْرِم فِي قَتْل الصَّيْد , وَكَذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَيْهِ , وَكُلّ سَبَب , وَفِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ عَلَى أَبِي حَنِيفَة فِي قَوْله : لَا تَحِلّ الْإِعَانَة مِنْ الْمُحْرِم إِلَّا إِذَا لَمْ يُمْكِن اِصْطِيَاده بِدُونِهَا. قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ : كُلُوهُ وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا تَأْكُلُوهُ ) ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُوَ حَلَال فَكُلُوهُ ) فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مَسَائِل الْفُرُوع وَالِاخْتِلَاف فِيهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُوَ حَلَال فَكُلُوهُ ) صَرِيح فِي أَنَّ الْحَلَال إِذَا صَادَ صَيْدًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحْرِم إِعَانَة وَلَا إِشَارَة وَلَا دَلَالَة عَلَيْهِ , حَلَّ لِلْمُحْرِمِ أَكْله , وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ. قَوْله : ( إِذْ بَصُرْت بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا ) , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( يَضْحَك بَعْضهمْ إِلَيَّ ; إِذْ نَظَرْت فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْش ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ( يَضْحَك إِلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاء , قَالَ الْقَاضِي : هَذَا خَطَأ وَتَصْحِيف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَعْض الرُّوَاة عَنْ مُسْلِم وَالصَّوَاب ( يَضْحَك إِلَى بَعْض ) فَأَسْقَطَ لَفْظَة ( بَعْض ) وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا كَمَا هُوَ مَشْهُور فِي بَاقِي الرِّوَايَات ; لِأَنَّهُمْ لَوْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ لَكَانَتْ إِشَارَة مِنْهُمْ , وَقَدْ قَالُوا : إِنَّهُمْ لَمْ يُشِيرُوا إِلَيْهِ , قُلْت : لَا يُمْكِن رَدّ هَذِهِ الرِّوَايَة , فَقَدْ صَحَّتْ هِيَ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَلَيْسَ فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا دَلَالَة وَلَا إِشَارَة إِلَى الصَّيْدَة , فَإِنَّ مُجَرَّد الضَّحِك لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة. قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا ضَحِكُوا تَعَجُّبًا مِنْ عُرُوض الصَّيْد , وَلَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَيْهِ لِمَنْعِهِمْ مِنْهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَإِذَا حِمَار وَحْش ) وَكَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات ( حِمَار وَحْش ) , وَفِي رِوَايَة أَبِي كَامِل الْجَحْدَرِيِّ : ( إِذْ رَأَوْا حُمُر وَحْش فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمهَا ) فَهَذِهِ الرِّوَايَة تُبَيِّن أَنَّ الْحِمَار فِي أَكْثَر الرِّوَايَات الْمُرَاد بِهِ أُنْثَى وَهِيَ الْأَتَان , وَسُمِّيَتْ حِمَارًا مَجَازًا.



