المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (378)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (378)]
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الِاخْتِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ
قَوْله : ( الْفِطْرَة خَمْس , ثُمَّ فَسَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمْس فَقَالَ : ( الْخِتَان وَالِاسْتِحْدَاد وَتَقْلِيم الْأَظْفَار وَنَتْف الْإِبْط وَقَصّ الشَّارِب ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( عَشْر مِنْ الْفِطْرَة : قَصّ الشَّارِب وَإِعْفَاء اللِّحْيَة وَالسِّوَاك وَاسْتِنْشَاق الْمَاء وَقَصّ الْأَظْفَار وَغَسْل الْبَرَاجِم وَنَتْف الْإِبْط وَحَلْق الْعَانَة وَانْتِقَاص الْمَاء قَالَ مُصْعَب : وَنَسِيت الْعَاشِرَة إِلَّا أَنْ تَكُون الْمَضْمَضَة ) أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْفِطْرَة خَمْس ) فَمَعْنَاهُ خَمْس مِنْ الْفِطْرَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( عَشْر مِنْ الْفِطْرَة ) , وَلَيْسَتْ مُنْحَصِرَة فِي الْعَشْر , وَقَدْ أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَدَم اِنْحِصَارهَا فِيهَا بِقَوْلِهِ : "" مِنْ الْفِطْرَة "". وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا الْفِطْرَة ; فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهَا هُنَا ; فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ : ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهَا السُّنَّة , وَكَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَة غَيْر الْخَطَّابِيّ قَالُوا : وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا مِنْ سُنَن الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ , وَقِيلَ : هِيَ الدِّين , ثُمَّ إِنَّ مُعْظَم هَذِهِ الْخِصَال لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَنْد الْعُلَمَاء , وَفِي بَعْضهَا خِلَاف فِي وُجُوبه كَالْخِتَانِ وَالْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق , وَلَا يَمْتَنِع قَرْن الْوَاجِب بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَره إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده } وَالْإِيتَاء وَاجِب , وَالْأَكْل لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَاَللَّه أَعْلَم. أَمَّا تَفْصِيلهَا ( فَالْخِتَان ) وَاجِب عِنْد الشَّافِعِيّ وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , وَسُنَّة عِنْد مَالِك وَأَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَاجِب عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا , ثُمَّ إِنَّ الْوَاجِب فِي الرَّجُل أَنْ يَقْطَع جَمِيع الْجِلْدَة الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَة حَتَّى يَنْكَشِف جَمِيع الْحَشَفَة , وَفِي الْمَرْأَة يَجِب قَطْع أَدْنَى جُزْء مِنْ الْجَلْدَة الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْج , وَالصَّحِيح مِنْ مَذْهَبنَا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور أَصْحَابنَا أَنَّ الْخِتَان جَائِز فِي حَال الصِّغَر لَيْسَ بِوَاجِبٍ , وَلَنَا وَجْه أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْوَلِيّ أَنْ يَخْتِنَ الصَّغِير قَبْل بُلُوغه , وَوَجْه أَنَّهُ يَحْرُم خِتَانه قَبْل عَشْر سِنِينَ , وَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُخْتَنْ فِي الْيَوْم السَّابِع مِنْ وِلَادَته , وَهَلْ يُحْسَب يَوْم الْوِلَادَة مِنْ السَّبْع ؟ أَمْ تَكُون سَبْعَة سِوَاهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَظْهَرهُمَا يُحْسَب , وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِل فَقِيلَ : يَجِب خِتَانه فِي فَرْجَيْهِ بَعْد الْبُلُوغ , وَقِيلَ : لَا يَجُوز حَتَّى يَتَبَيَّن , وَهُوَ الْأَظْهَر. وَأَمَّا مَنْ لَهُ ذَكَرَانِ فَإِنْ كَانَا عَامِلَيْنِ وَجَبَ خِتَانهمَا , وَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا عَامِلًا دُون الْآخَر خُتِنَ الْعَامِل , وَفِيمَا يُعْتَبَر الْعَمَل بِهِ وَجْهَانِ أَحَدهمَا : بِالْبَوْلِ , وَالْآخَر : بِالْجِمَاعِ. وَلَوْ مَاتَ إِنْسَان غَيْر مَخْتُون فَفِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا : الصَّحِيح الْمَشْهُور : أَنَّهُ لَا يُخْتَن صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا , وَالثَّانِي يُخْتَن الْكَبِير دُون الصَّغِير , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا ( الِاسْتِحْدَاد ) فَهُوَ حَلْق الْعَانَة , سُمِّيَ اِسْتِحْدَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيدَة وَهِيَ الْمُوسَى , وَهُوَ سُنَّة , وَالْمُرَاد بِهِ نَظَافَة ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَالْأَفْضَل فِيهِ الْحَلْق , وَيَجُوز بِالْقَصِّ وَالنَّتْف وَالنُّورَة , وَالْمُرَاد ( بِالْعَانَةِ ) الشَّعْر الَّذِي فَوْق ذَكَرِ الرَّجُل وَحَوَالَيْهِ , وَكَذَاك الشَّعْر الَّذِي حَوَالَيْ فَرْج الْمَرْأَة , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس بْن سُرَيْج أَنَّهُ الشَّعْر النَّابِت حَوْل حَلْقَة الدُّبُر , فَيَحْصُل مِنْ مَجْمُوع هَذَا اِسْتِحْبَاب حَلْق جَمِيع مَا عَلَى الْقُبُل وَالدُّبُر وَحَوْلهمَا وَأَمَّا وَقْت حَلْقِهِ فَالْمُخْتَارِ أَنَّهُ يُضْبَط بِالْحَاجَةِ وَطُوله , فَإِذَا طَالَ حُلِقَ , وَكَذَلِكَ الضَّبْط فِي قَصّ الشَّارِب وَنَتْف الْإِبْط وَتَقْلِيم الْأَظْفَار. وَأَمَّا حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب ( وَقَّتَ لَنَا فِي قَصَّ الشَّارِب وَتَقْلِيم الْأَظْفَار وَنَتْف الْإِبْط وَحَلْق الْعَانَة لَا يُتْرَك أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة ) فَمَعْنَاهُ لَا يُتْرَك تَرْكًا يَتَجَاوَز بِهِ أَرْبَعِينَ لَا أَنَّهُمْ وَقَّتَ لَهُمْ التَّرْك أَرْبَعِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا ( تَقْلِيم الْأَظْفَار ) فَسُنَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ , وَهُوَ تَفْعِيل مِنْ الْقَلْمِ وَهُوَ الْقَطْع , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَبْدَأ بِالْيَدَيْنِ قَبْل الرِّجْلَيْنِ فَيَبْدَأ بِمُسَبِّحَةِ يَده الْيُمْنَى , ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْبِنْصِر ثُمَّ الْخِنْصَر ثُمَّ الْإِبْهَام ثُمَّ يَعُود إِلَى الْيُسْرَى فَيَبْدَأ بِخِنْصَرِهَا ثُمَّ بِبِنْصِرِهَا إِلَى آخِرهَا ثُمَّ يَعُود إِلَى الرِّجْلَيْنِ الْيُمْنَى فَيَبْدَأ بِخِنْصَرِهَا وَيَخْتِم بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَم. أَمَّا ( نَتْف الْإِبْط ) فَسُنَّة بِالِاتِّفَاقِ , وَالْأَفْضَل فِيهِ النَّتْف لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ , وَيَحْصُل أَيْضًا بِالْحَلْقِ وَبِالنُّورَةِ , وَحُكِيَ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : دَخَلْت عَلَى الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - وَعِنْده الْمُزَيِّن يَحْلِق إِبْطه فَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَلِمْت أَنَّ السُّنَّة النَّتْف , وَلَكِنْ لَا أَقْوَى عَلَى الْوَجَع , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَبْدَأ بِالْإِبِطِ الْأَيْمَن. وَأَمَّا ( قَصّ الشَّارِب ) فَسُنَّة أَيْضًا , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَبْدَأ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَن وَهُوَ مُخَيَّر بَيْن الْقَصّ بِنَفْسِهِ وَبَيْن أَنْ يُوَلِّي ذَلِكَ غَيْره لِحُصُولِ الْمَقْصُود مِنْ غَيْر هَتْك مُرُوءَة وَلَا حُرْمَة بِخِلَافِ الْإِبْط وَالْعَانَة. وَأَمَّا حَدّ مَا يَقُصّهُ فَالْمُخْتَار أَنَّهُ يَقُصّ حَتَّى يَبْدُو طَرَف الشَّفَة وَلَا يَحِفّهُ مِنْ أَصْلِهِ , وَأَمَّا رِوَايَات ( أَحْفُوا الشَّوَارِب ) فَمَعْنَاهَا : أَحْفُوا مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا ( إِعْفَاء اللِّحْيَة ) فَمَعْنَاهُ تَوْفِيرهَا وَهُوَ مَعْنَى ( أَوْفُوا اللِّحَى ) فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَكَانَ مِنْ عَادَة الْفُرْس قَصّ اللِّحْيَة فَنَهَى الشَّرْع عَنْ ذَلِكَ , وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاء فِي اللِّحْيَة عَشْر خِصَال مَكْرُوهَة بَعْضهَا أَشَدّ قُبْحًا مِنْ بَعْض إِحْدَاهَا : خِضَابهَا بِالسَّوَادِ لَا لِغَرَضِ الْجِهَاد. الثَّانِيَة : خِضَابهَا بِالصُّفْرَةِ تَشْبِيهَا بِالصَّالِحِينَ لَا لِاتِّبَاعِ السُّنَّة. الثَّالِثَة : تَبِيضهَا بِالْكِبْرِيتِ أَوْ غَيْره اِسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاسَة وَالتَّعْظِيم وَإِيهَام أَنَّهُ مِنْ الْمَشَايِخ , الرَّابِعَة : نَتْفهَا أَوْ حَلْقهَا أَوَّل طُلُوعهَا إِيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَحُسْن الصُّورَة. الْخَامِسَة : نَتْف الشَّيْب : السَّادِسَة : تَصْفِيفهَا طَاقَة فَوْق طَاقَة تَصَنُّعًا لِيَسْتَحْسِنهُ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ. السَّابِعَة : الزِّيَادَة فِيهَا وَالنَّقْص مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ فِي شَعْر الْعَذَار مِنْ الصُّدْغَيْنِ أَوْ أَخْذ بَعْض الْعَذَار فِي حَلْق الرَّأْس وَنَتْف جَانِبَيْ الْعَنْفَقَة وَغَيْر ذَلِكَ. الثَّامِنَة : تَسْرِيحهَا تَصَنُّعًا لِأَجْلِ النَّاس. التَّاسِعَة : تَرْكهَا شَعِثَة مُلَبَّدَة إِظْهَارًا لِلزَّهَادَةِ وَقِلَّة الْمُبَالَاة بِنَفْسِهِ. الْعَاشِرَة : النَّظَر إِلَى سَوَادهَا وَبَيَاضهَا إِعْجَابًا وَخُيَلَاء وَغُرَّة بِالشَّبَابِ وَفَخْرًا بِالْمَشِيبِ وَتَطَاوُلًا عَلَى الشَّبَاب. الْحَادِيَة عَشْرَة : عَقْدهَا وَضَفْرهَا. الثَّانِيَة عَشْرَة : حَلْقهَا إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَة فَيُسْتَحَبّ لَهَا حَلْقهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا ( الِاسْتِنْشَاق ) فَتَقَدَّمَ بَيَان صِفَته وَاخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي وُجُوبه وَاسْتِحْبَابه. وَأَمَّا ( غَسْلُ الْبَرَاجِم ) فَسُنَّة مُسْتَقِلَّة لَيْسَتْ مُخْتَصَّة بِالْوُضُوءِ ( الْبَرَاجِم ) بِفَتْحِ الْبَاء وَبِالْجِيمِ جَمْع بُرْجُمَة بِضَمِّ الْبَاء وَالْجِيم وَهِيَ عَقْد الْأَصَابِع وَمَفَاصِلهَا كُلّهَا. قَالَ الْعُلَمَاء : وَيَلْحَق بِالْبَرَاجِمِ مَا يَجْتَمِع مِنْ الْوَسَخ فِي مَعَاطِف الْأُذُن وَهُوَ الصِّمَاخ فَيُزِيلهُ بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَضَرَّتْ كَثْرَته بِالسَّمْعِ , وَكَذَلِكَ مَا يَجْتَمِع فِي دَاخِل الْأَنْف , وَكَذَلِكَ جَمِيع الْوَسَخ الْمُجْتَمِع عَلَى أَيّ مَوْضِع كَانَ مِنْ الْبَدَن بِالْعَرَقِ وَالْغُبَار وَنَحْوهمَا. وَاَللَّه أَعْلَم.. وَأَمَّا قَوْله : ( وَنَسِيت الْعَاشِرَة إِلَّا أَنْ تَكُون الْمَضْمَضَة ) , فَهَذَا شَكّ مِنْهُ فِيهَا , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَعَلَّهَا الْخِتَان الْمَذْكُور مَعَ الْخَمْس , وَهُوَ أَوْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. فَهَذَا مُخْتَصَر مَا يَتَعَلَّق بِالْفِطْرَةِ , وَقَدْ أَشْبَعْت الْقَوْل فِيهَا بِدَلَائِلِهَا وَفُرُوعهَا فِي شَرْح الْمُهَذَّب. وَاللَّهُ أَعْلَم.



