المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (383)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (383)]
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَرْخُوا ) فَهُوَ أَيْضًا بِقَطْعِ الْهَمْزَة وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَمَعْنَاهُ اُتْرُكُوهَا وَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهَا بِتَغْيِيرٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا , وَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْد اِبْن مَاهَان ( أَرْجُوا ) بِالْجِيمِ قِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّل وَأَصْله ( أَرْجِئُوا ) بِالْهَمْزَةِ , فَحُذِفَتْ الْهَمْزَة تَخْفِيفًا , وَمَعْنَاهُ : أَخِّرُوهَا وَاتْرُكُوهَا , وَجَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( وَفِّرُوا اللِّحَى ) فَحَصَلَ خَمْس رِوَايَات : أَعْفُوا وَأَوْفُوا وَأَرْخُوا وَأَرْجُوا وَوَفِّرُوا , وَمَعْنَاهَا كُلّهَا : تَرْكُهَا عَلَى حَالهَا. هَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث الَّذِي تَقْتَضِيه أَلْفَاظه , وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - يُكْرَه حَلْقهَا وَقَصّهَا وَتَحْرِيقهَا , وَأَمَّا الْأَخْذ مِنْ طُولهَا وَعَرْضهَا فَحَسَن , وَتُكْرَه الشُّهْرَة فِي تَعْظِيمهَا كَمَا تُكْرَه فِي قَصِّهَا وَجَزّهَا. قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف هَلْ لِذَلِكَ حَدّ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُحَدِّد شَيْئًا فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكهَا لِحَدّ الشُّهْرَة وَيَأْخُذ مِنْهَا , وَكَرِهَ مَالِك طُولهَا جِدًّا , وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّدَ بِمَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَة فَيُزَال , وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْأَخْذ مِنْهَا إِلَّا فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة. قَالَ : وَأَمَّا ( الشَّارِب ) فَذَهَبَ كَثِير مِنْ السَّلَف إِلَى اِسْتِئْصَاله وَحَلْقه بِظَاهِرِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَحْفُوا وَانْهَكُوا ) , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ , وَذَهَبَ كَثِير مِنْهُمْ إِلَى مَنْع الْحَلْق وَالِاسْتِئْصَال , وَقَالَهُ مَالِك وَكَانَ يَرَى حَلْقه مُثْلَة وَيَأْمُر بِأَدَبِ فَاعِله , وَكَانَ يَكْرَه أَنْ يُؤْخَذ مِنْ أَعْلَاهُ , وَيَذْهَب هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِحْفَاء وَالْجَزّ وَالْقَصّ بِمَعْنًى وَاحِد وَهُوَ الْأَخْذ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَف الشَّفَة , وَذَهَبَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى التَّخْيِير بَيْن الْأَمْرَيْنِ. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي. وَالْمُخْتَار تَرْك اللِّحْيَة عَلَى حَالهَا وَأَلَّا يَتَعَرَّضَ لَهَا بِتَقْصِيرِ شَيْء أَصْلًا , وَالْمُخْتَار فِي الشَّارِب تَرْكُ الِاسْتِئْصَال وَالِاقْتِصَار عَلَى مَا يَبْدُو بِهِ طَرَف الشَّفَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.


