موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4108)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4108)]

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَأَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الطَّاعُونُ ‏ ‏رِجْزٌ ‏ ‏أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ‏ ‏فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ‏ ‏و قَالَ ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ ‏


قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُون ( إِنَّهُ رِجْز أُرْسِل عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ , فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ , وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ). وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ هَذَا الْوَجَع أَوْ السَّقَم رُجْز عُذِّبَ بِهِ بَعْض الْأُمَم قَبْلكُمْ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالْأَرْضِ , فَيَذْهَب الْمَرَّة , وَيَأْتِي الْأُخْرَى , فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدُمَنَّ عَلَيْهِ , وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخْرِجَنَّه الْفِرَار مِنْهُ ). وَفِي حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْوَبَاء وَقَعَ بِالشَّامِ. ‏ ‏وَأَمَّا ( الطَّاعُون ) ‏ ‏فَهُوَ قُرُوح تَخْرُج فِي الْجَسَد فَتَكُون فِي الْمَرَافِق أَوْ الْآبَاط أَوْ الْأَيْدِي أَوْ الْأَصَابِع وَسَائِر الْبَدَن , وَيَكُون مَعَهُ وَرَم وَأَلَم شَدِيد , وَتَخْرُج تِلْكَ الْقُرُوح مَعَ لَهِيب , وَيَسْوَدّ مَا حَوَالَيْهِ , أَوْ يَخْضَرّ , أَوْ يَحْمَرّ حُمْرَة بَنَفْسَجِيَّة كَدِرَة , وَيَحْصُل مَعَهُ خَفَقَان الْقَلْب وَالْقَيْء. وَأَمَّا ( الْوَبَاء ) فَقَالَ الْخَلِيل وَغَيْره : هُوَ مَرَض الطَّاعُون , وَقَالَ : هُوَ كُلّ مَرَض عَامّ. وَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مَرَض الْكَثِيرِينَ مِنْ النَّاس فِي جِهَة مِنْ الْأَرْض دُون سَائِر الْجِهَات , وَيَكُون مُخَالِفًا لِلْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاض فِي الْكَثْرَة وَغَيْرهَا , وَيَكُون مَرَضهمْ نَوْعًا وَاحِدًا بِخِلَافِ سَائِر الْأَوْقَات , فَإِنَّ أَمْرَاضهمْ فِيهَا مُخْتَلِفَة. قَالُوا : وَكُلّ طَاعُون وَبَاء , وَلَيْسَ كُلّ وَبَاء طَاعُونًا. وَالْوَبَاء الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّام فِي زَمَن عُمَر كَانَ طَاعُونًا , وَهُوَ طَاعُون عَمْوَاس , وَهِيَ قَرْيَة مَعْرُوفَة بِالشَّامِ , وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْح مُقَدِّمَة الْكِتَاب فِي ذِكْر الضُّعَفَاء مِنْ الرُّوَاة عِنْد ذِكْره طَاعُون الْجَارِف بَيَان الطَّوَاعِين , وَأَزْمَانهَا , وَعَدَدهَا , وَأَمَاكِنهَا , وَنَفَائِس مِمَّا يَتَعَلَّق بِهَا. وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ عَذَابًا لَهُمْ. هَذَا الْوَصْف وَبِكَوْنِهِ عَذَابًا مُخْتَصّ بِمَنْ كَانَ قَبْلنَا , وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّة فَهُوَ لَهَا رَحْمَة وَشَهَادَة , فَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمَطْعُون شَهِيد ). وَفِي حَدِيث آخَر فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ ( أَنَّ الطَّاعُون كَانَ عَذَابًا يَبْعَثهُ اللَّه عَلَى مَنْ يَشَاء , فَجَعَلَهُ رَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ , فَلَيْسَ مِنْ عَبْد يَقَع الطَّاعُون فَيَمْكُث فِي بَلَده صَابِرًا يَعْلَم أَنَّهُ لَنْ يُصِيبهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْل أَجْر شَهِيد ) وَفِي حَدِيث آخَر ( الطَّاعُون شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم ). وَإِنَّمَا يَكُون شَهَادَة لِمَنْ صَبَرَ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مَنْع الْقُدُوم عَلَى بَلَد الطَّاعُون , وَمَنْع الْخُرُوج مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ. أَمَّا الْخُرُوج لِعَارِضٍ فَلَا بَأْس بِهِ , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور. قَالَ الْقَاضِي : هُوَ قَوْل الْأَكْثَرِينَ. قَالَ : حَتَّى قَالَتْ عَائِشَة : الْفِرَار مِنْهُ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْف. قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْقُدُوم عَلَيْهِ وَالْخُرُوج مِنْهُ فِرَارًا. قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَأَنَّهُ نَدِمَ عَلَى رُجُوعه مِنْ سَرْغ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمَسْرُوق وَالْأَسْوَد بْن هِلَال أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ الطَّاعُون , وَقَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ : فِرُّوا عَنْ هَذَا الرِّجْز فِي الشِّعَاب وَالْأَوْدِيَة وَرُءُوس الْجِبَال , فَقَالَ مَعَاذ : بَلْ هُوَ شَهَادَة وَرَحْمَة. وَيَتَأَوَّل هَؤُلَاءِ النَّهْي عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ الدُّخُول عَلَيْهِ وَالْخُرُوج مِنْهُ مَخَافَة أَنْ يُصِيبهُ غَيْر الْمُقَدَّر , لَكِنْ مَخَافَة الْفِتْنَة عَلَى النَّاس , لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ هَلَاك الْقَادِم إِنَّمَا حَصَلَ بِقُدُومِهِ , وَسَلَامَة الْفَارّ إِنَّمَا كَانَتْ بِفِرَارِهِ. قَالُوا : وَهُوَ مِنْ نَحْو النَّهْي عَنْ الطِّيَرَة وَالْقُرْب مِنْ الْمَجْذُوم , وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : الطَّاعُون فِتْنَة عَلَى الْمُقِيم وَالْفَارّ , أَمَّا الْفَارّ فَيَقُول : فَرَرْت فَنَجَوْت , وَأَمَّا الْمُقِيم فَيَقُول : أَقَمْت فَمُتّ , وَإِنَّمَا فَرَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ أَجَله , وَأَقَامَ مَنْ حَضَرَ أَجَله وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النَّهْي عَنْ الْقُدُوم عَلَيْهِ وَالْفِرَار مِنْهُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قَالَ الْعُلَمَاء : وَهُوَ قَرِيب الْمَعْنَى مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ , وَاسْأَلُوا اللَّه الْعَافِيَة , فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ) وَفِي هَذَا الْحَدِيث الِاحْتِرَاز مِنْ الْمَكَارِه وَأَسْبَابهَا. وَفِيهِ التَّسْلِيم لِقَضَاءِ اللَّه عِنْد حُلُول الْآفَات. وَاللَّه أَعْلَم. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الْخُرُوج بِشُغْلٍ وَغَرَض غَيْر الْفِرَار , وَدَلِيله صَرِيح الْأَحَادِيث. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر ( لَا يُخْرِجكُمْ إِلَّا فِرَار مِنْهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( فِرَار ) بِالرَّفْعِ , وَفِي بَعْضهَا ( فِرَارًا ) بِالنَّصْبِ , وَكِلَاهُمَا مُشْكِل مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّة , وَالْمَعْنَى. قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَة ضَعِيفَة عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة مُفْسِدَة لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّ ظَاهِرهَا الْمَنْع مِنْ الْخُرُوج لِكُلِّ سَبَب إِلَّا لِلْفِرَارِ , فَلَا مَنْع مِنْهُ , وَهَذَا ضِدّ الْمُرَاد. وَقَالَ جَمَاعَة : إِنَّ لَفْظَة ( إِلَّا ) هُنَا غَلَط مِنْ الرَّاوِي , وَالصَّوَاب حَذْفهَا كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي سَائِر الرِّوَايَات. قَالَ الْقَاضِي : وَخَرَّجَ بَعْض مُحَقِّقِي الْعَرَبِيَّة لِرِوَايَةِ النَّصْب وَجْهًا فَقَالَ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال. قَالَ : وَلَفْظَة ( إِلَّا ) هُنَا لِلْإِيجَابِ لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ , وَتَقْدِيره لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيث الْبَاب كُلّهَا مِنْ رِوَايَة أُسَامَة بْن زَيْد , وَذَكَرَ فِي الطُّرُق الثَّلَاث فِي آخِر الْبَاب مَا يُوهِم أَوْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة سَعْد بْن أَبِي وَقَاصّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : هَذَا وَهْم إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَة سَعْد عَنْ أُسَامَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!