موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4114)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4114)]

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّامِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِسَرْغَ ‏ ‏لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ادْعُ لِي ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّامِ ‏ ‏فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ‏ ‏وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ‏ ‏ارْتَفِعُوا ‏ ‏عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ‏ ‏ارْتَفِعُوا ‏ ‏عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ‏ ‏ظَهْرٍ ‏ ‏فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَكْرَهُ خِلَافَهُ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ ‏ ‏عُدْوَتَانِ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالْأُخْرَى ‏ ‏جَدْبَةٌ ‏ ‏أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ ‏ ‏الْجَدْبَةَ ‏ ‏رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏و قَالَ ‏ ‏الْآخَرَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏نَحْوَ حَدِيثِ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَزَادَ فِي حَدِيثِ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى ‏ ‏الْجَدْبَةَ ‏ ‏وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَسِرْ إِذًا قَالَ فَسَارَ حَتَّى أَتَى ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا الْمَحِلُّ أَوْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏و حَدَّثَنِيهِ ‏ ‏أَبُو الطَّاهِرِ ‏ ‏وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَهُ وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏


‏ ‏أَمَّا ( الْوَبَاء ) ‏ ‏فَمَهْمُوز مَقْصُور وَمَمْدُود , لُغَتَانِ , الْقَصْر أَفْصَح وَأَشْهَر. قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغ لَقِيَهُ أَهْل الْأَجْنَاد ) ‏ ‏أَمَّا ( سَرْغ ) ‏ ‏فَبِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة , وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْره أَيْضًا فَتْح الرَّاء , وَالْمَشْهُور إِسْكَانهَا , وَيَجُوز صَرْفه وَتَرْكه , وَهِيَ قَرْيَة فِي طَرَف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحِجَاز. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَهْل الْأَجْنَاد ) ‏ ‏وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة : ( أُمَرَاء الْأَجْنَاد ) وَالْمُرَاد بِالْأَجْنَادِ هُنَا مَدَن الشَّام الْخَمْس , وَهِيَ فِلَسْطِين وَالْأُرْدُنّ وَدِمَشْق وَحِمْص وَقِنِّسْرِين , هَكَذَا فَسَّرُوهُ , وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَمَعْلُوم أَنَّ فِلَسْطِين اِسْم لِنَاحِيَةِ بَيْت الْمَقْدِس , وَالْأَرْدُن اِسْم لِنَاحِيَةِ سِيَّان وَطَبَرِية , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِمَا , وَلَا يَضُرّ إِطْلَاق اِسْم الْمَدِينَة عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , فَدَعَا , ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَار , ثُمَّ مَشْيَخَة قُرَيْش مِنْ مُهَاجِرَة الْفَتْح ) ‏ ‏إِنَّمَا رَتَّبَهُمْ هَكَذَا عَلَى حَسَب فَضَائِلهمْ. قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ , فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْد تَحْوِيل الْقِبْلَة فَلَا يُعَدّ فِيهِمْ. قَالَ : وَأَمَّا مُهَاجِرَة الْفَتْح , فَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْل الْفَتْح , فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْل بِالْهِجْرَةِ قَبْل الْفَتْح , إِذْ لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح , وَقِيلَ : هُمْ مُسْلِمَة الْفَتْح الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْده , فَحَصَلَ لَهُمْ اِسْم دُون الْفَضِيلَة. قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَظْهَر ; لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يُطْلَق عَلَيْهِمْ مَشْيَخَة قُرَيْش. وَكَانَ رُجُوع عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِرُجْحَانِ طَرَف الرُّجُوع لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ , وَأَنَّهُ أَحْوَط , وَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّد تَقْلِيد لِمُسْلِمَةِ الْفَتْح ; لِأَنَّ بَعْض الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَبَعْض الْأَنْصَار أَشَارُوا بِالرُّجُوعِ , وَبَعْضهمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ , وَانْضَمَّ إِلَى الْمُشِيرِينَ بِالرُّجُوعِ رَأْي مَشْيَخَة قُرَيْش , فَكَثُرَ الْقَائِلُونَ بِهِ , مَعَ مَا لَهُمْ مِنْ السِّنّ وَالْخِبْرَة وَكَثْرَة التَّجَارِب وَسَدَاد الرَّأْي. وَحُجَّة الطَّائِفَتَيْنِ وَاضِحَة مُبَيَّنَة فِي الْحَدِيث , وَهُمَا مُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فِي الشَّرْع : أَحَدهمَا التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم لِلْقَضَاءِ , وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط وَالْحَذَر وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة. قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّمَا رَجَعَ عُمَر لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَمَا قَالَ مُسْلِم هُنَا فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : إِنَّ عُمَر إِنَّمَا اِنْصَرَفَ بِالنَّاسِ عَنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَرْجِع لِرَأْيٍ دُون رَأْي حَتَّى يَجِد عِلْمًا وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا ) ‏ ‏فَقَالُوا أَيْ مُسَافِر إِلَى الْجِهَة الَّتِي قَصَدْنَاهَا أَوَّلًا , لَا لِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة , وَهَذَا تَأْوِيل فَاسِد , وَمَذْهَب ضَعِيف , بَلْ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَوْ صَرِيحه , أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الرُّجُوع أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ حِين رَأَى الْأَكْثَرِينَ عَلَى تَرْك الرُّجُوع , مَعَ فَضِيلَة الْمُشِيرِينَ بِهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاط , ثُمَّ بَلَغَهُ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن , فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى , وَشَكَرَهُ عَلَى مُوَافَقَة اِجْتِهَاده وَاجْتِهَاد مُعْظَم أَصْحَابه نَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ ) هُوَ بِإِسْكَانِ الصَّاد فِيهِمَا أَيْ مُسَافِر رَاكِب عَلَى ظَهْر الرَّاحِلَة , رَاجِع إِلَى وَطَنِي , فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ , وَتَأَهَّبُوا لَهُ. ‏ ‏وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم : ( إِنَّهُ رَجَعَ لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن ) فَيُحْتَمَل أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَبْلُغهُ مَا كَانَ عُمَر عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ الرُّجُوع قَبْل حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن لَهُ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَرْجِع إِلَّا بَعْد حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَفِرَارًا مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ‚ وَكَانَ عُمَر يَكْرَه خِلَافه نَعَمْ نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه , أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إِبِل فَهَبَطْت وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِيبَة وَالْأُخْرَى جَدْبَة , أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْت الْخَصِيبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه , وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه ) ؟ ‏ ‏أَمَّا ( الْعُدْوَة ) ‏ ‏فَبِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا وَهِيَ جَانِب الْوَادِي , ‏ ‏( وَالْجَدْبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة , وَهِيَ ضِدّ الْخَصِيبَة. وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْجَدْبَة هُنَا بِسُكُونِ الدَّال وَكَسْرهَا. قَالَ : وَالْخِصْبَة كَذَلِكَ. أَمَّا ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏فَجَوَاب ( لَوْ ) مَحْذُوف , وَفِي تَقْدِيره وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره. أَحَدهمَا لَوْ قَالَهُ غَيْرك لَأَدَّبْته , لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيَّ فِي مَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة وَافَقَنِي عَلَيْهَا أَكْثَر النَّاس , وَأَهْل الْحِلّ وَالْعَقْد فِيهَا. وَالثَّانِي لَوْ قَالَهَا غَيْرك لَمْ أَتَعَجَّب مَعَهُ , وَإِنَّمَا أَتَعَجَّب مِنْ قَوْلك أَنْتَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْم وَالْفَضْل , ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ عُمَر دَلِيلًا وَاضِحًا مِنْ الْقِيَاس الْجَلِيّ الَّذِي لَا شَكّ فِي صِحَّته , وَلَيْسَ ذَلِكَ اِعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ الرُّجُوع يَرُدّ الْمَقْدُور , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمْر بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْم وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْهَلَاك كَمَا أَمَرَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالتَّحَصُّنِ مِنْ سِلَاح الْعَدُوّ , وَتَجَنُّب الْمَهَالِك , وَإِنْ كَانَ كُلّ وَاقِع فَبِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرَهُ السَّابِق فِي عِلْمه , وَقَاسَ عُمَر عَلَى رَعْي الْعُدْوَتَيْنِ لِكَوْنِهِ وَاضِحًا لَا يُنَازِع فِيهِ أَحَد مَعَ مُسَاوَاته لِمَسْأَلَةِ النِّزَاع. ‏ ‏قَوْله : ( أَكُنْت مُعَجِّزه ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْجِيم أَيْ تَنْسُبهُ إِلَى الْعَجْز , مَقْصُود عُمَر أَنَّ النَّاس رَعِيَّة لِي اِسْتَرْعَانِيهَا اللَّه تَعَالَى , فَيَجِب عَلِيّ الِاحْتِيَاط لَهَا , فَإِنْ تَرَكْته نَسَبْت إِلَى الْعَجْز وَاسْتَوْجَبْت الْعُقُوبَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا الْمَحَلّ أَوْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِل ) ‏ ‏هُمَا بِمَعْنًى , وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا , وَالْفَتْح أَقْيَس , فَإِنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْن ( فَعَلَ ) وَمُضَارِعه ( يَفْعُل ) بِضَمِّ ثَالِثه كَانَ مَصْدَره وَاسْم الزَّمَان وَالْمَكَان ( مَفْعَلًا ) بِالْفَتْحِ كَقَعَدِ يَقْعُد مَقْعَدًا , وَنَظَائِره , إِلَّا أَحْرُفًا شَذَّتْ جَاءَتْ بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهَا الْمَحَلّ. ‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَا قَالَ مَالِك , وَقَالَ مَعْمَر وَيُونُس : عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث. قَالَ : وَالْحَدِيث صَحِيح عَلَى اِخْتِلَافه. قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَلَمْ يُخَرِّجهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق مَالِك. ‏ ‏وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيث عُمَر هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة : مِنْهَا خُرُوج الْإِمَام بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَته فِي بَعْض الْأَوْقَات لِيُشَاهِد أَحْوَال رَعِيَّته , وَيُزِيل ظُلْم الْمَظْلُوم , وَيَكْشِف كَرْب الْمَكْرُوب , وَيَسُدّ خَلَّة الْمُحْتَاج , وَيَقْمَع أَهْل الْفَسَاد , وَيَخَافهُ أَهْل الْبَطَالَة وَالْأَذَى وَالْوُلَاة , وَيَحْذَرُوا تَجَسُّسه عَلَيْهِمْ وَوُصُول قَبَائِحهمْ إِلَيْهِ , فَيَنْكُفُوا , وَيُقِيم فِي رَعِيَّته شَعَائِر الْإِسْلَام , وَيُؤَدِّب مَنْ رَآهُمْ مُخِلِّينَ بِذَلِكَ , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح. وَمِنْهَا تَلَقِّي الْأُمَرَاء وَوُجُوه النَّاس الْإِمَام عِنْد قُدُومه , وَإِعْلَامهمْ إِيَّاهُ بِمَا حَدَثَ فِي بِلَادهمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَوَبَاء , وَرُخْص , وَغَلَاء , وَشِدَّة , وَرَخَاء وَغَيْر ذَلِكَ. وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب مُشَاوَرَة أَهْل الْعِلْم وَالرَّأْي فِي الْأُمُور الْحَادِثَة , وَتَقْدِيم أَهْل السَّابِقَة فِي ذَلِكَ. وَمِنْهَا تَنْزِيل النَّاس مَنَازِلهمْ , وَتَقْدِيم أَهْل الْفَضْل عَلَى غَيْرهمْ , وَالِابْتِدَاء بِهِمْ فِي الْمَكَارِم. وَمِنْهَا جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْحُرُوب وَنَحْوهَا كَمَا يَجُوز فِي الْأَحْكَام. وَمِنْهَا قَبُول خَبَر الْوَاحِد , فَإِنَّهُمْ قَبِلُوا خَبَر عَبْد الرَّحْمَن. وَمِنْهَا صِحَّة الْقِيَاس , وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ. وَمِنْهَا اِبْتِدَاء الْعَالِم بِمَا عِنْده مِنْ الْعِلْم قَبْل أَنْ يَسْأَلهُ كَمَا فَعَلَ عَبْد الرَّحْمَن. وَمِنْهَا اِجْتِنَاب أَسْبَاب الْهَلَاك. وَمِنْهَا مَنْع الْقُدُوم عَلَى الطَّاعُون , وَمَنْع الْفِرَار مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!