المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (681)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (681)]
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ قَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا يَا قَوْمَنَا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ }
قَوْله : ( سُوق عُكَاظ ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة يُصْرَف وَلَا يُصْرَف , وَالسُّوق تُؤَنَّث وَتُذَكَّر لُغَتَانِ , قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِيَامِ النَّاس فِيهَا عَلَى سُوقِهِمْ. قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : مَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنّ وَمَا رَآهُمْ ) وَذَكَرَ بَعْده حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبْت مَعَهُ فَقَرَأْت عَلَيْهِمْ الْقُرْآن ) قَالَ الْعُلَمَاء : هُمَا قَضِيَّتَانِ , فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي أَوَّل الْأَمْر وَأَوَّل النُّبُوَّة حِين أَتَوْا فَسَمِعُوا قِرَاءَة { قُلْ أُوحِيَ } وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ عَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِمَاعهمْ حَال اِسْتِمَاعهمْ بِوَحْيٍ أُوحِيَ إِلَيْهِ ؟ أَمْ لَمْ يَعْلَم بِهِمْ إِلَّا بَعْد ذَلِكَ ؟ وَأَمَّا حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَقَضِيَّة أُخْرَى جَرَتْ بَعْد ذَلِكَ بِزَمَانٍ اللَّه أَعْلَم بِقَدْرِهِ , وَكَانَ بَعْد اِشْتِهَار الْإِسْلَام. قَوْله : ( وَقَدْ حِيلَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن خَبَر السَّمَاء , وَأُرْسِلَتْ الشُّهُب عَلَيْهِمْ ) ظَاهِر هَذَا الْكَلَام أَنَّ هَذَا حَدَثَ بَعْد نُبُوَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلهَا , وَلِهَذَا أَنْكَرَتْهُ الشَّيَاطِين , وَارْتَاعَتْ لَهُ. وَضَرَبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا لِيَعْرِفُوا خَبَره , وَلِهَذَا كَانَتْ الْكِهَانَة فَاشِيَة فِي الْعَرَب حَتَّى قُطِعَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن صُعُود السَّمَاء وَاسْتِرَاق السَّمْع , كَمَا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَار الْعَرَب بِاسْتِغْرَابِهِمْ رَمْيهَا لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْهَدُوهُ قَبْل النُّبُوَّة , وَكَانَ رَمْيهَا مِنْ دَلَائِل النُّبُوَّة. وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : مَا زَالَتْ الشُّهُبُ مُنْذُ كَانَتْ الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَالزُّهْرِيّ وَغَيْرهمَا , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشْعَار الْعَرَب , وَرَوَى فِيهِ اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - حَدِيثًا قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } فَقَالَ كَانَتْ الشُّهُب قَلِيلَة فَغَلُظَ أَمْرهَا وَكَثُرَتْ حِين بُعِثَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ نَحْو هَذَا وَذَكَرُوا أَنَّ الرَّمْي بِهَا وَحِرَاسَة السَّمَاء كَانَتْ مَوْجُودَة قَبْل النُّبُوَّة وَمَعْلُومَة وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانَتْ تَقَع عِنْد حُدُوث أَمْر عَظِيم مِنْ عَذَاب يَنْزِل بِأَهْلِ الْأَرْض , أَوْ إِرْسَال رَسُول إِلَيْهِمْ , وَعَلَيْهِ تَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهمْ رَشَدًا } وَقِيلَ : كَانَتْ الشُّهُب قَبْل مَرْئِيَّة وَمَعْلُومَة , لَكِنْ رَجْم الشَّيَاطِين وَإِحْرَاقهمْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْد نُبُوَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى : { رُجُومًا } وَفِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ : هُوَ مَصْدَر فَتَكُون الْكَوَاكِب هِيَ الرَّاجِمَة الْمُحْرِقَة بِشُهُبِهَا لَا بِأَنْفُسِهَا , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم فَتَكُون هِيَ بِأَنْفُسِهَا الَّتِي يُرْجَم بِهَا , وَيَكُون رُجُوم جَمْع رَجْم بِفَتْحِ الرَّاء وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَاضْرِبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا ) مَعْنَاهُ سِيرُوا فِيهَا كُلّهَا وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "" لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِط كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَاتهمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَمْقُت عَلَى ذَلِكَ "". قَوْله : ( النَّفَر الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْو تِهَامَة وَهُوَ بِنَخْلٍ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم ( بِنَخْلٍ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَصَوَابه ( بِنَخْلَةٍ بِالْهَاءِ , وَهُوَ مَوْضِع مَعْرُوف هُنَاكَ كَذَا جَاءَ صَوَابه فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يُقَال فِيهِ نَخْل وَنَخْلَة , وَأَمَّا ( تِهَامَة ) فَبِكَسْرِ التَّاء وَهُوَ اِسْم لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْد مِنْ بِلَاد الْحِجَاز وَمَكَّة مِنْ تِهَامَة. قَالَ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل : سُمِّيَتْ تِهَامَة مِنْ التَّهَم بِفَتْحِ التَّاء وَالْهَاء وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ وَرُكُود الرِّيح , وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَغَيُّر هَوَائِهَا يُقَال تَهِمَ الدُّهْن إِذَا تَغَيَّرَ , وَذَكَرَ الْحَازِمِيّ أَنَّهُ يُقَال فِي أَرْض تِهَامَة تَهَائِم. قَوْله : ( وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآن قَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْننَا وَبَيْن السَّمَاء ) فِيهِ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْح , وَفِيهِ إِثْبَات صَلَاة الْجَمَاعَة وَأَنَّهَا مَشْرُوعَة فِي السَّفَر وَأَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُوعَة مِنْ أَوَّل النُّبُوَّة. قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْد سَمَاع الْقُرْآن , وَلَا بُدَّ لِمَنْ آمَنَ عِنْد سَمَاعه أَنْ يَعْلَم حَقِيقَة الْإِعْجَاز وَشُرُوط الْمُعْجِزَة , وَبَعْد ذَلِكَ يَقَع لَهُ الْعِلْم بِصِدْقِ الرَّسُول فَيَكُون الْجِنّ عَلِمُوا ذَلِكَ مِنْ كُتُب الرُّسُل الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلهمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيّ الصَّادِق الْمُبَشِّر بِهِ , وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْجِنّ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ } وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مُؤْمِنهمْ وَمُطِيعهمْ هَلْ يَدْخُل الْجَنَّة وَيُنَعَّم بِهَا ثَوَابًا وَمُجَازَاة لَهُ عَلَى طَاعَته أَمْ لَا يَدْخُلُونَ بَلْ يَكُون ثَوَابهمْ أَنْ يَنْجُوا مِنْ النَّار ثُمَّ يُقَال : كُونُوا تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ وَهَذَا مَذْهَب اِبْن أَبِي سُلَيْمٍ وَجَمَاعَة , وَالصَّحِيح أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا وَيُنَعَّمُونَ فِيهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَغَيْرهمَا , وَهَذَا قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالضَّحَّاك وَمَالِك بْن أَنَس وَابْن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرهمْ.



