المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (1588)]
(سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (1588)]
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيَّ يُحَدِّثُ أَبِي مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قَالَ خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَبَعَثَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونَا أَنْ نَدْخُلَ الْحَرَمَ فَنَحَرْتُ الْهَدْيَ مَكَانِي ثُمَّ أَحْلَلْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ أَبْدِلْ الْهَدْيَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ
( أَبِي مَيْمُون بْن مِهْرَانَ ) : بَدَل مِنْ لَفْظ أَبِي ( أَهْل الشَّام ) : يَعْنِي الْحَجَّاج ( وَبَعَثَ ) : أَيْ أَرْسَلَ ( مَكَانِي ) : الَّذِي كُنْت فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا مَنْ لَا يَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي غَيْر الْفَرْض فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمهُ بَدَل الْهَدْي , وَمَنْ أَوْجَبَهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الْبَدَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } وَمَنْ نَحَرَ الْهَدْي فِي الْمَوْضِع الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ وَكَانَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَم فَإِنَّ هَدْيه لَمْ يَبْلُغ الْكَعْبَة فَلَزِمَهُ إِبْدَاله وَإِبْلَاغه الْكَعْبَة. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة لِهَذَا الْقَوْل اِنْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِعْله إِنْ صَحَّ الْحَدِيث اُسْتُحِبَّ الْإِبْدَال وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا , كَمَا اُسْتُحِبَّ الْإِتْيَان بِالْعُمْرَةِ , وَلَمْ يَكُنْ قَضَاء مَا أُحْصِرَ عَنْهُ وَاجِبًا بِالتَّحَلُّلِ اِنْتَهَى ( عَام الْحُدَيْبِيَة ) : قَالَ اِبْن الْقَيِّم : عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة كَانَتْ سَنَة سِتّ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْت فَنَحَرَ الْبُدْن حَيْثُ صُدَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابه رُءُوسهمْ وَحَلُّوا مِنْ إِحْرَامهمْ وَرَجَعَ مِنْ عَامه إِلَى الْمَدِينَة , وَعُمْرَة الْقَضَاء وَيُقَال لَهَا عُمْرَة الْقَضِيَّة فِي الْعَام الْمُقْبِل دَخَلَهَا فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ بَعْد إِكْمَال عُمْرَته. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ قَضَاء الْعُمْرَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا فِي الْعَام الْمَاضِي عُمْرَة مُسْتَأْنَفَة عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد أَحَدهمَا أَنَّهَا قَضَاء وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه , وَالثَّانِي لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ وَهُوَ قَوْل مَالِك رَحِمَهُ اللَّه وَاَلَّذِينَ قَالُوا كَانَتْ قَضَاء اِحْتَجُّوا بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضَاء وَهَذَا الِاسْم تَابِع لِلْحُكْمِ. وَقَالَ آخَرُونَ : الْقَضَاء هُنَا مِنْ الْمُقَاضَاة لِأَنَّهُ قَاضَى أَهْل مَكَّة عَلَيْهَا لَا أَنَّهُ مِنْ قَضَى يَقْضِي قَضَاء , قَالُوا وَلِهَذَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضِيَّة , قَالُوا وَاَلَّذِينَ صُدُّوا عَنْ الْبَيْت كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة , وَلَوْ كَانَ قَضَاء لَمْ يَتَخَلَّف مِنْهُمْ أَحَد. وَهَذَا الْقَوْل أَصَحّ لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْقَضَاءِ اِنْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيث فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بْن إِسْحَاق. أَوْ عَرَجَ , هَلْ حُكْمه حُكْم الْمُحْصَر فِي جَوَاز التَّحَلُّل ؟ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَمَرْوَان بْنِ الْحَكَم : أَنَّهُ لَا يُحَلِّلهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبه. وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَالْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ. وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ , وَأَبِي ثَوْر , وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ. وَمِنْ حُجَّة هَؤُلَاءِ : حَدِيث الْحَجَّاج وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس. قَالُوا : وَهُوَ حَدِيث حَسَن يُحْتَجّ بِمِثْلِهِ. قَالُوا : وَأَيْضًا ظَاهِر الْقُرْآن , بَلْ صَرِيحه , يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَصْر يُكْرَه بِالْمَرَضِ , فَإِنَّ لَفْظ الْإِحْصَار إِنَّمَا هُوَ لِلْمَرَضِ , يُقَال : أَحْصَرَهُ الْمَرَض وَحُصِرَ الْعَدُوّ , فَيَكُون لَفْظ الْآيَة صَرِيحًا فِي الْمَرِيض , وَحُصِرَ الْعَدُوّ مُلْحَق بِهِ , فَكَيْف يَثْبُت الْحُكْم فِي الْفَرْع دُون الْأَصْل ؟ قَالَ الْخَلِيل وَغَيْره : حَصَرْت الرَّجُل حَصْرًا : مَنَعْته وَحَبَسْته , وَأُحْصِرَ هُوَ عَنْ بُلُوغ الْمَنَاسِك بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوه. قَالُوا : وَعَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْل اِبْن عَبَّاس "" لَا حَصْر إِلَّا حَصْر الْعَدُوّ , وَلَمْ يَقُلْ لَا إِحْصَار إِلَّا إِحْصَار الْعَدُوّ , فَلَيْسَ بَيْن رَأْيه وَرِوَايَته تَعَارُض , وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهمَا فَالْأَخْذ بِرِوَايَتِهِ دُون رَأْيه , لِأَنَّ رِوَايَته حُجَّة وَرَأْيه لَيْسَ بِحَجَّةٍ. قَالُوا : وَقَوْلكُمْ : لَوْ كَانَ يَحِلّ بِالْحَصْرِ , لَمْ يَكُنْ لِلِاشْتِرَاطِ مَعْنًى جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِالِاشْتِرَاطِ , وَلَا يُفِيد الشَّرْط عِنْدكُمْ شَيْئًا. فَلَا يَحِلّ عِنْدكُمْ بِشَرْطٍ وَلَا بِدُونِهِ , فَالْحَدِيثَانِ مَعًا حُجَّة عَلَيْكُمْ , وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدنَا أَنَّهُ يَسْتَفِيد بِالشَّرْطِ فَائِدَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا : جَوَاز الْإِحْلَال , وَالثَّانِيَة : سُقُوط الدَّم , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْط اِسْتَفَادَ بِالْعُذْرِ الْإِحْلَال وَحْده , وَثَبَتَ وُجُوب الدَّم عَلَيْهِ , فَتَأْثِير الِاشْتِرَاط فِي سُقُوط الدَّم. وَأَمَّا قَوْلكُمْ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحِلّ بَعْد فَوَاته بِمَا يَحِلّ بِهِ مَنْ يَفُوتهُ الْحَجّ لِغَيْرِ مَرَض فَفِي غَايَة الضَّعْف , فَإِنَّهُ لَا تَأْثِير لِلْكَسْرِ وَلَا لِلْعَرَجِ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ الْمُفَوِّت يَحِلّ صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا يَتَضَمَّن تَعْلِيق الْحُكْم بِوَصْفٍ لَمْ يَعْتَبِرهُ النَّصّ وَإِلْغَاء الْوَصْف الَّذِي اِعْتَبَرَهُ وَهَذَا غَيْر جَائِز. وَأَمَّا قَوْلكُمْ : إِنَّهُ يُحْمَل عَلَى الْحِلّ بِالشَّرْطِ فَالشَّرْط إِنَّمَا أَنْ يَكُون لَهُ تَأْثِير فِي الْحِلّ



