المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (1663)]
(سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (1663)]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَيَّاضٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ أَبُو دَاوُد سَمَّاهُ ابْنُ عَوْنٍ فَقَالَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
( إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ ) : أَيْ دَارَ عَلَى التَّرْتِيب الَّذِي اِخْتَارَهُ اللَّه تَعَالَى وَوَضَعَهُ يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَهُوَ أَنْ يَكُون كُلّ عَام اِثْنَيْ عَشَر شَهْرًا وَكُلّ شَهْر مَا بَيْن تِسْعَة وَعِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَكَانَتْ الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهمْ غَيَّرُوا ذَلِكَ فَجَعَلُوا عَامًا اِثْنَيْ عَشَر شَهْرًا وَعَامًا ثَلَاثَة عَشَر , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْسِئُونَ الْحَجّ فِي كُلّ عَامَيْنِ ثُمَّ شَهْر إِلَى شَهْر آخَر بَعْده , وَيَجْعَلُونَ الشَّهْر الَّذِي أَنْسَئُوهُ مُلْغًى , فَتَصِير تِلْكَ السَّنَة ثَلَاثَة عَشَر وَتَتَبَدَّل أَشْهُرهَا فَيُحِلُّونَ الْأَشْهُر الْحُرُم وَيُحَرِّمُونَ غَيْرهَا , فَأَبْطَلَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ عَلَى مَدَاره الْأَصْلِيّ. فَالسَّنَة الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع هِيَ السَّنَة الَّتِي وَصَلَ ذُو الْحِجَّة إِلَى مَوْضِعه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ يَعْنِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَكُون ذُو الْحِجَّة فِي هَذَا الْوَقْت فَاحْفَظُوهُ , وَاجْعَلُوا الْحَجّ فِي هَذَا الْوَقْت , وَلَا تُبَدِّلُوا شَهْرًا بِشَهْرٍ كَعَادَةِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة. كَذَا فِي شَرْح الْمِشْكَاة. وَقَالَ الْإِمَام الْحَافِظ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِم : مَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ قَدْ بَدَّلَتْ أَشْهُر الْحَرَام وَقَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أَوْقَاتهَا مِنْ أَجْل النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه فِي كِتَابه فَقَالَ : { إِنَّمَا النَّسِيء زِيَادَة فِي الْكُفْر يُضِلّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } الْآيَة وَمَعْنَى النَّسِيء تَأْخِير رَجَب إِلَى شَعْبَان وَالْمُحَرَّم إِلَى صَفَر , وَأَصْله مَأْخُوذ مِنْ نَسَأْت الشَّيْء إِذَا أَخَّرْته , وَمِنْهُ النَّسِيئَة فِي الْبَيْع , وَكَانَ مِنْ جُمْلَة مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ الدِّين تَعْظِيم هَذِهِ الْأَشْهُر الْحُرُم وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِيهَا عَنْ الْقِتَال وَسَفْك الدِّمَاء وَيَأْمَن بَعْضهمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ تَنْصَرِم هَذِهِ الْأَشْهُر وَيَخْرُجُوا إِلَى أَشْهُر الْحِلّ , فَكَانَ أَكْثَرهمْ يَتَمَسَّكُونَ بِذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِلُّونَ الْقِتَال فِيهَا , وَكَانَ قَبَائِل مِنْهُمْ يَسْتَبِيحُونَهَا فَإِذَا قَاتَلُوا فِي شَهْر حَرَام حَرَّمُوا مَكَانه شَهْرًا آخَر مِنْ أَشْهُر الْحِلّ فَيَقُولُونَ نَسَأْنَا الشَّهْر , وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى اِخْتَلَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ حِسَابه مِنْ أَيْدِيهمْ , فَكَانُوا رُبَّمَا يَحُجُّونَ فِي بَعْض السِّنِينَ فِي شَهْر وَيَحُجُّونَ فِي بَعْض السِّنِينَ فِي شَهْر وَيَحُجُّونَ مِنْ قَابِل فِي شَهْر غَيْره إِلَى كَانَ الْعَام الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَادَفَ حَجّهمْ شَهْر الْحَجّ الْمَشْرُوع وَهُوَ ذُو الْحِجَّة فَوَقَفَ بِعَرَفَة الْيَوْم التَّاسِع مِنْهُ , ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَأَعْلَمهُمْ أَنَّ أَشْهُر الْحَجّ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَان , وَعَادَ الْأَمْر إِلَى الْأَصْل الَّذِي وَضَعَ اللَّه حِسَاب الْأَشْهُر عَلَيْهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَبَدَّل أَوْ يَتَغَيَّر فِيمَا يُسْتَأْنَف مِنْ الْأَيَّام. فَهَذَا تَفْسِيره وَمَعْنَاهُ اِنْتَهَى كَلَامه ( السَّنَة اِثْنَا عَشَر ) : جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة مُبَيِّنَة لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى. قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُم ) : قَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ } أَيْ بِهَتْكِ حُرْمَتهَا وَارْتِكَاب حَرَامهَا , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ حُرْمَة الْمُقَاتَلَة فِيهَا مَنْسُوخَة , وَيُؤَيِّد النَّسْخ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَاصَرَ الطَّائِف وَغَزَا هَوَازِن بِحُنَيْن فِي شَوَّال وَذِي الْقَعْدَة ( ثَلَاث ) : أَيْ لَيَالٍ ( مُتَوَالِيَات ) : أَيْ مُتَتَابِعَات اِعْتَبَرَ اِبْتِدَاء الشُّهُور مِنْ اللَّيَالِي فَحُذِفَتْ التَّاء قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( وَرَجَب مُضَر ) : إِنَّمَا أَضَافَ الشَّهْر إِلَى مُضَر لِأَنَّهَا تُشَدِّد فِي تَحْرِيم رَجَب , وَتُحَافِظ عَلَى ذَلِكَ أَشَدّ مِنْ مُحَافَظَة سَائِر الْعَرَب , فَأُضِيفَ الشَّهْر إِلَيْهِمْ بِهَذَا الْمَعْنَى ( الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان ) : فَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَوْكِيد الْبَيَان كَمَا قَالَ فِي أَسْنَان الصَّدَقَة. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنَة مَخَاض فَابْن لَبُون ذَكَر , وَمَعْلُوم أَنَّ اِبْن اللَّبُون لَا يَكُون إِلَّا ذَكَرًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا نَسُوا رَجَبًا وَحَوَّلُوهُ عَنْ مَوْضِعه وَسَمَّوْا بِهِ بَعْض الشُّهُور الْأُخَر , فَنَحَلُوهُ اِسْمه , فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَجَبًا هَذَا الشَّهْر الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان لَا مَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ رَجَبًا عَلَى حِسَاب النَّسِيء قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ. ( عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة ) : إِثْبَات وَاسِطَة اِبْن أَبِي بَكْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث , أَيْ حَدِيث مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن فَيَّاض صَحِيح. قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف : حَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّته فَقَالَ : إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْحَجّ عَنْ مُحَمَّد بْنِ يَحْيَى بْن فَيَّاض عَنْ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي بَكْرَة وَسَيَأْتِي اِنْتَهَى. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة هُوَ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي بَكْرَة اِنْتَهَى. وَأَمَّا زِيَادَة اِبْن أَبِي بَكْرَة بَيْن مُحَمَّد وَأَبِي بَكْرَة فِي حَدِيث مُسَدَّد عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد الْمُتَقَدِّم وَجَدْت فِي بَعْض نُسَخ السُّنَن دُون بَعْض وَالصَّحِيح إِسْقَاط هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث مُسَدَّد. وَهَكَذَا بِحَذْفِ إِسْقَاط وَاسِطَة اِبْن أَبِي بَكْرَة فِي تُحْفَة الْأَشْرَاف فِي تَرْجَمَة مُسَدَّد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي بَكْرَة. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : مُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي بَكْرَة هَكَذَا فِي النُّسْخَتَيْنِ مِنْ الْمُنْذِرِيِّ ( وَسَمَّاهُ اِبْن عَوْن ) : حَدِيث اِبْن عَوْن رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْعِلْم عَنْ مُسَدَّد عَنْ بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي الدِّيَات مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ عَنْ اِبْن عَوْن. قَالَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَحَدِيث مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا.



