المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (3679)]
(سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (3679)]
حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ
( يَخْضِبُونَ ) : بِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ يُغَيِّرُونَ الشَّعْر الْأَبْيَض مِنْ الشَّيْب الْوَاقِع فِي الرَّأْس وَاللِّحْيَة ( بِالسَّوَادِ ) : أَيْ بِاللَّوْنِ الْأَسْوَد ( كَحَوَاصِل الْحَمَام ) : أَيْ كَصُدُورِهَا فَإِنَّهَا سُود غَالِبًا وَأَصْل الْحَوْصَلَة الْمَعِدَة وَالْمُرَاد هُنَا صَدْره الْأَسْوَد قَالَ الطِّيبِيُّ مَعْنَاهُ كَحَوَاصِل الْحَمَام فِي الْغَالِب لِأَنَّ حَوَاصِل بَعْض الْحَمَامَات لَيْسَتْ بِسُودٍ ( لَا يَرِيحُونَ ) : أَيْ لَا يَشُمُّونَ وَلَا يَجِدُونَ ( رَائِحَة الْجَنَّة ) : يَعْنِي وَرِيحهَا تُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْس مِائَة عَام كَمَا فِي حَدِيث , فَالْمُرَاد بِهِ التَّهْدِيد أَوْ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلّ أَوْ مُقَيَّد بِمَا قَبْل دُخُول الْجَنَّة مِنْ الْقَبْر أَوْ الْمَوْقِف أَوْ النَّار. قَالَ مَيْرك ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى كَرَاهَة الْخِضَاب بِالسَّوَادِ , وَجَنَحَ النَّوَوِيّ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَة تَحْرِيم وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَاد وَلَمْ يُرَخِّص فِي غَيْره , وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة فَأَجَازَهُ لَهَا دُون الرَّجُل وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيّ. وَأَمَّا خَضْب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَيُسْتَحَبّ فِي حَقّ النِّسَاء وَيَحْرُم فِي حَقّ الرِّجَال إِلَّا لِلتَّدَاوِي كَذَا فِي الْمِرْقَاة وَقَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح تَحْت قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "" إِنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ "" هَكَذَا أَطْلَقَ. وَلِأَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ "" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَة مِنْ الْأَنْصَار بِيض لِحَاهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَر الْأَنْصَار حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْل الْكِتَاب "" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط نَحْوه مِنْ حَدِيث أَنَس. وَفِي الْكَبِير مِنْ حَدِيث عُتْبَة بْن عَبْد "" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِتَغْيِيرِ الشَّعْر مُخَالَفَة لِلْأَعَاجِمِ "" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ الْخِضَاب بِالسَّوَادِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَاب ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مَسْأَلَة اِسْتِثْنَاء الْخَضْب بِالسَّوَادِ لِحَدِيثَيْ جَابِر وَابْن عَبَّاس وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَاد وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْأَوْلَى كَرَاهَته , وَجَنَحَ النَّوَوِيّ إِلَى أَنَّهُ كَرَاهَة تَحْرِيم. وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَة مِنْ السَّلَف مِنْهُمْ سَعْد بْن أَبِي وَقَاصٍ وَعُقْبَة بْن عَامِر وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن وَجَرِير وَغَيْر وَاحِد وَاخْتَارَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الْخِضَاب لَهُ , وَأَجَابَ عَنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ "" يَكُون قَوْم يَخْضِبُونَ بِالسَّوَادِ لَا يَجِدُونَ رِيح الْجَنَّة "" بِأَنَّهُ لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى كَرَاهَة الْخِضَاب بِالسَّوَادِ بَلْ فِيهِ الْإِخْبَار عَنْ قَوْم هَذِهِ صِفَتهمْ , وَعَنْ حَدِيث جَابِر "" جَنِّبُوهُ السَّوَاد "" بِأَنَّهُ فِي حَقّ مَنْ صَارَ شَيْب رَأْسه مُسْتَبْشَعًا وَلَا يَطَّرِد ذَلِكَ فِي حَقّ كُلّ أَحَد اِنْتَهَى. وَمَا قَالَهُ خِلَاف مَا يَتَبَادَر مِنْ سِيَاق الْحَدِيثَيْنِ. نَعَمْ يَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ "" كُنَّا نَخْضِب بِالسَّوَادِ إِذَا كَانَ الْوَجْه جَدِيدًا فَلَمَّا نَغَضَ الْوَجْه وَالْأَسْنَان تَرَكْنَاهُ "" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ "" مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّه وَجْهه يَوْم الْقِيَامَة وَسَنَده لَيِّن اِنْتَهَى كَلَام الْحَافِظ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي إِسْنَاده عَبْد الْكَرِيم وَلَمْ يَنْسُبهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَا النَّسَائِيُّ وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ عَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي الْمُخَارِقِ أَبُو أُمَيَّة وَلَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ وَضَعْف الْحَدِيث بِسَبَبِهِ , وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ عَبْد الْكَرِيم بْن مَالِك الْجَزَرِيُّ أَبُو سَعِيد وَهُوَ مِنْ الثِّقَات اِتَّفَقَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِهِ وَقَوَّى مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيُّ وَعَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي الْمُخَارِقِ مِنْ أَهْل الْبَصْرَة نَزَلَ مَكَّة. وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي رَوَى عَنْ عَبْد الْكَرِيم هَذَا الْحَدِيث هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الرَّقِّيّ وَهُوَ مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَهْل الْجَزِيرَة وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَم.



