المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (3778)]
(سنن أبي داود) - [الحديث رقم: (3778)]
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ
( كَيْف تَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ ) : أَيْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة وَمَا تَقُول فِيهِ فَإِنَّ ظَاهِرهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى الْأَمْر وَالنَّهْي , بَلْ عَلَى كُلّ مُسْلِم إِصْلَاح نَفْسه ( أَمَا ) : بِالتَّخْفِيفِ حَرْف التَّنْبِيه ( بَلْ اِئْتَمِرُوا ) : أَيْ اِمْتَثِلُوا ( بِالْمَعْرُوفِ ) : أَيْ وَمِنْهُ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ ( وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَر ) : أَيْ اِنْتَهُوا وَاجْتَنِبُوا عَنْهُ , وَمِنْهُ الِامْتِنَاع عَنْ نَهْيه أَوْ الِائْتِمَار بِمَعْنَى التَّآمُر كَالِاخْتِصَامِ بِمَعْنَى التَّخَاصُم , وَيُؤَيِّدهُ التَّنَاهِي , وَالْمَعْنَى لِيَأْمُر بَعْضكُمْ بَعْضًا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَ طَائِفَة مِنْكُمْ طَائِفَة عَنْ الْمُنْكَر. وَقَالَ الطِّيبِيّ : قَوْله بَلْ اِئْتَمِرُوا إِضْرَاب عَنْ مُقَدَّر أَيْ سَأَلْت عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْت أَمَا نَتْرُك الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر بِنَاء عَلَى ظَاهِر الْآيَة فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تَتْرُكُوا بَلْ اِئْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ ( حَتَّى إِذَا رَأَيْت ) : الْخِطَاب عَامّ لِكُلِّ مُسْلِم ( شُحًّا مُطَاعًا ) : أَيْ بُخْلًا مُطَاعًا بِأَنْ أَطَاعَتْهُ نَفْسك وَطَاوَعَهُ غَيْرك قَالَهُ الْقَارِي. وَفِي النِّهَايَة : هُوَ أَشَدّ الْبُخْل , وَقِيلَ الْبُخْل مَعَ الْحِرْص , وَقِيلَ الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور وَآحَادهَا , وَالشُّحّ عَامّ , وَقِيلَ الْبُخْل بِالْمَالِ وَالشُّحّ بِالْمَالِ وَالْمَعْرُوف ( وَهَوًى مُتَّبَعًا ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُول أَيْ وَهَوًى لِلنَّفْسِ مَتْبُوعًا وَطَرِيق الْهُدَى مَدْفُوعًا وَالْحَاصِل أَنَّ كُلًّا يَتْبَع هَوَاهُ ( وَدُنْيًا ) : بِالتَّنْوِينِ كَذَا ضُبِطَ فِي بَعْض النُّسَخ بِالْقَلَمِ. وَقَالَ الْقَارِي : فِي شَرْح الْمِشْكَاة بِالْقَصْرِ , وَفِي نُسْخَة بِالتَّنْوِينِ قَالَ وَهِيَ عِبَارَة عَنْ الْمَال وَالْجَاه فِي الدَّار الدَّنِيَّة ( مُؤْثَرَة ) : أَيْ مُخْتَارَة عَلَى أُمُور الدِّين ( وَإِعْجَاب كُلّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ ) : أَيْ مِنْ غَيْر نَظَر إِلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة وَتَرْك الِاقْتِدَاء بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَالْإِعْجَاب بِكَسْرِ الْهَمْزَة هُوَ وِجْدَان الشَّيْء حَسَنًا وَرُؤْيَته مُسْتَحْسَنًا بِحَيْثُ يَصِير صَاحِبه بِهِ مُعْجَبًا وَعَنْ قَبُول كَلَام الْغَيْر مُجَنَّبًا وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فِي نَفْس الْأَمْر ( فَعَلَيْك يَعْنِي بِنَفْسِك ) : كَأَنَّ فِي الْحَدِيث لَفْظ فَعَلَيْك فَقَطْ فَزَادَ بَعْض الرُّوَاة يَعْنِي بِنَفْسِك إِيضَاحًا لِقَوْلِهِ فَعَلَيْك أَيْ يُرِيد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْك فَعَلَيْك بِنَفْسِك , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فَعَلَيْك نَفْسك ( وَدَعْ عَنْك الْعَوَامّ ) : أَيْ وَاتْرُكْ عَامَّة النَّاس الْخَارِجِينَ عَنْ طَرِيق الْخَوَاصّ ( فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ ) : أَيْ خَلْفكُمْ ( أَيَّام الصَّبْر ) : أَيْ أَيَّامًا لَا طَرِيق لَكُمْ فِيهَا إِلَّا الصَّبْر أَوْ أَيَّامًا يُحْمَد فِيهَا الصَّبْر وَهُوَ الْحَبْس عَلَى خِلَاف النَّفْس ( الصَّبْر فِيهِ ) : كَذَا فِي عَامَّة النُّسَخ الَّتِي فِي أَيْدِينَا وَفِي نُسْخَة فِيهِنَّ وَهُوَ الظَّاهِر وَأَمَّا تَذْكِير الضَّمِير كَمَا فِي عَامَّة النُّسَخ فَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا أَنْ يُؤَوَّل أَيَّام الصَّبْر بِوَقْتِ الصَّبْر. وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ "" فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّام الصَّبْر فِيهِ مِثْل قَبْض عَلَى الْجَمْر "" قَالَ فِي فَتْح الْوَدُود : قَوْله "" فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّام "" هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ وَفِي بَعْضهَا أَيَّامًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ الظَّاهِر وَالْأَوَّل مَحْمُول عَلَى مُسَامَحَة أَهْل الْحَدِيث فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوب بِصُورَةِ الْمَرْفُوع أَوْ عَلَى لُغَة مَنْ يَرْفَع اِسْم إِنَّ أَوْ عَلَى حَذْف ضَمِير الشَّأْن وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم اِنْتَهَى ( مِثْل قَبْض عَلَى الْجَمْر ) : يَعْنِي يَلْحَقهُ الْمَشَقَّة بِالصَّبْرِ كَمَشَقَّةِ الصَّابِر عَلَى قَبْض الْجَمْر بِيَدِهِ ( يَعْمَلُونَ مِثْل عَمَله ) : أَيْ فِي غَيْر زَمَانه ( وَزَادَنِي غَيْره ) : وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَزَادَنِي غَيْر عُتْبَة ( قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَجْر خَمْسِينَ ) : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَام ( مِنْهُمْ ) : قَالَ الْقَارِي فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدهمَا أَنْ يَكُون أَجْر كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَلَى تَقْدِير أَنَّهُ غَيْر مُبْتَلًى وَلَمْ يُضَاعَف أَجْره , وَثَانِيهمَا أَنْ يُرَاد أَجْر خَمْسِينَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يُبْتَلَوْا بِبَلَائِهِ اِنْتَهَى ( قَالَ أَجْر خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) : قَالَ فِي فَتْح الْوَدُود : هَذَا فِي الْأَعْمَال الَّتِي يَشُقّ فِعْلهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّام لَا مُطْلَقًا وَقَدْ جَاءَ "" لَوْ أَنْفَقَ أَحَدكُمْ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدهمْ وَلَا نَصِيفه "" وَلِأَنَّ الصَّحَابِيّ أَفْضَل مِنْ غَيْره مُطْلَقًا اِنْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام : لَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقه بَلْ هُوَ مَبْنِيّ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْأَعْمَال تَشْرُف بِثَمَرَاتِهَا , وَالثَّانِيَة أَنَّ الْغَرِيب فِي آخِر الْإِسْلَام كَالْغَرِيبِ فِي أَوَّله وَبِالْعَكْسِ لِقَوْلِهِ : "" بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي "" يُرِيد الْمُنْفَرِدِينَ عَنْ أَهْل زَمَانهمْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُول الْإِنْفَاق فِي أَوَّل الْإِسْلَام أَفْضَل لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِخَالِدِ بْن الْوَلِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ "" لَوْ أَنْفَقَ أَحَدكُمْ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مَا بَلَغَ مَدّ أَحَدهمْ وَلَا نَصِيفه "" أَيْ مُدَّ الْحِنْطَة وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ تِلْكَ النَّفَقَة أَثْمَرَتْ فِي فَتْح الْإِسْلَام وَإِعْلَاء كَلِمَة اللَّه مَا لَا يُثْمِر غَيْرهَا , وَكَذَلِكَ الْجِهَاد بِالنُّفُوسِ لَا يَصِل الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ إِلَى فَضْل الْمُتَقَدِّمِينَ لِقِلَّةِ عَدَد الْمُتَقَدِّمِينَ وَقِلَّة أَنْصَارهمْ , فَكَانَ جِهَادهمْ أَفْضَل ; وَلِأَنَّ بَذْل النَّفْس مَعَ النُّصْرَة وَرَجَاء الْحَيَاة لَيْسَ كَبَذْلِهَا مَعَ عَدَمهَا , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام "" أَفْضَل الْجِهَاد كَلِمَة حَقّ عِنْد سُلْطَان جَائِر "" جَعَلَهُ أَفْضَل الْجِهَاد لِيَأْسِهِ مِنْ حَيَاته وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر بَيْن ظُهُور الْمُسْلِمِينَ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام فَإِنَّ ذَلِكَ شَاقّ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ الْمُعِين وَكَثْرَة الْمُنْكَر فِيهِمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَى السُّلْطَان الْجَائِر , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : "" يَكُون الْقَابِض عَلَى دِينه كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْر "" لَا يَسْتَطِيع دَوَام ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْمَشَقَّة فَكَذَلِكَ الْمُتَأَخِّر فِي حِفْظ دِينه وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُعِين وَعَدَم الْمُنْكَر فَعَلَى هَذَا يَنْزِل الْحَدِيث اِنْتَهَى. كَذَا فِي مِرْقَاة الصُّعُود. قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن غَرِيب. وَأَبُو ثَعْلَبَة اِسْمه جُرْثُوم وَأَبُو أُمَيَّة يُحْمِد. هَذَا آخِر كَلَامه. وَفِي اِسْم أَبِي ثَعْلَبَة اِخْتِلَاف كَثِير قِيلَ جُرْثُومَة , وَقِيلَ جُرْهُم , وَقِيلَ عَمْرو , وَقِيلَ لَاش , وَقِيلَ لَاشِر , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَفِي اِسْم أَبِيهِ اِخْتِلَاف قِيلَ نَاشِر وَنَاشِب وُجُرْهُم , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَزَادَنِي غَيْر عُتْبَة وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. وَعُتْبَة هَذَا هُوَ الْعَبَّاس بْن عُتْبَة بْن أَبِي حَكِيم الْهَمْدَانِيُّ الشَّامِيّ وَثَّقَهُ غَيْر وَاحِد وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْر وَاحِد. وَيُحْمِد بِضَمِّ الْيَاء آخِر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا مِيم مَكْسُورَة وَدَال مُهْمَلَة هَكَذَا قَيَّدَهُ الْأَمِير أَبُو نَصْر وَغَيْره , وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْيَاء , وَالْخُشَنِيّ مَنْسُوب إِلَى خُشَن بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَيَاء آخِر الْحُرُوف سَاكِنَة وَنُون وَهُوَ خُشَيْن بْن نَمِر بْن وَبَرَة بَطْن مِنْ قُضَاعَة وَعَامَّتهمْ بِالشَّامِ وَفِي فَزَارَة أَيْضًا خُشَيْن.



